المبحث العاشر: الحديث الموضوع
١٦٧ فقرة، ج ١ ص ١٠٣٩
الصفحة ١ من ٥
- تعريفه:
-
هو الحديث المختلق المكذوب على النبي صلى الله عليه وسلم، ركب له إسناد أو جاء بغير إسناد.
-
وهذا النوع يدرج في ألقاب الحديث الناتجة عن جرح الراوي، ويذكر في أنواع الحديث الضعيف، وإن كان الضعف فيه ليس حقيقيا؛ فإن الضعف لا يمنع الاحتمال المرجوح، بخلاف (الموضوع) ، فإنه المقطوع بكذبه.
-
والكذب في الحديث من جهة التعمد وعدمه، يعود إلى سببين:
الأول: التعمد والقصد.
-
وهذا ظاهر، وعرفت به طائفة من الهلكى، لأغراض سيأتي التنبيه عليها.
-
مثل: محمد بن سعيد الشامي المصلوب، وكان من أجرأ الناس على وضع الحديث، حتى جاء عنه أنه يسمع الكلام يستحسنه فيضع له إسناداً (١) .
- (١)سيأتي تخريجه عنه.
- ج ١ ص ١٠٤٠
مثل: أبي البختري وهب بن وهب القاضي، فقد كان يكذب يضع الحديث بلا حياء، اتفقت على ذلك عبارات جميع النقاد، وأمثلة ما وضعه أسانيد ومتوناً كثيرة في كتب المجروحين.
-
ومثل: جعفر بن الزبير، قال محمد بن جعفر غندر: رأيت شعبة (يعني ابن الحجاج) راكباً على حمار، فقيل له: أين تريد يا أبا بسطام؟ قال: أذهب فأستعدي (١) على هذا (يعني جعفر بن الزبير) ؛ وضع على رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع مئة حديث كذباً " (٢) .
- (١)أسْتنْصر عليه، كأنه يعني يَشكو أمره إلى السلطان ليَدفع سوءَه.
- (٢)أخرجه ابن عدي في الكامل " (١/ ١٨٢) وإسناده صحيح .......
-
ومثل: محمد بن أحمد بن عيسى الوراق، قال ابن عدي: (يضع الحديث، ويلزق أحاديث قوم لم يرهم، يتفرد بها، على قوم يحدث عنهم ليس عندهم "، قال: " عندي عنه آلاف الحديث، ولو ذكرت مناكيره لطال به الكتاب " (٣) .
- (٣)الكامل (٧/ ٥٥٩، ٥٦٢).
-
وهذا الصنف نفوسهم مريضة عرية من الورع، رخيصة، يكذبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم بغاية من الوقاحة وسوء الأدب ورقة الدين.
-
وفيهم طائفة ربما تذرعوا بجهل أنهم قصدوا نصر الدين، فقالوا: نكذب له صلى الله عليه وسلم لا عليه، ونكذب لمصلحة لا لمفسدة، والكذب المحرم إنما هو في حق من كذب عليه يريد بذلك شينه وشين الإسلام، كما يتنزل على هذا حال نوح بن أبي مريم وشبهه.
-
وهذا الصنف من الرواة هم المعنيون بالوعيد الشديد الوارد في الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، كالحديث الصحيح المتواتر: " من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار " (٤) .
- (٤)جمع طرقه الحافظ الطبراني في " جزء "، وابن الجوزي في صدْر كتاب " الموضوعات ".
- ج ١ ص ١٠٤١
والثاني: الغفلة والخطأ.
-
كمن لا يفهم الحديث، فيحدث فيشبه له، أو يكون أتي من تغير حفظه واختلاطه، أو من قبوله التلقين، أو أن يدس في كتبه وهو لا يعلم.
-
وهذا مما يصاب به كثير من الرواة ليسوا متهمين، لكن الحديث يكون موضوعاً.
-
كقصة ثابت الزاهد (١) ، وكمن جعل الأثر عن بني إسرائيل حديثاً، وهماً منه، كحديث: " الربا سبعون باباً " ، والذي صوابه مما حدث به عبد الله بن سلام، وابن سلام كان من أحبار أهل الكتاب فأسلم (٢) .
- (١)وذكرتها في (الحديث المدرَج).
- (٢)شرحت علل هذا الحديث في كتابي " علل الحديث ".
-
وفي الرواة عدد ذكروا في الكذابين، وعلتهم من جهة الغفلة.
-
مثل: عباد بن كثير الثقفي، فقد قال أبو طالب: سمعت أحمد بن حنبل يقول: " عباد بن كثير أسوأهم حالاً " ، قلت: كان له هوى؟ قال: " لا، ولكن روى أحاديث كذب لم يسمعها، وكان من أهل مكة، وكان رجلاً صالحاً " ، قلت: كيف كان يروي ما لم يسمع؟ قال: " البلاء والغفلة " (٣) .
- (٣)أخرجه ابن عدي في " الكامل " (٥/ ٥٣٨) وإسناده جيد .......
-
ومثل: عطاء بن عجلان العطار، قال يحيى بن معين: " لم يكن بشيء، وكان يوضع له الحديث: حديث الأعمش، عن أبي معاوية الضريرة غيره، فيحدث بها " (٤) .
- (٤)تاريخ يحيى بن معين (النص: ٥٢٧٠).
-
وبسبب الغفلة ربما وضع للراوي الحديث، فحدث به على أنه من حديثه وهو لا يعلم، مثل (محمد بن ميمون الخياط المكي) ، قال أبو حاتم الرازي: " كان أميا مغفلاً، ذكر لي أنه روى عن أبي سعيد مولى بني هاشم عن شعبة حديثاً باطلاً، وما أبعد أن يكون وضع للشيخ؛ فإنه كان أميا " (٥) .
- (٥)الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٨٢). قلت: علل بالأمية وأراد الجهْل؛ لأنه المعنى المناسب للغفلة.
- ج ١ ص ١٠٤٢
[بداية ظهور الكذب في الحديث]
-
عن طاوس بن كيسان، قال: " جاء هذا إلى ابن عباس (يعني بشير بن كعب) فجعل يحدثه، فقال له ابن عباس: عد لحديث كذا وكذا، فعاد له، ثم حدثه، فقال له: عد لحديث كذا وكذا، فعاد له، فقال له: ما أدري، أعرفت حديثي كله وأنكرت هذا؟ أم أنكرت حديثي كله وعرفت هذا؟ فقال له ابن عباس: إنا كنا نحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لم يكن يكذب عليه، فلما ركب الناس الصعب والذلول، تركنا الحديث عنه " (١) .
- (١)أثرٌ حسن. أخرجه الدارمي (رقم: ٤٣٢) ومُسلم في " مقدمته " (ص: ١٢ _ ١٣) وعبد الله بن أحمد في " العلل " (النص: ٤٠٦٩) وابن عدي (١/ ١٢٠) وابنُ حبان في " المجروحين " (١/ ٣٨) والحاكم في " المستدرك " (١/ ١١٢ _ ١١٣ رقم: ٣٨٤) و " المدخل إلى الإكليل " (ص: ٥٢) وأبو نعيم في " المستخرج على مسلم " (رقم: ٧٢) وابنُ عبد البر في " التمهيد " (١/ ٤٣) من طرق عن سفيان بن عيينة، عن هشام بن حجير، عن طاوُس، به. قلت: إسناده حسنٌ، ابن جحير صدوق فيه ضعْفٌ، وقد خرَّج له الشيخان حديثاً اتفقا عليه هوَ مروي عندهما أيضاً من غير طريقه، وتفرَّد عنه مسلم بحديث أيضاً لم ينفرد به كذلك. ولخبره هذا عن طاوس أصْل من رواية ابن طاوُس عن أبيه، ومن رواية مُجاهد أيضاً عن ابن عباس، بمعناه.
