قضية تأثير الخطأ والمنكر على الراوي نفسه قضية دقيقة جدا، ينظر فيها لنوع الخطأ والنكارة، فللنقاد كلمات تشير إلى تفاوت النكارة وأنها على درجات
١٤ فقرة، ج ١ ص ٣٢٣
- ج ١ ص ٣٢٣
قال ابن القيم بعد أن نقل شيئا من هذا عن شعبة، وذكر توثيق عبدالملك، محررا قول من ذهب إلى تقوية الحديث: «لم يتكلم فيه أحد قط إلا شعبة، وتكلم فيه من أجل هذا الحديث، وهو كلام باطل، فإنه إذا لم يضعفه إلا من أجل هذا الحديث كان ذلك دورا باطلا، فإنه لا يثبت ضعف الحديث حتى يثبت ضعف عبدالملك، فلا يجوز أن يستفاد ضعفه من ضعف الحديث الذي لم يعلم ضعفه إلا من جهة عبدالملك، ولم يعلم ضعف عبدالملك إلا بالحديث، وهذا محال من الكلام» (١) .
- (١)«تهذيب السنن» ٥: ١٦٧.
-
وهذا التقرير من ابن القيم لا يحسن أن يعول عليه، ولا اعتراض على شعبة فيما ذهب إليه، فهو متمش مع منهج النقاد كلهم، وهو المنهج الذي لا يصح غيره، وقول ابن القيم في إثبات الدور في كلام شعبة: «فإنه لا يثبت ضعف الحديث حتى يثبت ضعف عبدالملك ... » ، قول منتقد، فالحديث يثبت ضعفه عند النقاد بقرائن والراوي لا يزال ثقة، وإنما يضعف الراوي بتكرر وقوع هذا منه، وهو ما ألمح إليه شعبة، فإذا لم يتكرر منه بما يوجب ضعفه بقي هو على ثقته، وبقي حديثه المنكر على نكارته، وقد يعظم الخطأ الواحد في عين ناقد فيجرح به الراوي.
-
وقضية تأثير الخطأ والمنكر على الراوي نفسه قضية دقيقة جدا، ينظر فيها لنوع الخطأ والنكارة، ولهذا نجد في كلام النقاد أحيانا كلمات تشير إلى تفاوت النكارة، وأنها على درجات، بحسب الشيخ الذي تفرد الراوي عنه، والمتن الذي
ج ١ ص ٣٢٤يروى بذلك الإسناد، وطبقة الراوي، وغير ذلك (١) , وينظر فيها كذلك للقدر الذي يرويه الراوي من الأحاديث، ومقدار ما أخطأ فيه، وهذا يخضع لما يقف عليه الناقد من النوعين، وللاشتباه والتردد في تحميل عهدة الخطأ أحيانا.
- (١)ينظر مثلا: «العلل ومعرفة الرجال» (٤٩٦٦)، و «علل ابن أبي حاتم» (١٦٤٧)، و «الضعفاء الكبير» ٢: ١٨٨، و «الكامل» ١: ٤١٩، و «تاريخ بغداد» ١١: ٤٥٣.
-
وقد تقدم أيضا هذا في «الجرح والتعديل» (٢) ، لكن أعدت التنبيه عليه هنا لأهميته، وضرورة أن تكون الصورة واضحة للباحث، من جهة العلاقة بين الراوي وحديثه، وأن الدور في الاستدلال إنما يثبت على الحقيقة بالتلازم بين درجة الراوي، وحديثه، كما يفعله المتأخرون، لأننا إذا كنا نعرف -على طريقتهم- درجة الحديث من درجة راويه لا غير، ودرجة راويه إنما عرفت أصلا من النظر في حديثه، فهذا هو الدور الحقيقي.
- (٢)«الجرح والتعديل» ص ٢٠٠ - ٢٠٤.
-
وأما طريقة النقاد فلا دور فيها، فالحديث له درجة عند الناقد، دون اعتبار لدرجة راويه، ودرجة الراوي ينظر فيها إلى عموم حديثه، ما أصاب وما أخطأ فيه، ونوع الخطأ الذي وقع فيه.
-
روى جماعة عن الحسن بن سوار، عن عكرمة بن عمار، عن ضمضم بن جوس، عن عبدالله بن حنظلة الراهب قال: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يطوف بالبيت على ناقة، لا ضرب ولا طرد، ولا إليك إليك» (٣) .
ج ١ ص ٣٢٥قال أبو إسماعيل الترمذي: «سألت أحمد عن هذا الحديث، فقال: هذا الشيخ ثقة ثقة، والحديث غريب، ثم أطرق ساعة، وقال: أكتبتموه من كتاب؟ قلنا: نعم» (١) .
وقال أبو إسماعيل أيضا: «ألقيت على أبي عبدالله أحمد بن حنبل، فقال: أما الشيخ فثقة، وأما الحديث فمنكر» (٢) .
وقال العقيلي: «لا يتابع الحسن بن سوار على هذا، وقد حدث أحمد بن منيع وغيره عن الحسن بن سوار هذا، عن الليث بن سعد وغيره أحاديث مستقيمة، وأما هذا الحديث فمنكر» (٣) .
- (٣)«تهذيب الآثار» (مسند ابن عباس) حديث (٧١)، و «الضعفاء الكبير» ١: ٢٢٨، و «معجم الصحابة» لابن قانع ترجمة (٥٣٤)، و «تلخيص المتشابه» ترجمة (١٩٤).
- (١)«تاريخ بغداد» ٧: ٣١٨.
- (٢)«الضعفاء الكبير» ١: ٢٢٨.
- (٣)«الضعفاء الكبير» ١: ٢٢٨، وانظر أيضا: «العلل الكبير» ١: ٣٨٤.
-
وسئل أحمد، عن حديث ابن المبارك، عن مالك بن أنس، عن ابن المنكدر، عن أنس بن مالك، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من جلس إلى قينة صب في أذنه الآنك يوم القيامة» ، وقيل له: رواه رجل بحلب، وحسنوا الثناء عليه، فقال: «هذا باطل» (٤) .
- (٤)«علل المروذي» ص ١٤٣.
-
فالحديث باطل عند أحمد، ولم يلتفت إلى الثناء على من رواه، ولم يسأل عنه من هو؟ .
-
وروى الهذيل بن الحكم، عن عبدالعزيز بن أبي رواد، عن عكرمة، عن
ج ١ ص ٣٢٦ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «موت الغريب شهادة» (١) .
- (١)«سنن ابن ماجه» حديث (١٦١٣).
-
والهذيل بن الحكم هذا قال فيه البخاري، وابن حبان: «منكر الحديث» ، زاد ابن حبان: «جدا» (٢) ، وقال العقيلي: «لا يقيم حديثه» (٣) ، وأما ابن معين فإنه قواه، قال ابن الجنيد: «سألت يحيى بن معين عن الهذيل بن الحكم، فقال: قد رأيته بالبصرة، وكتبت عنه، ولم يكن به بأس، قلت: ما روى عن عبدالعزيز بن أبي رواد ... ، قال يحيى: هذا حديثه الذي كان يسأل عنه، ليس هذا الحديث بشيء، هذا حديث منكر» (٤) .
- (٢)«التاريخ الصغير» ٢: ١٥٢، و «المجروحين» ٣: ٩٥، إلا أن ابن حبان تردد في عهدة النكارة في أحاديثه هل هي منه أو من شيخه عبدالعزيز بن أبي رواد؟ .
- (٣)«الضعفاء الكبير» ٤: ٣٦٥.
- (٤)«سؤالات ابن الجنيد» ص ٣٢٧.
-
فهذا الحديث منكر عند الجميع، من ضعف الهذيل، ومن قواه، والذي قواه هو ابن معين، ولم يمنعه من استنكار الحديث كون المتفرد به ليس به بأس عنده (٥) .
- (٥)وانظر مثالا آخر لابن معين في «تاريخ الدوري» ٢: ٥٢٢.
-
وروى عمرو بن أبي عمرو المدني، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» (٦) .
- (٦)«سنن أبي داود» حديث (٤٤٦٢)، و «سنن الترمذي» حديث (١٤٥٦)، و «سنن ابن ماجه» حديث (٢٥٦١)، و «مسند أحمد» ١: ٣٠٠، و «مسند عبد بن حميد» حديث (٥٧٥)، و «تهذيب الآثار» (مسند ابن عباس) حديث (٨٧٠)، و «مسند أبي يعلى» حديث (٢٧٤٣)، و «المنتقى» حديث (٨٢٠)، و «المستدرك» ٤: ٣٥٥، و «سنن البيهقي» ٨: ٢٣١.
- ج ١ ص ٣٢٧
وهذا الحديث استنكره جماعة من النقاد، فنقل ابن رجب، عن أحمد قوله: «كل أحاديثه عن عكرمة مضطربة» ، ثم قال ابن رجب: «لكنه نسب الاضطراب إلى عكرمة، لا إلى عمرو» (١) .
وقال ابن معين: «ثقة، ينكر عليه حديث عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «اقتلوا الفاعل والمفعول به» ، » (٢) .
وقال البخاري: «صدوق، لكن روى عن عكرمة مناكير، ولم يذكر في شيء من ذلك أنه سمع عكرمة» (٣) .
- (١)«شرح علل الترمذي» ٢: ٧٩٨.
- (٢)«الكامل» ٥: ١٧٦٨.
- (٣)«العلل الكبير» ٢: ٦٢٢.
-
وتعلق الترمذي براويه عن عمرو بن أبي عمرو، وقد أخرجه هو من طريق عبدالعزيز الدراوردي، عن عمرو، وذكر الترمذي أن محمد بن إسحاق رواه عن عمرو، فقال فيه: «ملعون من عمل عمل قوم لوط» ، ولم يذكر القتل (٤) .
- (٤)«سنن الترمذي» ٤: ٨٥. وحديث ابن إسحاق أخرجه أحمد ١: ٢١٧، ٣١٧، وقد رواه الدراوردي أيضا، وغيره، وانظر: «مسند أحمد» ١: ٣١٧، و «مساوئ الأخلاق» حديث (٤٣٧)، و «المعجم الكبير» حديث (١١٥٤٦)، و «المستدرك» ٤: ٣٥٦، و «سنن البيهقي» ٨: ٢٣.