المبحث الثاني: الصيغة الصريحة بالاتصال بغير لفظ السماع وما في معناه
١٩٣ فقرة، ج ١ ص ١٤٤
الصفحة ٣ من ٥
- ج ١ ص ١٥٩
والثاني: روي حميد الطويل قال: عن الحسن قال: جاءه رجل فقال: إن عبداً له أبق، وإنه نذر إن قدر عليه أن يقطع يده، فقال الحسن: حدثنا سمرة قال: قلما خطب النبي صلى الله عليه وسلم خطبة إلا أمر فيها بالصدقة، ونهى فيها عن المثلة (٢) .
- (٢)إسناده صحيح. أخرجه أحمد (٣٣/ ٣١٦ رقم: ٢٠١٣٦)، وعلق محققه بالتشكيك إن كان حُميد حفظ تصريح الحسن بالسماع، وذلك من أجل أن يزيد ين إبراهيم التُّستَري رواه عن الحسن قال: (عن سمرة)، وجعل المحقق ذلك مخالفةً لحميد، وهذا عجيب، فلم يزل هذا المحقق وغيره يجعلون ذكر السماع من راوٍ من قبيل زيادة الثقة، وهو الأمر عليه إطباق عامة أهل العلم بالحديث، والعنعنة لا تُنافي السماع.
-
وهذه رواية صحيحة عن الحسن.
-
والثالث: أن سمرة كان بالبصرة، وحديثه في أهلها، وكان فيها بعد مقتل علي وأثناء خلافة معاوية، وبقي فيها حتى مات في آخر خلافة معاوية سنة (٥٩) أو (٦٠) قيل: كانت وفاته بالبصرة، وقيل: بالكوفة، والحسن قدم البصرة بعد مقتل علي، رضي الله عنه، فإذا كان قد اتفق مع سمرة في الزمان والمكان، فما الذي منع اللقاء؟ بل كيف يمتنع ذلك وسمرة والٍ
ج ١ ص ١٦٠ظاهر الصيت، والحسن يومئذ في سن تقدم وعلم، فقد قتل عمر بن الخطاب وله سنتان، فيكون عمره حين قتل علي تسعة عشرة سنة.
-
فهذه الوجوه قاضية بصحة سماع الحسن من سمرة في الجملة، وهو الذي قطع به ابن المديني، مع شدة شرطه في الاتصال، ثم لو سلمنا أن من حديثه عنه مالم يسمعه فإنه اعتمد فيه على كتب سمرة على قول ابن معين وغيره، والرواية من الكتاب اتصال (١) ، وهو مقصود هنا.
- (١)للذهبي تشكيك في عامة ما يقول فيه الحسن: (عن فلان) اغترَّ به جماعةٌ من المعاصرين، وذلك أنه وصف الحسن بالتدليس عن الضعفاء، فلا يُقبل منه ما قال فيه: (عن) حتى وإن ثبت سماعه أو لُقيُّه لذلك الشيخ في الجملة، وهذا القول غيرُ محرر، وليت الذهبي رحمه الله لم يُرسله فيتعلق به من جاء بعده، فما هو إلا دعوى، ولمناقشتها موضعٌ آخر، وإنما كان الحسن يُرسل عمَّن لم يلقه أو لم يسمع منه، أما التدليس فهي تُهمةٌ مرسلةٌ لا تثبت عليه.
-
المثال الثاني: رواية مخرمة بن بكير عن أبيه.
-
حكي عن مخرمة في شأن سماعه من أبيه حكايتان متضادتان:
الأولى: ما رواه عنه موسى بن سلمة الجمحي المصري قال: أتيت مخرمة بن بكير، فقلت له: حدثك أبوك؟ قال: " لم أدرك أبي، ولكن هذه كتبه " (٢) .
- (٢)أخرجه ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (٤/ ٣٦٤) و " المراسيل " (ص: ٢٢٠) بإسناد صحيح إلى موسى.
-
وفي لفظ، قال: أتيت مخرمة بن بكير، فقلت له: أخرج إلي بعض كتب أبيك، قال: فأخرج إلي كتاباً، فقلت: سمعت هذا من أبيك؟ فقال: " لم أسمع من أبي شيئاً، وهذه كتبه " (٣) .