-
وعن محمود بن لبيد، قال أمرني يحيى بن الحكم على جرش، فقدمتها، فحدثوني أن عبد الله بن جعفر حدثهم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اتقوا صاحب هذا الداء _ يعني الجذام _ كما يتقى السبع، إذا هبط وادياً فاهبطوا غيره " ، فقلت: والله، لئن كان ابن جعفر حدثكم هذا ما كذبكم، قال: فلما عزلني عن جرش قدمت المدينة، فلقيت عبد الله بن جعفر فقلت له: يا أبا جعفر، ما حديث حدثه عنك أهل جرش؟ ثم حدثته الحديث فقال: كذبوا، والله ما حدثتهم (٢) .
قلت: هذا يدل على أن الكذب بدأ ظهوره في عصر التابعين، ثم صار يزيد مع الإقبال على الحديث والإسناد والاشتغال بذلك.
- (٢)أخرجه ابن عبد البر في " التمهيد " (١/ ٥٢ _ ٥٣) وإسناده حسنٌ، وبعد هذا ساق ابنُ جعفر قصة عن عمر .......
- ج ١ ص ١٠٤٣
[أسباب تعمد وضع الحديث]
-
الحامل للكذابين على وضع الحديث على النبي صلى الله عليه وسلم، يرجع إلى أسباب عدة، تعود جملتها إلى ما يلي:
السبب الأول: الطعن على الإسلام، والتشكيك فيه.
قال حماد بن زيد: " وضعت الزنادقة على رسول الله صلى الله عليه وسلم اثني عشر ألف حديث " (١) .
- (١)أخرجه العقيلي في " الضعفاء " (١/ ١٤) والخطيب في " الكفاية " (ص: ٦٠٤) وابن الجوزي في " الموضوعات " (رقم: ٦) وإسناده صحيح لكن عند ابن الجوزي: (أربعة عشر ألف حديث).
-
وهذا سبب ظن بعض الطاعنين على السنة أن أئمة الحديث غفلوا عنه.
-
وواقع الأمر أن حقيقة هؤلاء كانت مشهورة، وأباطيلهم كانت مكشوفة، ومن عرف مبلغ التثبت الذي أصلت عليه قوانين النقد في الحديث، والتي لا تمرر يسير الوهم من الثقة الحافظ؛ علم أن أمثال هؤلاء المغرضين لم يكونوا ليقدروا على إفساد سنة النبي صلى الله عليه وسلم على الأمة دون أن يقيض الله لهم من أنصار دينه من يظهر حقيقة أمرهم.
-
كما قيل لعبد الله بن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة؟ قال: " يعيش لها الجهابذة " (٢) .
- (٢)أخرجه ابن أبي حاتم في " التقدمة " (ص: ٣) و " الجرح والتعديل " (١/ ١ / ١٨) _ ومن طريقه: الخطيب في " الكفاية " (ص: ٨٠) _ وابنُ عدي في " الكامل " (١/ ١٩٢) وابن عبد البر في " التمهيد " (١/ ٦٠) وإسناده صحيح.
-
من هؤلاء المفضوحين: محمد بن سعيد المصلوب، ومغيرة بن سعيد البجلي، وبيان بن سمعان، وعبد الكريم بن أبي العوجاء.
-
ومن مثاله في الحديث: ما رواه محمد بن سعيد المصلوب، عن
ج ١ ص ١٠٤٤حميد، عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي، إلا أن يشاء الله " (١) .
- (١)ذكره الحاكم في " المدخل إلى الإكليل " (ص: ٥١ _ ٥٢). وأخرجه الجُورْقاني في " الأباطيل " (رقم: ١١٦). والحكم بوضْعه مما لا يختلف فيه .......
-
فهذا من كذب هذا المصلوب الذي فضحه الله به.
-
[السبب الثاني: نصرة الأهواء]
-
ومن سلك هذا أصناف بحسب الأهواء:
١ _ فمنهم من يضع للسلاطين تزلفاً لهم، في فضائلهم أو مثالب خصومهم، كالذي وضع في بني أمية وبني العباس.
-
ومنه التقرب إلى السلطان بوضع الحديث في فضل ما يحب.
قال داود بن رشيد: دخل غياث بن إبراهيم على المهدي، وكان يعجبه الحمام الطيارة التي تجيء من البعد، فروى حديثاً: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل أو جناح " قال: فأمر له بعشرة آلاف درهم، فلما قام وخرج قال: " أشهد أن قفاك قفا كذاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: جناح، ولكن هذا أراد أن يتقرب إلينا، يا غلام، اذبح الحمام " ، قال: فذبح الحمام في الحال (٢) .
- (٢)قصة صحيحة. أخرجها الحاكم في " المدخل إلى كتاب الإكليل " (ص: ٥٥) والخطيب في " تاريخه " (١٢/ ٣٢٤) وإسنادها لا بأس به. ولها إسنادٌ آخر عند الحاكم، وثالثٌ عند الخطيب.
-
٢ _ ومنهم من يضع نصرة للمذهب العقدي، كالأحاديث التي وضعت لنصرة عقائد أهل الإثبات في أبواب الصفات، كبعض المنتسبين إلى طريقة الإمام أحمد، وأكثر منهم مقابلوهم كالمنتصرين لمذهب جهم، والأحاديث التي وضعها سني لنصرة مذهبه في الصحابة، فقابله شيعي فوضع في فضائل أهل البيت وفي مثالب الصحابة.
- ج ١ ص ١٠٤٥
ومن أمثلة هؤلاء:
عمرو بن عبد الغفار الفقيمي، قال ابن عدي: " كان السلف يتهمونه بأنه يضع الحديث في فضائل أهل البيت، وفي مثالب غيرهم " (١) .
- (١)الكامل (٦/ ٢٥٣).
-
ومحمد بن شجاع ابن الثلجي، قال ابن عدي: " كان يضع أحاديث في التشبيه ينسبه إلى أصحاب الحديث ليثلبهم به " ، فذكر منها حديثاً، ثم قال: " مع أحاديث كثيرة وضعها من هذا النحو، فلا يجب أن يشتغل به؛ لأنه ليس من أهل الرواية، حمله التعصب على أنه وضع أحاديث يثلب أهل الأثر بذلك " (٢) .
- (٢)الكامل (٧/ ٥٥١).
-
ومن أكثر ما يوجد من هذا ما شحنت به كتب الأصول والفروع العتيقة عند الشيعة، فإن فيها الكثير من الأحاديث والأخبار مما ينسب إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وغيره من سادة أهل البيت، بأسانيد واهية.
قال عبد الرحمن بن أبي ليلي: " صحبت عليا، رضي الله عنه، في الحضر والسفر، وأكثر ما يحدثون عنه باطل" (٣) .
- (٣)أخرجه الجوزجاني في " أحوال الرجال " (ص: ٤٠) والبيهقي في " المدخل " (رقم: ٨٤) واللفظ له، وإسناده صحيح.
-
وكان عامر الشعبي يقول: " ما كذب على أحد من هذه الأمة ما كذب على علي بن أبي طالب " (٤) .
- (٤)أخرجه البغوي في " الجعديات " (رقم: ٢٥٥٦) وإسناده جيد .......
-
٣ _ ومنهم من يضع للمذهب الفقهي، كمن وضع في فضل أبي حنيفة وذم الشافعي، ومنه الحكايات الكثيرة المتضمنة للمبالغات في الفضائل، والتي تنسب إلى الأئمة الفقهاء؛ وذلك بغرض تنفيق مذاهبهم عن طريق نسبة تلك الفضائل لهم.