ضعف مسلك التأويل وذلك لأن نصوص النقاد وأقوالهم تأباه وبيان ذلك

١٩ فقرة، ج ١ ص ٣١٤

  1. المسلك الثاني فهو تقييد لكلام النقاد، وقصر له على بعض أفراده، مع أن نصوصهم وأقوالهم تأباه، وذلك لأمور:

    الأول: جعل النكارة في كلام النقاد على معنيين، اصطلاحي بمعنى التضعيف والرد، ولغوي بمعنى التفرد - بعيد جدا، فكلامهم كله محمول على الاصطلاح، والتفريق يحتاج إلى دليل قوي، كيف والدليل يدل على نقيضه؟ فإن كلامهم على تفرد الثقة واستنكاره يصحبه في الغالب ما يشير إلى المراد، وهو رده وتضعيفه، كما في الأمثلة السابقة في الفصلين الأول والثاني، إذ قد يسميه وهما، أو خطأ، أو يقول: لا أصل له، ونحو ذلك.

    ج ١ ص ٣١٤
  2. والمتأمل في إطلاقهم لفظ (النكارة) ، وما تصرف منه مثل: حديث منكر، وأحاديث مناكير، واستنكر عليه، وأنكرت من حديثه، وكان فلان ينكر عليه حديث كذا، وذكرت له الحديث الفلاني فأنكره، ونحو ذلك، يدرك أن المقصود به التضعيف والرد.

  3. ثم إن تمييز نوع النكارة في نصوص النقاد إذا قيل به، كيف يمكن ضبطه؟ إن رجع الأمر إلى درجة الراوي لم يكن للتفرد حينئذ كبير معنى، ونصوصهم تدل على أن الأمر في هذا النوع من النقد يدور عليه.

  4. ثم إن ربطه بدرجة الراوي يجعل الأمر مضطربا، فإن الراوي متى كان فيه توثيق معتبر، فهو في حيز القبول، أمكن أن يذهب ذاهب إلى تفسير النكارة في حديث استنكر عليه بأن المقصود بها التفرد، لا التضعيف، وجوابهم عن هذا سيكون ضعفه ظاهرا.

  5. الثاني: النقد بالتفرد لم يقتصر على لفظ (النكارة) ، فقد استعملوا فيه مصطلحات أخرى كثيرة، كالتعبير عنه بأنه خطأ، أو لا أصل له، أو باطل، أو لم يتابع عليه، أو روى أحاديث لم يتابع عليها، ونحو ذلك، فهذه ألفاظ لا يمكن صرفها إلى معنى لغوي، فيحصل التناقض في معنى واحد، لمجرد أن النقاد عبروا عنه بألفاظ مختلفة، من باب التنويع والتفنن.

    ج ١ ص ٣١٥
  6. الثالث: أطلق النقاد كثيرا على حديث الثقة إذا تفرد وخالف غيره من الثقات بأنه منكر، كما تقدمت الإشارة إليه قريبا، فما المانع أن يذهب من يرى قبول زيادة الثقة مطلقا إلى تفسير النكارة ههنا أيضا على المعنى اللغوي، فإنه موجود فيها، فيسقط بهذا التضعيف بالمخالفة، وما كان جوابا عنه، فهو أيضا جواب عن حمل الاستنكار في التفرد دون مخالفة على المعنى اللغوي.

  7. وأما الشق الثاني في مخالفة المتأخرين لأئمة النقد في النظر إلى التفرد، فهو الجانب التطبيقي، أي في حال الحكم على إسناد وقع فيه تفرد، فما زال المتأخرون يبتعدون شيئا فشيئا عن منهج النقاد في هذه المسألة حتى أشرفوا في ذلك على الغاية في الوقت الحاضر، فلا أثر لرد تفرد الثقة ومن في حكمه، بل إن أكثرهم لا يبحث في ذلك أصلا، ولا يعرج عليه، مع وجود نقد الحديث الذي بين يديه من النقاد الأوائل أو من بعضهم بالتفرد، ومن يكلف نفسه بالنظر في أقوال النقاد فإنما يفعل ذلك لرده ومناقشته، كأن يقول بعد نقل كلام الناقد: كذا قال، وفلان ثقة فلا يضر تفرده، أو يقول: قال فلان: لم يتابع عليه، نعم لم يتابع عليه فكان ماذا؟ ونحو هذه العبارات.

  8. وسأعرض الآن نماذج تطبيقية توضح الفرق بين منهج المتأخرين ومنهج أئمة النقد.

    ج ١ ص ٣١٦
  9. فمن ذلك حديث حفص بن غياث، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: «كنا نأكل على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن نمشي ... » ، الماضي في الفصل الأول، فقد استنكره على حفص بن غياث جمع من النقاد، وذكروا أنه أخطأ فيه، فهذا الحديث أخرجه ابن حبان في «صحيحه» ، كما تقدم، وكذا توارد عدد من المشايخ المعاصرين على وصف الإسناد بأنه صحيح.

  10. وحديث محمد بن حرب الأبرش، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: «ليس من البر الصيام في السفر» ، الماضي في الفصل الأول، استنكره أبو حاتم على محمد بن حرب، وقد أخرجه ابن حبان في «صحيحه» ، كما تقدم، وقال عنه البوصيري: «إسناد صحيح، رجاله ثقات» (١) ، وكذا صححه جمع من المشايخ المعاصرين.

    1. (١)«مصباح الزجاجة» ٢: ٨.
  11. وحديث برد بن سنان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي والباب مغلق عليه، فجئت فاستفتحت ... » ، وهو الحديث الماضي في الفصل الثاني، وقد استنكره الجوزجاني، وأبو حاتم، على برد بن سنان، كما تقدم، وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» (٢) ، وصححه بعض المشايخ المعاصرين.

    1. (٢)«صحيح ابن حبان» حديث (٢٣٥٥).
  12. وهذه الأحاديث الثلاثة لم يذكر من صححها من المشايخ كلام أئمة النقد، ولا عرج عليه.

    ج ١ ص ٣١٧
  13. وروى ضمرة بن ربيعة، عن سفيان الثوري، عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من ملك ذا رحم محرم فقد عتق» (١) .

    قال أبو زرعة الدمشقي: «قلت لأحمد: فإن ضمرة يحدث عن الثوري، عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر: «من ملك ذا رحم محرم ... » ، فأنكره، ورده ردا شديدا، [وقال: لو قال رجل: هذا كذب، لم يكن مخطئا] وقال أحمد بن حنبل: بلغني أن ضمرة كان شيخا صالحا» (٢) .

    وقال ابن القيم: «قال الإمام أحمد عن ضمرة: إنه ثقة، إلا أنه روى حديثين ليس لهما أصل، أحدهما هذا الحديث» (٣) .

    وقال الترمذي بعد أن ذكره: «لم يتابع ضمرة على هذا الحديث، وهو حديث خطأ عند أهل الحديث» .

    وقال النسائي: «لا نعلم أحدا روى هذا الحديث عن سفيان غير ضمرة، وهو حديث منكر» .

    1. (١)«سنن الترمذي» معلقا بعد حديث (١٣٦٥)، و «سنن النسائي الكبرى» حديث (٤٨٩٧)، و «سنن ابن ماجه» حديث (٢٥٢٥)، و «سنن البيهقي» ١٠: ٢٨٩.
    2. (٢)«تاريخ أبي زرعة الدمشقي» ١: ٤٥٩، و «تهذيب التهذيب» ٤: ٤٦١، وما بين المعكوفين منه.
    3. (٣)«تهذيب سنن أبي داود» ٥: ٤٠٩.
  14. وعده الساجي في الأحاديث التي رواها ضمرة، وهي مناكير (١) .

    وقال ابن المنذر: «قد تكلم الناس في الحديثين اللذين روينا في هذا الباب، حديث ابن عمر لم يروه عن الثوري غير ضمرة، وحديث الحسن، عن سمرة، وقد تكلم فيه، وليس منهما ثابت» (٢) .

    وقال البيهقي: «وهم فيه راويه ... ، والمحفوظ بهذا الإسناد حديث (النهي عن بيع الولاء) ، فقد رواه أبو عمير، عن ضمرة، عن الثوري، مع الحديث الأول».

    1. (١)«إكمال تهذيب الكمال» ٧: ٣٧.
    2. (٢)«الإشراف على مذاهب العلماء» ٢: ٢٨٠.
    ج ١ ص ٣١٨
  15. فقد توارد هؤلاء الأئمة على استنكار الحديث وتضعيفه، لتفرد ضمرة بن ربيعة به عن سفيان الثوري، وضمرة وإن كان ثقة إلا أنه ليس من أصحاب الثوري المعروفين بكثرة الرواية عنه، ولهذا لا يذكره الأئمة عند كلامهم على أصحاب سفيان، وقد غلطوه في غير ما حديث يرويه عن سفيان الثوري (٣) ، وأيضا فقد استنكر له أحاديث أخر عن غير سفيان (٤) .

    1. (٣)«علل ابن أبي حاتم» ١: ١٨، ٤٦٠، و «علل الدارقطني» ١٥: ١٣.
    2. (٤)انظر: «تاريخ أبي زرعة الدمشقي» ١: ٤٥٩ - ٤٦٠، و «إكمال تهذيب الكمال» ٧: ٣٧.
  16. وقد أشار البيهقي إلى سبب وهم ضمرة في حديثنا هذا، وهو أنه دخل له حديث في حديث، لأنه كان يرويهما جميعا، ثم إن الحديث لا يعرف عن عبدالله بن دينار، وله أصحاب كثيرون، ولا عن ابن عمر، وهو المعروف أيضا بكثرة

    ج ١ ص ٣١٩أصحابه، إلا من هذا الطريق، فهذا يدل على وهم ضمرة بن ربيعة كما ذهب إليه هؤلاء النقاد، فأصبح من اليسير فهم كلمة أحمد، وقوله إن من وصف هذا الحديث بأنه كذب لم يكن مخطئا، ومراده أن الوهم فيه من الظهور بحيث يتساوى في التضعيف والرد مع حديث الكذاب.

  17. هذا كلام أئمة النقد، وموقفهم من حديث ضمرة، ولننظر الآن في كلام بعض المتأخرين على هذا الحديث، والمهم فيه طريقتهم في رد كلام النقاد، والتهوين من شأنه، بما يظهر فيه بعدهم عن إدراك قواعد التفرد والتضعيف به التي كان النقاد يعملونها.

    قال ابن حزم: «فهذا خبر صحيح، كل رواته ثقات، تقوم به الحجة، وقد تعلل فيه ... بأن ضمرة انفرد به، وأخطأ فيه، فقلنا: فكان ماذا إذا انفرد به؟ ... فأما دعوى أنه أخطأ فيه فباطل، لأنه دعوى بلا برهان» (١) .

    وقال عبدالحق الإشبيلي: «عللوا هذا الحديث بأن ضمرة تفرد به، ولم يتابع عليه، وقال بعض المتأخرين: ليس انفراد ضمرة علة فيه، لأن ضمرة ثقة، والحديث صحيح إذا أسنده ثقة، ولا يضره انفراده به ... » (٢) .

    1. (١)«المحلى» ١٠: ٢٢٣.
    2. (٢)«الأحكام الوسطى» ٤: ١٥.
  18. ونقل ابن القطان هذا عن عبدالحق، ثم قال: «وهذا هو الصواب» (٣) .

    ج ١ ص ٣٢٠وقال ابن التركماني متعقبا البيهقي في كلامه السابق آنفا: «ليس انفراد ضمرة به دليلا على أنه غير محفوظ، ولا يوجب ذلك علة فيه، لأنه من الثقات المأمونين ... ، والحديث إذا انفرد به مثل هذا كان صحيحا، ولا يضره تفرده، فلا أدري من أين وهم في هذا الحديث راويه كما زعم البيهقي؟ ... » (١) .

    1. (٣)«بيان الوهم والإيهام» ٥: ٤٣٧.
    2. (١)«الجوهر النقي» ١٠: ٢٩٠.
  19. وذكر هذا الحديث أحد المشايخ الفضلاء في كتاب له، ثم ذكر تعليل بعض النقاد له بتفرد ضمرة، وما أشار إليه البيهقي في بيانه لسبب وهم ضمرة، وأنه يروي بهذا الإسناد حديث (النهي عن بيع الولاء) ، وهو المحفوظ بهذا الإسناد، ثم قال الشيخ: «هذا يدل على أن ضمرة قد حفظ الحديثين جميعا، وهو ثقة، فلا غرابة أن يروي متنين -بل وأكثر- بإسناد واحد، فالصواب أن الحديث بهذا الإسناد صحيح، وقد صححه جماعة ... » .

    وقال أحد الباحثين متعقبا النقاد أيضا: «أما قول النسائي: إنه حديث منكر، وقول البيهقي: وهو غير محفوظ، وقول الترمذي: ... ، لم يتابع ضمرة على هذا الحديث، وهو حديث خطأ عند أهل الحديث - ليس بسليم، لأن ضمرة ثقة، وفوق الثقة، فلا يضره التفرد بشيء لم يروه غيره، وما ذنبه إذا لم يحفظ غيره ما حفظه؟ فهل يعاقب برد ما تفرد به؟ » .

    وقال باحث ثالث: «هذا الإسناد صحيح، رجاله ثقات، لكن تكلم بعض أهل العلم في حديث ابن عمر هذا، لانفراد ضمرة بن ربيعة أحد رواته به، ولم