ضابط تأخر الزمن وأثره في الرد بالتفرد، والحكم على الحديث بالنكارة، ينبغي أن يستخدمه الباحث كثيرا فيما لم يقف عليه إلا في هذه الكتب
١٠ فقرات، ج ١ ص ٣٠١
- ج ١ ص ٣٠١
لمذاهب أئمتهم المتقدمين، لم يستدل بها الأولون، لكونها لم تظهر في زمنهم، أو ظهرت ولكن بأسانيد جديدة، تلتقط من كتب متأخرة في عصر الرواية.
-
والجميع يدرك أن التفرد كثر جدا في مؤلفات من تأخر بعد عصور النقد، أعني في نهاية القرن الثالث، وما بعده، مثل «مسند البزار» ، و «المعجم الكبير» للطبراني، و «سنن الدارقطني» ، و «مستدرك الحاكم» ، و «سنن البيهقي» ، فضلا عن الكتب المخصصة للأفراد والغرائب، مثل «المعجم الأوسط» ، و «المعجم الصغير» للطبراني، و «الأفراد» للدارقطني، و «غرائب مالك» له، وكتب التراجم، مثل كتب أبي نعيم الأصبهاني، والخطيب البغدادي، وكتب الرجال، مثل «الضعفاء الكبير» للعقيلي، و «المجروحين» لابن حبان، و «الكامل» لابن عدي، وغير ذلك كثير جدا، فضابط تأخر الزمن وأثره في الرد بالتفرد، والحكم على الحديث بالنكارة، ينبغي أن يستخدمه الباحث كثيرا فيما لم يقف عليه إلا في هذه الكتب.
-
نقل ابن حجر في ترجمة الطبراني عن أبي بكر بن أبي علي قوله: «كان الطبراني واسع العلم، كثير التصانيف ... ، وقد عاب عليه إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي جمعه الأحاديث بالأفراد، مع ما فيها من النكارة الشديدة والموضوعات، وفي بعضها القدح في كثير من القدماء، من الصحابة وغيرهم ... » (١) .
- (١)«لسان الميزان» ٣: ٧٥.
-
وقال ابن رجب بعد أن نقل كلمة الخطيب التي ينعى فيها على بعض طلبة الحديث في زمانه، لاشتغالهم بالغريب دون المشهور، وسماع المنكر دون المعروف،
ج ١ ص ٣٠٢قال: «وهذا الذي ذكره الخطيب حق، ونجد كثيرا ممن ينتسب إلى الحديث لا يعتني بالأصول الصحاح، كالكتب الستة ونحوها، ويعتني بالأجزاء الغريبة، وبمثل «مسند البزار» ، و «معاجم الطبراني» ، و «أفراد الدارقطني» ، وهي مجمع الغرائب والمناكير» (١) .
- (١)«شرح علل الترمذي» ٢: ٦٢٤. وانظر في الكلام على الكتب المتأخرة، وكثرة الغريب والمنكر فيها: «الموضوعات» ١: ٩٩، و «مجموع فتاوى ابن تيمية» ١٧: ١٢٦، و «الحطة في ذكر الصحاح الستة» ص ١٢٠ - ١٢٣، ومقدمة التحقيق لـ «نسخة ابن معين» لعصام السناني، ص ١٩٤ - ٢١٢، وشرحي لكتاب ابن حجر «نزهة النظر» في موضوع (الغريب)، وانظر مثالا على حديث تفرد به أحد أصحاب هذه الكتب، وأمكن نقده من وجوه، منها أنه لا يوجد في دواوين السنة الأولى: «سنن الدارقطني» ١: ١٨٢، و «تهذيب سنن أبي داود» لابن القيم ٣: ٢٥١، و «تنقيح التحقيق» لابن عبدالهادي ٢: ٣٢٦ - ٣٢٧.
-
وسيأتي في الباب الثالث، في المبحث الثالث من الفصل الثاني منه، التأكيد على قانون عظيم من قوانين الرواة، يتم تسخيره للنقد، وهو أن الرواة في عصر الرواية يبحثون عن الأتم صورة ومعنى، فيستفاد من هذا أنه إذا اشتهر عندهم حديث بإسناد، ثم ظهر بعدهم بإسناد أتم منه، فلا يصح قبول ما ظهر متأخرا، فهو خطأ ولا بد.
