المبحث الأول: الصيغة الصريحة بالسماع
٥٩ فقرة، ج ١ ص ١٣٣
الصفحة ١ من ٢
- ج ١ ص ١٣٣
ويقع بألفاظ، أكثرها استعمالاً: (سمعت، حدثني، حدثنا، أنبأني، أنبأنا، أخبرني، أخبرنا) .
قال الخطيب: " ما يسمع من لفظ المحدث، الراوي له بالخيار فيه، بين قوله: (سمعت) و (حدثنا) ، و (أخبرنا) ، و (أنبأنا) ، إلا أن أرفع هذه العبارات: سمعت " (١) .
قال: " ليس يكاد أحد يقول: (سمعت) في أحاديث الإجازة والمكاتبة، ولا في تدليس ما لم يسمعه؛ فلذلك كانت هذه العبارة أرفع مما سواها، ثم يتلوها قول: (حدثنا) و (حدثني) " (٢) .
قال: " وإنما كان قول: (حدثنا) أخفض في الرتبة من قول: (سمعت) ؛ لأن بعض أهل العلم كان يقول فيما أجيز له: (حدثنا) " (٣) .
- (١)الكفاية (ص: ٤١٢).
- (٢)الكفاية (ص: ٤١٣).
- (٣)الكفاية (ص: ٤١٣).
-
وجرت مذاهب الأكثرين على التسوية بينها، ذلك في قول سفيان بن
ج ١ ص ١٣٤عيينة، والشافعي، ويحيى بن سعيد القطان، وأحمد بن حنبل، وفقهاء الكوفة، وغيرهم (١) .
- (١)جمعت ذلك عنهم في جزء مُحرر.
-
وصيغة (قال لي) و (قال لنا) و (ذكر لي) ، و (ذكر لنا) و (زعم لي) و (زعم لنا) هي بمنزلة السماع، وإن احتملت أن تكون مناولة.
-
مسألة: قول الراوي: (حدثنا فلان) لا يجوز تأوله على معنى: حدث أهل بلدنا، فهذا تكلف، ولا شاهد له في الواقع، وذُكر له مثال عن الحسن البصري أنه قال: (حدثنا أبو هريرة) ، ولا يصح، إنما هو غلط من بعض الرواة عن الحسن، حسبوه سمع منه، فأبدلوا (عن) بـ (حدثنا) (٢) .
- (٢)وانظر: جامع التحصيل، للعلائي (ص: ١٣٣).
-
نعم؛ توسع بعض الرواة في صيغة (خطبنا فلان) ، وعنوا خطب أهل بلدهم، ونحوها، أما التحديث والإخبار الصريحين في أمر الرواية فلا.
-
[شرط قبول صيغة السماع]
-
لا يصح التسليم لمجرد الوقوف على صيغة السماع بين الراوي وشيخه في رواية إلا عند اجتماع شروط ثلاثة:
الأول: صحة الإسناد إلى الراوي المصرح بالسماع.
-
وهذا يجب أن يعتبر فيه أن لا يقوم دليل على وهم أحد رواة الإسناد فيما دون الراوي المصرح بالسماع في تلك الدعوى، فإن أهل العلم ردوا التصريح بالسماع في بعض الأسانيد.
-
كقول أبي بكر الأثرم لأحمد بن حنبل: عراك بن مالك قال: (سمعت عائشة) ؟ فأنكره، وقال: " عراك بن مالك، من أين سمع عائشة؟ ما له ولعائشة؟ إنما يروي عن عروة، هذا خطأ " ، قال لي: " من روى هذا؟ " ،
ج ١ ص ١٣٥قلت: حماد بن سلمة عن خالد الحذاء، فقال: " رواه غير واحد عن خالد الحذاء، ليس فيه: (سمعت) ، وقال غير واحد أيضاً عن حماد بن سلمة، ليس فيه (سمعت) " (١) .
- (١)أخرجه ابن أبي حاتم في " المراسيل " (ص: ١٦٣) وإسناده صحيح.