ج ١ ص ١٦١وقال في لفظ: " ما سمعت عن أبي شيئاً، إنما هذه كتب وجدناها عندنا عنه " ، وزاد: " ما أدركت أبي إلا وأنا غلام " (١) .
- (٣)أخرجه ابن عدي في " الكامل " (٨/ ١٧٨) بإسناد صحيح إلى موسى، كما رواه (٨/ ١٧٧) عن شيخه علي بن إبراهيم بن الهيثم البلدي، وهو شيخٌ متهم، وهو بمعناه مختصراً عند الطحاوي في " شرح المعاني " (٣/ ١٦٤) من طريق صحيح.
- (١)أخرجه ابن عدي (٨/ ١٧٧ _ ١٧٨) بإسناد صحيح إلى موسى.
-
لكن هذه الحكاية لا يحتج بمثلها على الانفراد، من أجل أن موسى هذا ليس بالمشهور، وغاية أمره أن يستشهد به عند الموافقة.
-
ووجدت له موافقاً من طريق صحيح فقد حكى حماد بن خالد الخياط، وكان ثقة، قال: أخرج مخرمة بن بكير كتباً، فقال: " هذه كتب أبي، لم أسمع منها شيئاً " (٢) .
- (٢)أخرج ذلك عنه مباشرة: أحمد بن حنبل في " العلل " (رقم: ٥٤٥، ١٩٠٧، ٥٥٩٢) وعنه: البُخاري في " التاريخ الكبير " (٤/ ٢ / ١٦) وابن أبي حاتم في " المراسيل " (ص: ٢٢٠) ويعقوب بن سفيان في " المعرفة والتاريخ " (٣/ ١٨٣).
-
والحكاية الثانية: ما رواه إسماعيل بن أبي أويس قال: قرأت في كتاب مالك بن أنس بخط مالك، قال: وصلت الصفوف حتى قمت إلى جنب مخرمة بن بكير في الروضة، فقلت له: إن الناس يقولون: إنك لم تسمع هذه الأحاديث التي تروي عن أبيك من أبيك، فقال: " ورب هذا المنبر والقبر، لقد سمعتها من أبي، ورب هذا المنبر والقبر، لقد سمعتها من أبي " ثلاثاً (٣) .
قلت: وهذه الحكاية ربما طعن عليه لكونها وجادة عن مالك، وليس بطعن على التحقيق، فإنها كانت بخط مالك، وابن أبي أويس من أهل بيته ومن أصحابه، لكن المأخذ عليها إنما هو من جهة أن ابن أبي أويس لم يكن قوياً في الحديث.
- (٣)أخرجه يعقوب بن سُفيان في " المعرفة " (١/ ٦٦٣) عن إبراهيم بن المنذر: حدثني ابن أبي أويس. كما رواهُ بمعناه مُختصراً عن ابن أبي أويس: أبو حاتم الرازي، كما في " الجرح والتعديل " (٤/ ١ / ٣٦٤)، أحمد بن صالح المصري عندَ أبي زُرعة الدمشقي في " تاريخه " (١/ ٤٤٢) ومن طريقه: ابنُ حبان في " الثقات " (٧/ ٥١٠).
- ج ١ ص ١٦٢
ولما حكى أبو حاتم القصة عن ابن أبي أويس، قال مشعراً بضعفها: " إن كان سمعها من أبيه، فكل حديثه عن أبيه، إلا حديثاً يحدث به عن عامر بن عبد الله بن الزبير " (١) .
- (١)الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٣٦٤).
-
غير أنه ربما قيل: يقويها قول معين بن عيسى القزاز، وهو ثقة: " مخرمة سمع من أبيه، وعرض عليه ربيعة أشياء من رأي سليمان بن يسار " (٢) .
- (٢)أخرجه ابن عدي (٨/ ١٧٨) بإسناد صحيح إليه.