-
ثم إن ما ذكره مسلم، وما حرره الذهبي من عمل الأئمة, هي ضوابط عامة، تزداد قوة بأشياء أخرى غير حال الراوي، مثل طول الحديث وغرابة لفظه، أو كونه أصلا في بابه، أو أحد رواته من أهل بلد يرويه عن راو آخر من
ج ١ ص ٣٠٣غير بلده، ولا يعرف ذلك في بلد الشيخ (١) .
- (١)انظر من أمثلة ذلك: «علل ابن أبي حاتم» (٩٦٠)، (١١٤٠)، (١٣٢٥)، (١٣٩٢)، (١٩٤٨)، (٢٨٨٦).
-
وكذلك هذه الضوابط لا يفهم منها أنهم لا يستنكرون الحديث بالتفرد إلا مع وجودها، فهناك أمور دقيقة قد تصاحب التفرد توجب التوقف فيه واستنكار الحديث، وإن لم تتوافر ضوابط الرد المذكورة، ولذا قال ابن رجب: «أكثر الحفاظ المتقدمين يقولون في الحديث إذا انفرد به واحد، وإن لم يرو الثقات خلافه: إنه لا يتابع عليه، ويجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه، واشتهرت عدالته وحديثه، كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضا، ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه» (٢) .
- (٢)«شرح علل الترمذي» ٢: ٥٨٢.
-
وما ذكره ابن رجب يمكن التمثيل له بحديث شبابة، عن شعبة، عن بكير بن عطاء، عن عبدالرحمن بن يعمر في الدباء والمزفت، الماضي ذكره في الفصل الأول، فإن شبابة أحد المكثرين عن شعبة، ولذا دافع عنه ابن المديني من هذه الجهة، غير أن الأئمة تواردوا على استنكار حديثه هذا، وذلك لما انضم إلى التفرد من كون عبدالرحمن بن يعمر ليس له إلا حديث واحد، يرويه أيضا شعبة، وكذا سفيان الثوري، عن بكير بن عطاء، عنه، وهو حديث «الحج عرفة» ، فيبعد جدا أن يكون بهذا الإسناد حديث آخر عند شعبة، ويفوت سائر أصحابه على كثرتهم، ويحفظه واحد منهم، مع أن فيهم من هو مقدم على شبابة، إما في الكثرة
ج ١ ص ٣٠٤أو الحفظ أو كليهما، مثل محمد بن جعفر، ويحيى القطان، وعبدالرحمن بن مهدي، ومعاذ بن معاذ، وخالد بن الحارث، وأبي الوليد الطيالسي، وأبي داود الطيالسي، وغيرهم (١) .
ومن ذلك أيضا ما رواه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل: متى كنت نبيا؟ ... » الحديث (٢) ، استنكره أحمد وقال: هو من خطأ الأوزاعي (٣) .
- (١)انظر في أصحاب شعبة: «شرح علل الترمذي» ٢: ٧٠٢ - ٧٠٥.
- (٢)«سنن الترمذي» حديث (٣٦٠٩)، و «المستدرك» ٢: ٦٠٩، و «ذكر أخبار أصبهان» ٢: ٢٢٦، و «دلائل النبوة» ٢: ١٣٠.
- (٣)«علل المروذي» ص ١٥٠.
-
والأوزاعي من كبار أصحاب يحيى بن أبي كثير، ومن المقدمين فيه، نص عليه أحمد وغيره (٤) ، ولم يمنع هذا أحمد من استنكار حديثه الذي تفرد به عنه، فالأوزاعي قد حفظ عنه غير خطأ في حديث يحيى، فإن كتابه عن يحيى قد احترق، أو ضاع، فكان يحدث عنه من حفظه (٥) ، يضاف إلى ذلك ما في المتن من نكارة.
- (٤)«تاريخ الدوري عن ابن معين» ٢: ٦١٨، ٦٥٣، و «سؤالات الآجري لأبي داود» ٢: ٣٨، و «الجرح والتعديل» ٩: ٦٠، ٦١.
- (٥)انظر: ما تقدم في «الجرح والتعديل» ص ٤٣٩ - ٤٤٠.
-
ولا ينبغي أن يفهم من تحرير ضوابط قبول التفرد أو رده على أن ما استنكره