-
الثاني: أن يكون ذلك الراوي ممن يصلح الاستدلال بخبره.
-
فأما إذا كان ممن يحتج بخبره فظاهر.
-
وأما إذا كان من الضعفاء الذين يعتبر بهم، فإن الراوي ما دام صدوقاً في الأصل فإذا قال: (حدثني) فهو خبر عن شيخه المباشر لا يحتمل الكذب، نعم قد يحتمل الوهم، فقد يشبه للراوي، لكن احتمال وهمه في ذلك ضعيف، فلا يصار إليه إلا بدليل، ويكون قوله: (حدثني) اتصالاً.
-
الثالث: السلامة من المعرض المؤثر.
- وهذان مثالان لتحقيق هذه الشروط:
-
المثال الأول: رواية عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه:
اختلفوا فيها على أقوال أربعة:
أولها: لم يسمع من أبيه شيئاً.
-
وإليه ذهب شعبة بن الحجاج (٢) ، ويحيى بن معين في روايتي عباس الدوري وابن الجنيد عنه (٣) ، وبه جزم عبد الرحمن بن يوسف بن خراش (٤) ، والنسائي (٥) .
- (٢)العلل ومعرفة الرجال (النص: ٧٥٢).
- (٣)تاريخ يحيى بن معين، رواية الدوريِّ (النص: ١٧١٦)، وسؤالات ابنِ الجنيد (النص: ٨١٩).
- (٤)تاريخ دمشق، لابن عساكر (٣٥/ ٧٠).
- (٥)السنن (بعد رقم: ١٤٠٤).
- ج ١ ص ١٣٦
وثانيها: التردد في إمكان سماعه؛ لكونه كان صغيراً.
-
وهذا ظاهر المنقول عن أحمد بن حنبل، فإنه سئل: هل سمع عبد الرحمن بن عبد الله من أبيه؟ فقال: " أما سفيان الثوري وشريك فإنهم ليقولان سمع، وأما إسرائيل فإنه يقول في حديث الضب: سمعت " (١) .
قلت: وهذا الذي حكى عن الثوري وشريك ليس فيه نفي السماع، إنما فيه أنهما حدثنا بحديث عبد الرحمن عن أبيه وليس فيه (سمعت) .
- (١)أخرجه ابن عساكر في " تاريخه " (٣٥/ ٦٧، ٦٩) بإسناد صحيح إلى أبي بكر مُحمدِ بن عليِّ بن شعيب السمسار عن أحمد، والسمسار هذا لم يُجرح، وكانَ من أصحاب أحمد.
-
وكان سبب تردد أحمد عائداً إلى ما حكاه عن يحيى بن سعيد القطان، قال: " مات ابن مسعود، وعبد الرحمن بن عبد الله ابن ست، أو نحو ذلك " (٢) .
- (٢)أخرجه ابن عساكر (٣٥، ٦٨) وإسناده صحيح.
-
وتعقب هذا يعقوب بن شيبة بقوله: " أخاف أن يكون هذا غلطا ً" (٣) .
- (٣)تاريخ ابن عساكر (٣٥/ ٦٨).
-
وعلى التردد جرى الحاكم النيسابوري، فإنه خرج لعبد الرحمن في " المستدرك " في مواضع، فهو يقول: " لم يسمع من أبيه في أكثر الأقاويل " (٤) ، وعليه فتارة يقول بعد تخريج حديثه: " إسناد صحيح إن كان عبد الرحمن سمع من أبيه، فقد اختلف في ذلك " (٥) ، وتارة يقول: " صحيح الإسناد " دون تردد (٦) .
- (٤)المستدرك (١/ ٨٢ بعد رقم ٢٧٥).
- (٥)المستدرك (٢/ ٣٠٥ بعد رقم ٣١٩٤)، ونحوه (٤/ ٣٦٥ بعد رقم: ٨٠٨٦، ٨٠٨٧).
- (٦)انظر مثلاً: المستدرك (٤/ ١٥٩، ٢٣٩، ٤٠٤ الأرقام ٧٢٧٥، ٧٥٩٩، ٨٢٣٢).