-
وأقول: أدرك معن مخمرة وروى عنه شيئاً، لكن هذه العبارة من إنشائه، ولم يعزها إلى مخرمة من قوله كما وقع في رواية حماد الخياط المتقدمة فيجوز أن يكون بلغه ما حدث به ابن أبي أويس، وهو بلديه وقرينة في الأخذ عن مالك، ويجوز أن يكون قال ذلك بمجرد اجتهاده، ويجوز غير ذلك، وبإيراد مثل هذه الاحتمالات لا يصلح الاعتراض على ما صح نقله عن مخرمة نفسه من عدم سماعه من أبيه، إلا أن يحمل ذلك على شيء يسير، على ما ذهب إليه بعض أهل العلم بالحديث:
قال أبو داود السجستاني: " لم يسمع من أبيه إلا حديثاً واحد، وهو حديث الوتر " (٣) .
وقال علي بن المديني: " ولا أظن مخرمة سمع من أبيه كتاب سليمان (٤) ، لعله سمع الشيء اليسير، ولم أجد بالمدينة من يخبرني عن مخرمة بن بكير أنه كان يقول في شيء من حديثه: سمعت أبي " (٥) .
قلت: وهذا جميعه يؤكد صحة الحكاية الأولى عن مخرمة، ويضعف الثانية.
- (٣)نقله المزي في " تهذيب الكمال " (٢٧/ ٣٢٦).
- (٤)يعني ابن يسار.
- (٥)أخرجه ابنُ عدي (٨/ ١٧٨) بإسناد صحيح.
- وهو الأمر الذي صار إليه كبار النقاد:
-
قال أحمد بن حنبل: " مخرمة بن بكير ثقة، إلا أنه لم يسمع من أبيه شيئاً " (١) .
- (١)العلل (النص: ٣٢٣٠).
-
وكذلك قال في رواية أبي طالب، وزاد: " إنما يروي من كتاب أبيه " (٢) .
وقال يحيى بن معين في رواية الدوري: " يقولون: إن حديثه عن أبيه كتاب، ولم يسمع من أبيه " (٣) .
- (٢)نقله عنه ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (٤/ ١ / ٣٦٣) و " المراسيل " (ص: ٢٢٠)، وابن عدي في " الكامل " (٨/ ١٧٨).
- (٣)تاريخ يحيى بن معين (النص: ١١٩٢)، ونقل ابنُ أبي خيثمة عن يحيى نحوه، كما في " الجرح والتعديل " (٤/ ١ / ٣٦٣)، وفي رواية ابن مُحرز (١/ ٥٦): سُئل يحيى بن معين: مخرمة بن بُكير سمع من أبيه؟ فقال: " كتاب ".
-
وقال في رواية محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم ابن البرقي: " كان مخرمة ثبتاً، ولكن روايته عن أبيه من كتاب وجده لأبيه، لم يسمع منه " (٤) .
- (٤)نقله ابن عبد البر في " التمهيد " (٢٤/ ٢٠٢).
-
وقد ضعفه يحيى في رواية الدوري، حيث قال مرة: " ضعيف الحديث " (٥) ، ومرة: " ليس حديثه بشيء " (٦) ، وفي رواية ابن محرز: " لا يكتب حديثه " (٧) .
قلت: وهذا اختلاف عن يحيى، وعلة تضعيفه له ليست من جهة عدالته، ولا من جهة حفظه وإتقانه، وإنما هو لأجل أن روايته لم تكن شيئاً سمعه، إنما هي وجادة.
- (٥)تاريخ يحيى بن معين (النص: ٣٤٠، ١٠١٩، ٥١٥٧)، وكذلك رَوى مُعاوية بن صالح عن يحيى، كما في " الكامل " لابن عدي (٨/ ١٧٨).
- (٦)تاريخ يحيى (النص: ١١٢١).
- (٧)معرفة الرجال (١/ ٥٦).
- ج ١ ص ١٦٤
ولهذا خالف يحيى في ذلك غيره مع الإقرار بكون حديثه عن أبيه وجادة، فهذا أحمد يوثقه، وكذلك قال علي بن المديني: " ثقة " (١) ، وقال أحمد بن صالح المصري: " من ثقات الناس " (٢) ، وقال أو حاتم: " صالح الحديث " (٣) ، كما جرى على توثيقه غيرهم مع تسليم كون حديثه عن أبيه وجادة.
