المبحث التاسع: الحديث المنكر

٣٤ فقرة، ج ١ ص ١٠٣٣

  1. هو ضد (المعروف) .

    ج ١ ص ١٠٣٣
  2. وله بعد الاصطلاح صورتان:
  3. الصورة الأولى: الحديث الفرد المخالف الذي يرويه المستور، أو الموصوف بسوء الحفظ، أو المضعف في بعض شيوخه دون بعض، أو بعض حديثه دون بعض.

  4. مثل ما رواه مصعب بن شيبة عن طلق بن حبيب عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء " .

    قال مصعب بن شيبة: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة.

    قلت: خالف مصعب سليمان التيمي وأبو بشر جعفر بن إياس، فقالا: عن طلق، قال: فذكراه من قوله.

  5. وهذان ثقتان، ومصعب ضعيف، ولا متابع له (١) .

    1. (١)خرجت هذا الحديث وبينت علته بتفصيل في كتابي " إعفاء اللحية، دراسة حديثية فقهية " .......
    ج ١ ص ١٠٣٤
  6. الصورة الثانية: الحديث الذي يتفرد به الراوي الضعيف ولا يوجد له أصل من غير طريقه.

  7. فهذا منكر لمجرد تفرد الضعيف وإن لم يخالف.

  8. مثل ما رواه محمد بن عمر بن الرومي، قال: حدثنا شريك، عن سلمة بن كهيل، عن سويد بن غفلة، عن الصنابحي، عن علي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنا دار الحكمة، وعلي بابها " (٢) .

    1. (٢)أخرجه الترمذي (رقم: ٣٧٢٣).
  9. فهذا تفرد به ابن الرومي هذا عن شريك، وهو ضعيف، قال أبو حاتم الرازي: " روى عن شريك حديثاً منكراً " (٣) .

    قلت: يعني هذا الحديث.

    وقال الترمذي: " هذا حديث غريب منكر " ، وقال ابن حبان: " هذا خبر لا أصل له عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولا شريك حدث به، ولا سلمة بن كهيل رواه، ولا الصنابحي أسنده " (٤) .

    قلت: والرومي هذا لين الحديث ليس بالقوي.

    1. (٣)الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٢٢).
    2. (٤)المجروحين (٢/ ٩٤).
  10. واعلم أن النكارة تقع في الإسناد وتقع في المتن، إذ التفرد أو المخالفة واردة فيهما.

  11. ومظنة وجوده: كتب الضعفاء التي عنيت بذكر ما يؤخذ على الراوي أو بعض ما يؤخذ عليه، مما يندرج تحت أسباب ضعفه، مثل: " الكامل "

  12. لابن عدي، و " الضعفاء " للعقيلي، و " المجروحين " لابن حبان، وهي أنفع الكتب في هذا الباب.

    ج ١ ص ١٠٣٥
  13. [تفسير مصطلح (المنكر) في كلام المتقدمين]

  14. وقع في كلام متقدمي أئمة الحديث إطلاق وصف (المنكر) على ما يأتي:

    أولاً: تفرد الثقة، وقع هذا في بعض كلام أحمد بن حنبل، وقاله أبو بكر البرديجي (١) .

    1. (١)انظر: شرح علل الترمذي (١/ ٤٥٠ _ ٤٥٢) .......
  15. وكان يحيى القطان يتشدد في تفرد الثقة، حتى ربما عد ذلك من وهمه.

    قال أحمد بن حنبل: قال لي يحيى بن سعيد: " لا أعلم عبيد الله (يعني ابن عمر) أخطأ إلا في حديث واحد لنافع، حديث عبيد الله عن نافع عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تسافر امرأة فوق ثلاثة أيام " ، قال أحمد: فأنكره يحيى بن سعيد عليه، فقال لي يحيى بن سعيد: " فوجدته، فوجدت به العمري الصغير (٢) عن نافع عن ابن عمر، مثله " ، قال أحمد: لم يسمعه إلا من عبيد الله، فلما بلغه عن العمري صححه (٣) .

    قلت: حكم بالنكارة للغرابة، فلما زالت بالمتابعة حكم بصحته، مع أنها متابعة من لين، إذ العمري الصغير ضعيف ليس بالقوي في الحديث، لكنه صالح في المتابعات.

    1. (٢)يعني عبد الله بن عمر العمري.
    2. (٣)مسائل الإمام أحمد، رواية ابن هانئ (٢/ ٢١٦) .......
  16. وهذا مما لم تجر عليه طريقة الشيخين ولا غيرهما، بل الثقة مقبول التفرد، ما لم يأت بما يخالف فيه.

  17. ثانياً: أنواع من الحديث الضعيف لأسباب أخرى، كالحديث الشاذ، أو الحديث الفرد الذي قام الدليل على أنه قد وهم فيه الثقة، والمدرج، والمنقطع، وحديث المجهول، وقع ذلك في كلام غير واحد من الأئمة المتقدمين، كيحيى بن سعيد القطان، وأحمد بن حنبل، وأبي زرعة، وأبي حاتم، وأبي داود، والنسائي، وغيرهم، يطلقون لقب (المنكر) على هذه الأنواع.

    ج ١ ص ١٠٣٦
  18. ثالثاً: الحديث الفرد الذي يرويه الصدوق النازل عن درجة أهل الإتقان، وليس له عاضد يصحح به، ترى هذا في كلام أحمد بن حنبل وأبي داود والنسائي والعقيلي وابن عدي وغيرهم.

  19. وهذا هو (الحديث الحسن) وهو أحد قسمي (الحديث المقبول) .

  20. فالنكارة هنا لا يراد بها غير معنى التفرد، ويزول أثرها إذا استقصينا تحقيق شروط حسن الحديث.

  21. رابعاً: الحديث الفرد الذي يرويه المستور، أو الموصوف بسوء الحفظ، أوالمضعف في بعض شيوخه دون بعض، أو بعض حديثه دون بعض، وليس له عاضد يقوي به.

  22. وهذا يوجد في كلام كثير من أئمة الحديث.

  23. مثل ما رواه جعفر بن سلميان الضبعي، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن، عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

    " إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله رب العالمين، ويقال له: يرحمكم الله، وإذا قيل له: يرحمكم الله، فليقل: يغفر الله لكم " (١) .

    ج ١ ص ١٠٣٧قال النسائي: " هذا حديث منكر، ولا أرى جعفر بن سليمان إلا سمعه من عطاء بن السائب بعد الاختلاط، ودخل عطاء بن السائب البصرة مرتين، فمن سمع منه أول مرة فحديثه صحيح، ومن سمع منه آخر مرة ففي حديثه شيء " .

    1. (١)أخرجه النسائي في " عمل اليوم والليلة " (رقم: ٢٢٤) وعنه: ابن السني في " اليوم والليلة " له (رقم: ٢٥٩). وأخرجه الهيثم الشاشي في " مسنده " (رقم: ٧٥١) والحاكم (٢/ ٢٦٦ رقم: ٧٦٩٤) وابن عبد البر في " التمهيد " (١٧/ ٣٣١) من طريق مُحمد بن عبد الله الرقاشي، عن جعفر، به. تابع جعفراً عليه: أبيض بن أبان. أخرجه الطبراني في " الكبير " (١٠/ ٢٠٠ رقم: ١٠٣٢٦) و " الأوسط " (٦/ ٣٢٠ رقم: ٥٦٨١) و " كتاب الدعاء " (رقم: ١٩٨٣) والحاكم، والبيهقي في " الشعب " (٧/ ٣٠ رقم: ٩٣٤٧، ٩٣٤٨). وذكر الطبراني كذلك أن المغيرة بن مسلم رواهُ عن عطاء كما رواهُ أبيض. وقال الحاكم: " هذا حديث لم يرفعه عن أبي عبد الرحمن عن عبْد الله بن مسعود غيرُ عطاء بن السائب، تفرد بروايته عنه جعفر بن سليمان الضُّبعي وأبيض بن أبان القُرشي، والصحيح فيه رواية الإمام الحافظ المتقن سُفيان بن سعيد الثوري عن عطاء بن السائب " يعني موقوفاً من قوْل ابن مسعود. وكذلك قال البيهقي في الموقوف: " وهو الصحيح ". والرواية الموقوفة أخرجها البُخاري في " الأدب المفرد " (رقم: ٩٣٤) والحاكم (رقم: ٧٦٩٥) والبيهقي في " الشعب " (٧/ ٣٠ رقم: ٩٣٤٦) من طرق عن سفيان، به. وأخرجها ابن أبي شيبة (٨/ ٦٩٠) قال: حدثنا ابنُ فضيل، عن عطاء، بإسناد به موقوفاً كذلك. كذلك ذكر الدارقطني أن جرير بن عبد الحميد وعلي بن عاصم روياه عن عطاء موقوفاً أيْضاً، وقال: " والموقوف أشهر " (العلل ٥/ ٣٣٤) .......
  24. وهذه الصورة يمكن إدراجها تحت السادسة الآتية؛ من أجل أنها جاءت عن الراوي في حال الضعف، وإن كان ذلك الراوي قد يقبل في حال أخرى.

  25. خامساً: الحديث الفرد المخالف الذي يرويه من سبق وصفه في الصورة الثانية، ويوصف الراوي بالضعف بحسب كثرة ذلك منه أو قلته، وربما كثر منه حتى يصير متروكاً، كما شرحته في (تفسير الجرح) .

  26. وعلى هذه الصورة أكثر ما يقع إطلاق وصف (المنكر) .

  27. سادساً: الحديث الذي يتفرد به الضعيف بما لا يعرف من غير طريقه، ولا يحتمل منه.

  28. وهذه الصورة مع التي قبلها ينبغي أن يجري عليهما الاصطلاح على ما تقدم اختياره.

    ج ١ ص ١٠٣٨
  29. سابعاً: حديث المتروكين والكذابين.

  30. وتسميته بـ (المنكر) أولى من غيره، وهو غني عن التمثيل؛ لكثرة وقوعه في كلام علماء الحديث.

  31. وحديث هؤلاء كذلك يطلق عليه وصف: (الحديث الواهي) ، وذلك لأجل شدة ضعف راويه، وسقوط الاعتبار به بمرة، يقولون في ذلك: (حديث واه) ، و (إسناده واه) .

  32. تنبيه:
  33. قد يوصف (الحديث المنكر) عندهم بـ (الحديث الباطل) ، ويكثر مثله في كلام الإمام أبي حاتم الرازي، وربما أطلق هذا الوصف على أي من درجات النكارة المتقدمة، وفيما تقدم بعض مثاله.

  34. ومن ذلك قول ابن عدي في (إبراهيم بن البراء الأنصاري) : " ضعيف جداً، حدث عن شعبة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وغيرهم من الثقات بالبواطيل " ، وساق بعض حديثه، ثم قال: " أحاديثه التي ذكرتها وما لم أذكرها، كلها مناكير موضوعة، ومن اعتبر حديثه علم أنه ضعيف جداً، وهو متروك الحديث " (١) .

    قلت: بل فيه تسوية بين (المنكر) و (الباطل) و (الموضوع) ، ولا يخفى إمكان التناسب بينها، وإن تفاوتت عند التفريق بينها دلالاتها.

    1. (١)الكامل (١/ ٤١١ _ ٤١٢).