-
وثالثها: لم يسمع من أبيه إلا حديثاً واحداً.
- ج ١ ص ١٣٧
وهذا ذكره العجلي ممرضاً، فقال: " يقال: إنه لم يسمع من أبيه إلا حرفاً واحد محرم الحلال كمستحل الحرام " (١) .
- (١)ترتيب الثقات، للعجلي (النص: ١٠٥٢).
-
وإلى قريب منه ذهب ابن سعد، فبعد أن أسند إليه هذا الأثر وفيه قوله: (سمعت عبد الله بن مسعود) (٢) قال ابن سعد: " كان ثقة، قليل الحديث، وقد تكلموا في روايته عن أبيه، وكان صغيراً " (٣) .
- (٢)وكذلك أسنده ابنُ عساكر (٣٥/ ٦٤) من وجه آخر، وفيه تصريح عبد الرحمن بسماعه من أبيه. وهذا حدَّث به عبد الرحمن حين ذُكر بحضرته تحريم الضب، فأنكر ذلك وحدَّث بهذا عن أبيه. فهذا هو حديث الضب الذي أشار بعض العلماء إلى أن عبد الرحمن سمعه من أبيه.
- (٣)الطبقات الكُبرى (٦/ ١٨١).
-
ورابعها: سمع من أبيه وإليه ذهب علي بن المديني، ويحيى بن معين في رواية معاوية بن صالح عنه (٤) ، والبخاري، وأبو حاتم الرازي (٥) .
قال علي بن المديني: " قد لقيَ أباه " (٦) .
وقال: " سمع من أبيه، وكان شعبة يقول: لم يسمع من أبيه، وهو عندي قد أدركه " (٧) .
- (٤)أخرجه ابنُ عساكر (٣٥/ ٦٩) بإسناد صحيح.
- (٥)الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ٢٤٨) ونص قوله: " سمِع أباه ".
- (٦)نقله ابن عساكر (٣٥/ ٦٥) بإسناده الصحيح إلى يعقوب بن شيبة، عن علي.
- (٧)نقله ابن عساكر في " تاريخه " (٣٥/ ٦٧) بإسناد صحيح، وهو إسناده بكتاب " العلل " لابن المديني.
-
واستدل له البخاري بما رواه عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه (يعني عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود) :
أخر الوليد بن عقبة الصلاة بالكوفة، فانكفأ ابن مسعود إلى مجلسه، وأنا مع أبي.
ج ١ ص ١٣٨قال البخاري: " شعبة يقول عبد الرحمن لم يسمع من أبيه، وحديث ابن خثيم أولى عندي " (١) .
وقال في " تاريخه الكبير " : " سمع أباه، قاله عبد الملك بن عمير " (٢) .
قلت: فإذا جئت للنظر أولاً في دليل نفي السماع أو التردد فيه، فأحسن ما يمكن التعلق به أمران:
أولهما: أن بعض من روى حديث عبد الرحمن لا يذكرون له فيما رووا سماعا من أبيه.
- (١)التاريخ الأوسط (رقم: ٢٤٦) _ ومن طريقه: ابنُ عساكر (٣٥/ ٦٧) _ وإسناده بخبرِ ابن خُثيْم صحيح إلى ابن خثيم، أما إلى ابن مسعود فحسن، ابن خُثيم صدوق لا بأس به. وأخرجه ابن عساكر في " تاريخه " ٣٥/ ٦٣) من طريق آخر إلى ابن خُثيم بسياق متْنه.
- (٢)التاريخ الكبير (٣/ ١ / ٢٩٩ _ ٣٠٠).
-
وهذا فيما لم يقل فيه الراوي: (سمعت) وما في معناها، فروايته بتلك الصيغة محلها (المبحث الثالث) ، وإنما الشأن في روايته الصريحة بالاتصال، فحيث جاء نقل السماع من وجه صحيح سالم من المعارض الراجح، فيجب المصير إليه، ويكون من أتى به زاد علماً لم يأتي به الآخر.