- (١)أخرجه ابنُ عدي (٨/ ١٧٨) بإسناد صحيح.
- (٢)رواه عنه أبو زُرعة الدمشقي في تاريخه " (١/ ٤٤٢).
- (٣)الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٣٦٤).
-
فالرجل ثقة، حديثه عن أبيه وجادة صحيحة، كان يقول فيما يحدث به منها: (عن) ، وهذا هو الذي لا يجوز سواه في الوجادة، وقد عد بعضهم مخرمة لذلك في المدلسين، ولا معنى له وقد تبين وجهه سوى التوسع في الاصطلاح.
-
وهي رواية متصلة؛ نظراً لعدم الوساطة فيها بين الراوي والمروي عنه، وأنها كتاب الشيخ نفسه وليست نسخة عنه.
-
ولهذا احتج مسلم في " صحيحه " برواية مخرمة عن أبيه.
-
نعم، في القوة دون السماع، لكن ذلك لا يؤثر بالمكاتبة متصلة وليست سماعاً، فكذلك الوجادة الصحيحة
ج ١ ص ١٦٥المبحث الثالث:
صيغة العنعنة وما يجري مجراها
العنعنة، هي: قول الراوي: (عن فلان) ، وتقع من لفظ المحدث نفسه عن شيخه، كما يمكن أن تكون من تصرف من روى عنه.
-
وهي صيغة لا تعني الاتصال ولا الانقطاع بمجردها، وقد استعملت في السند المتصل، كما استعملت في السند المنقطع، وبها يوهم المدلسون الاتصال فيما دلسوا فيه.
-
والناظر المحرر للأسانيد يجد أن استعمال (عن) في محل السماع هو الغالب، وكانوا يتخففون بترك الصيغة الصريحة، ويكتفون بالقول: (فلان عن فلان) ".
قال الخطيب: " إنما استجاز كتبة الحديث الاقتصار على العنعنة؛ لكثرة تكررها، ولحاجتهم إلى كتب الأحاديث المجملة بإسناد واحد، فتكرر القول من المحدث: (حدثنا فلان عن سماعه من فلان) يشق ويصعب؛ لأنه لو قال: (أحدثكم عن سماعي من فلان، وروى فلان عن سماعه من فلان، وفلان عن سماعه من فلان) حتى يأتي على أسماء جميع مسندي الخبر إلى أن يرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وفي كل حديث يرد مثل ذلك الإسناد لطال وأضجر، وربما كثر رجال الإسناد حتى يبلغوا عشرة وزيادة على ذلك، وفيه
ج ١ ص ١٦٦إضرار بكتبة الحديث، وخاصة المقلين منهم والحاملين لحديثهم في الأسفار، ويذهب بذكر ما مثلناه مدة من الزمان، فساغ لهم لأجل هذه الضرورة استعمال: عن فلان " (١) .
- (١)الكفاية (ص: ٥٥٣ _ ٥٥٤).
-
ومن الدليل على إرادة التخفيف في استعمالها:
قول عفان بن مسلم: جاء جرير بن حازم إلى حماد بن زيد، فجعل جرير يقول: " حدثنا محمد، قال: سمعت شريحاً. حدثنا محمد، قال: سمعت شريحاً "، فجعل حماد يقول: " يا أبا النضر: عن محمد عن شريح، عن محمد عن شريح " (٢) .
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل لأبيه: أبو معاوية فوق شعبة، أعني في حديث الأعمش؟ فقال: " أبو معاوية في الكثرة والعلم _ يعني علمه بالأعمش _، شعبة صاحب حديث يؤدي الألفاظ والإخبار، أبو معاوية عن عن مع أن أبا معاوية يخطئ على الأعمش خطأ " (٣) .
وقال الوليد بن مسلم: " كان الأوزاعي إذا حدثنا يقول: حدثنا يحيى، قال: حدثنا فلان، حدثنا فلان، حتى ينتهي، فربما حدثت كما حدثني، وربما قلت: (عن عن عن) تخففنا من الأخبار " (٤) .
- (٢)أخرجه أحمد في " العلل " (النص: ٤٢٦٢) وإسناده صحيح.
- (٣)العلل ومعرفة الرجال (النص: ٢٦٨٠).
- (٤)أخرجه يعقوب بن سفيان في " المعرفة " (٢/ ٤٦٤) وإسناده صحيح.
-
والعلماء في حكم الإسناد المعنعن على مذاهب، يعتبر التنبيه فيها على ثلاثة:
المذهب الأول: هو من قبيل المرسل والمنقطع (٥) .
- (٥)انظر: المحدث الفاصل، للرامَهرمُزي (ص: ٤٥٠)، والسنن الأبين، لابن رُشيْد (ص: ٢٢ _ ٢٥).
-
وهذا ذكره ابن الصلاح، ولم ينسبه لأحد، وهو مذكور عن شعبة بن الحجاج.
- ج ١ ص ١٦٧
فقد قال: " فلان عن فلان مثله لا يجزئ " ، وكان سفيان الثوري يقول: " يجزي " (١) ، فلذا جاء شعبة أنه رجع عن قوله إلى قول سفيان (٢) ، ورأيت ظاهر عبارة ابن رجب الحنبلي من المتأخرين يدل عليه، كما سيأتي ذكره.
- (١)أخرجه عبدُ الله بن أحمد في " العلل " (النص: ٣٠٢٦).
- (٢)حكى ذلك ابنُ عبد البر في " التمهيد " (١/ ١٣) ولم أقف عليه مُسنداً.
-
وهو مذهب مهجور، لا تساعد عليه طريقة النقلة في رواية الحديث، ولا منهج الأئمة الكبار في الحكم بصحة الحديث.
وقال ابن الصلاح وقد ذكر الإسناد المعنعن: " الصحيح، والذي عليه العمل أنه من قبيل الإسناد المتصل، وإلى هذا ذهب الجماهير من أئمة الحديث وغيرهم، وأودعه المشترطون للصحيح في تصانيفهم فيه وقبلوه ... وهذا بشرط أن يكون الذين أضيفت العنعنة إليهم قد ثبتت ملاقاة بعضهم بعضاً مع براءتهم من وصمة التدليس " (٣) .
- (٣)علوم الحديث (ص: ٦١).
-
والمذهب الثاني: اشترط ثبوت السماع أو اللقاء في الجملة، ولو مرة، ثم جميع ما يرويه ذلك الراوي بالعنعنة عن ذلك الشيخ فهو محمول على الاتصال، ما لم يعرف بتدليس.
-
وهذا يمكن أن يستفاد من طريقة شعبة بن الحجاج، الذي عرف بتنقيبه عن السماع فيما أخذ عن شيوخه، إلى أن قال تلميذه يحيى بن سعيد القطان:
" كل شيء يحدث به شعبة عن رجل، فلا تحتاج أن تقول عن ذاك الرجل: إنه سمع فلاناً، قد كفاك أمره " (٤) .
- (٤)أخرجه ابنُ أبي حاتم في " تقدمة الجرح والتعديل " (ص: ١٦٢) و " الجرح والتعديل " (١/ ١ / ٣٥) وإسناده صحيح.
- ج ١ ص ١٦٨
وهو مذهب كبار أئمة الحديث، فإنهم كانوا لا يثبتون الاتصال في محل العنعنة حتى يقوم الدليل عليه بين التلميذ والشيخ.
-
فهو قول ابن المديني والبخاري وجمهور المتقدمين، ومقتضى كلام أحمد بن حنبل وأبي زرعة الرازي وأبي حاتم الرازي وغيرهم من أعيان الحفاظ (١) .
قلت: حكايته عن علي بن المديني، ذكره كثير من الأئمة، ولم أقف عليه مسنداً عنه، لكن في كلامه المعروف عنه ما يثبته ويدل عليه، كما علمناه مذهباً للبخاري من خلال كتبه، إذ عليه بنى (صحيحه) .
قال الشافعي في جواب قول من قال له: " فما بالك قبلت ممن لم تعرفه بالتدليس أن يقول: (عن)
- (١)شرح علل الترمذي (١/ ٣٦٥، ٣٧٢)، وانظر: موقف الإمامين، لخالد الدُّريس (ص: ٢٦٩ _ ٢٨٧) فقد ساق فيه عبارات طائفة من كبار الأئمة المتقدمين في إثبات هذا المذهب.
-
وقد يمكن فيه أن يكون لم يسمعه؟ " فيما ذكر عن أهل العلم ممن مضى من أهل بلده: " وكان قول الرجل: (سمعت فلاناً يقول: سمعت فلاناً يقول) ، وقوله: (حدثني فلان عن فلان) سواء عندهم، لا يحدث واحد منهم عمن لقي إلا ما سمع منه ممن عناه بهذه الطريق، قَبِلنا منه: (حدثني فلان عن فلان) " (٢) .
- (٢)الرسالة (الفقرة: ١٠٣٢).
-
وقال الخطيب بعد أن أورد عن بعض متأخري الفقهاء رد المعنعن بمجرد العنعنة: " أهل العلم بالحديث مجمعون على أن قول المحدث: (حدثنا فلان عن فلان) صحيح معمول به، إذا كان شيخه الذي ذكره يعرف أنه قد أدرك الذي حدث عنه ولقيه وسمع منه، ولم يكن هذا المحدث ممن يدلس، ولا يعلم أنه يستجيز إذا حدثه أحد شيوخه عن بعض من أدرك، حديثاً نازلاً، فسمى بينهما في الإسناد من حدثه به، أن يسقط ذلك المسمى ويروي الحديث عالياً، فيقول: (حدثنا فلان عن فلان) أعني الذي لم يسمعه
ج ١ ص ١٦٩منه؛ لأن الظاهر من الحديث السالم رواية مما وصفناه الاتصال، وإن كانت العنعنة هي الغالبة على إسناده " (١) .
وقال ابن عبد البر: " تأملت أقاويل أئمة أهل الحديث، ونظرت في كتب من اشترط الصحيح في النقل منهم ومن لم يشترطه، فوجدتهم أجمعوا على قبول الإسناد المعنعن، لا خلاف بينهم في ذلك إذا جمع شروطاً ثلاثة، وهي: عدالة المحدثين، ولقاء بعضهم بعضاً مجالسة ومشاهدة، وأن يكونوا برآء من التدليس " (٢) .
- (١)الكفاية (ص: ٤٢١).
- (٢)التمهيد (١/ ١٢).
-
وهذا هو الذي صححه طائفة من كبار متأخري الأئمة كابن الصلاح (٣) ، وابن رشيد الفهري (٤) ، والنووي (٥) ، والذهبي (٦) ، وغيرهم.
- (٣)صِيانة صحيح مسلم (ص: ١٢٨).
- (٤)السنن الأبين (ص: ٣٢).
- (٥)شرح صحيح مسلم (ص: ١٢٨).
- (٦)سير أعلام النبلاء (١٢/ ٥٧٣).
-
وهو في التحقيق ما جرى عليه البخاري وعرف من منهجه.
-
واللقاء وحده مع عدم التدليس كاف عند البخاري لإثبات الاتصال في الإسناد المعنعن، وكذلك كان شيخه علي بن المدني يرى (٧) .
- (٧)وهذه مسألة يطول سردها ببراهينها، وقد وجدت الباحث الأستاذ خالد الدريس قد بينها بياناً جيداً في كتابه: " موقف الإمامين البخاري ومسلم من اشتراط اللقيا والسماع في السند المعنعن بين المتعاصرين " (ص: ١٠٨ ـ ١١٤)، وهو كتاب قيم مفيد، وإن كان في بعض ما استنتجه فيه مما يناقش أو يخالف فيه.
-
واللقاء يثبت بالسماع الصريح الثابت في رواية، أو بالرؤية والاجتماع، أو بما يقوم من القرائن دليلاً عليه، كقدم التلميذ وكونه من أهل بيئة الشيخ، مع السلامة في كل ذلك من المعارض الراجح.