-
وثانيهما: أن عبد الرحمن كان صغيراً يوم مات أبوه، وهو ابن ست سنين في قول يحيى القطان، فكيف لابن ست سنين أن يحفظ كالذي رواه عبد الرحمن عن أبيه؟
-
وهذا شكك فيه يعقوب بن شيبة، كما تقدم، كما أن ابن سعد مع إقراره بصغره، فإنه أورد له خبره الصريح في السماع من أبيه، وهو صحيح، فهو صغر لم يحل دون الحفظ.
-
وتحديد سنه يوم مات أبوه بست سنين يحتاج إلى نقل صحيح، حيث قابل الثابت، إذ السماع ثبت به الإسناد، أما تحديد السن فمنقطع، القطان لم يدرك ذلك العهد.
- ج ١ ص ١٣٩
وأما النظر في القول الثالث، فإن القائل به قد حضر السماع في تلك الرواية الخاصة، وكان ينبغي أن تكون مظنة راجحة على السماع في الجملة، كما سيأتي في (المبحث الثالث) ؛ وذلك لعدم ثبوت المعارض، ولما جرى عليه عمل الجميع أن الراوي إذا ثبت سماعه من الشيخ ولو مرة، ولم يثبت عنه التدليس، فكل ما حدث به عن ذلك الشيخ بالعنعنة فهو متصل.
-
وهذا القول في التحقيق وارد في نصرة القول الرابع.
-
ثم يزيد عليه القول الرابع من الأدلة ما ذكره البخاري، وهو ثابت إلى عبد الرحمن من جهة الإسناد،
فهو وقصة الضب الصحيحة الإسناد دليلان.
- ينضم إليهما ثالث:
-
وهو ما حدث به عبد الملك بن عمير، قال: عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، أن عبد الله بن سعود أوصى ابنه عبد الرحمن، فقال: " يا بني، إني أوصيك بتقوى الله، وأمسك عليك لسانك، وابك من خطيئتك، وليسعك بيتك " (١) .
- (١)أخرجه ابنُ أبي عاصم في " الزهد " (رقم: ٣٥) وإسناده صحيح، وهو أصح إسناد رُوي به هذا الخبر عن عبد الملك بن عُمير.
-
وهذه رواية صحيحة، فمن كان في سن يعقل فيه مثل هذه الموعظة، فجدير أن يكون أهلاً لحمل العلم وحفظ الحديث.
-
ومن خلال القولين الرابع والخامس تعلم خطأ قول الحاكم: " لم يسمع من أبيه في أكثر الأقاويل " ، وأبين منه خطأ قوله في موضع آخر: " مشايخ الحديث اتفقوا على أن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه " (٢) !!
- (٢)سؤالات مسعود السجزي (النص: ٢١٥).
-
فها هي الأسانيد قد صحت عن عبد الرحمن بتصريحه بالسماع من أبيه
ج ١ ص ١٤٠وإدراكه له وهو ثقة مقبول القول أنه سمع أباه، ولم يقم دليل على ضد ذلك، إذا: حديثه عن أبيه عبد الله بن مسعود متصل صحيح، إما يقينا، وذلك فيما جاء بالصيغة الصريحة بالاتصال، وإما رجحاناً، وذلك في سائر ما حدث به دون تصريح بالسماع.
-
وعلى ذلك جرى طائفة من الأئمة، كالترمذي في مواضع من " الجامع " (١) ، وابن خزيمة (٢) ، وابن حبان (٣) .
- (١)منها: (رقم: ١٢٠٦، ٢٢٥٧، ٢٦٥٧).
- (٢)انظر مثلاً في " صحيحه " (رقم: ١٧٦).
- (٣)انظر " صحيحه " (رقم: ٦٦، ٩٧٢، ١٠٥٣، ٤٤١٠).
-
والمثال الثاني: رواية عبدِ الجبار بن وائل بن حُجر، عن أبيه: