النقاد قد تتفق كلمتهم على استنكار حديث ثم يختلفون فيمن يتحمل تبعته
١٥ فقرة، ج ١ ص ٣٢٨
- ج ١ ص ٣٢٨
ونقل ابن حجر أن النسائي استنكر هذا الحديث (١) ، ولم يذكر السبب.
- (١)«التلخيص الحبير» ٤: ٦١.
-
فاتفق هؤلاء النقاد على ضعف الحديث ونكارته، ثم عزا أحمد ذلك إلى عكرمة، وابن معين إلى عمرو، وأراد البخاري تبرئتهما فأشار إلى أن عمرو بن أبي عمرو لم يسمع من عكرمة، فالعهدة على الواسطة الذي لم يذكر، وأما الترمذي فتعلق بمن دون عكرمة.
-
ومثله ما رواه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: «قالوا: يا رسول الله متى وجبت لك النبوة؟ ... » ، قال الترمذي: «سألت محمدا عن هذا الحديث فلم يعرفه» ، ثم قال الترمذي: «وهو حديث غريب من حديث الوليد بن مسلم، رواه رجل واحد من أصحاب الوليد» (٢) .
- (٢)«العلل الكبير» ٢: ٩٢٥.
-
فظاهر كلام الترمذي أنه يجعل العهدة على راويه عن الوليد بن مسلم، وهو عند الترمذي أبو بدر شجاع بن الوليد، وقد تقدم في الفصل الثاني عن أحمد أن الخطأ من الأوزاعي.
-
فيلاحظ هنا أن النقاد اتفقت كلمتهم على استنكار الحديث، ويبقى بعد ذلك أمر غير مؤثر عندهم، وهو البحث في عهدة الخطأ والنكارة.
-
وقد تقدم في «الاتصال والانقطاع» أن الناقد إذا بلغه أحاديث منكرة عن الراوي، وكان يحسن الظن به ويقويه، فزع إلى رميه بالتدليس دفاعا عنه (٣) ،
ج ١ ص ٣٢٩وتقدم هنا في الفصل الرابع من الباب الأول في المبحث الخامس منه أن الناقد قد يرجح بأن هذه الأحاديث أدخلت عليه وهو لا يعلم، ولا يلجأ الناقد إلى تقوية هذه الأحاديث بمجرد كون راويها كذلك عنده، إذ هي منكرة.
- (٣)«الاتصال والانقطاع» ص ٢١٢.
-
ومن أمثلة ذلك أيضا في التدليس أن ابن معين كان يذهب إلى تقوية محمد بن كثير القرشي الكوفي، وأنه لا بأس به، والجمهور على أنه ضعيف منكر الحديث، وسئل عنه ابن معين مرة فقواه، فذكر له السائل حديثين مما استنكره النقاد عليه، فأشار ابن معين إلى احتمال أن يكون دلسهما، ثم قال: «وإن كان الشيخ روى هذا فهو كذاب، وإلا فإني رأيت حديث الشيخ مستقيما» (١) .
- (١)«سؤالات ابن الجنيد» ص ٢٢١.
-
فاستقامة حديث هذا الراوي عند ابن معين، وكونه يرى أنه لا بأس به، لم يقدم ولم يؤخر في نظر ابن معين لهذين الحديثين، فهما منكران، وبهما نسب الراوي إلى الكذب، إن كان رواهما، فهما اللذان حكما على الراوي، وليس العكس.
-
وبضد هذا ما حصل لابن المديني مع عبدالسلام بن حرب، فإنه وقف له أولا على منكرات، ثم وقف على باقي حديثه فرآه مستقيما، فغير رأيه فيه، والمنكرات باقية كما هي، ولهذا قصة ذكرها ابن المديني، قال: «كنت أستنكر بعض حديثه حتى نظرت في حديث من يكثر عنه، فإذا حديثه مقارب، عن مغيرة والناس، وذلك أنه كان عسرا، فكانوا يجمعون غرائبه في مكان، فكنت أنظر إليها
ج ١ ص ٣٣٠مجموعة فأستنكرها» (١) .
- (١)«سير أعلام النبلاء» ٨: ٣٣٦.
-
وروى الربيع بن يحيى الأشناني، عن الثوري، عن محمد بن المنكدر، عن جابر: «جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، بالمدينة، للرخص من غير خوف ولا سفر» (٢) .
- (٢)«شرح معاني الآثار» ١: ١٦١، و «ذكر أخبار أصبهان» ٢: ١٨، و «التمهيد» ١٢: ٢١٧.
-
سأل ابن أبي حاتم أباه عن هذا الحديث، فقال: «باطل عندي، هذا خطأ، لم أدخله في التصنيف، أراد: أبا الزبير، عن جابر، أو: أبا الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، والخطأ من الربيع» (٣) .
- (٣)«علل ابن أبي حاتم» ١: ١١٦.
-
وأبو حاتم استنكر هذا الحديث على الربيع، لكنه احتمله منه، وقال فيه حين سئل عنه: «ثقة، ثبت» (٤) .
- (٤)«الجرح والتعديل» ٣: ٤٧١.
-
وأما الدارقطني فرأى مثل هذا الخطأ مؤثرا، لفداحته، فقال فيه حين سئل عنه: «ليس بالقوي، يروي عن الثوري، عن ابن المنكدر، عن جابر (الجمع بين الصلاتين) ، وهذا يسقط مئة ألف حديث» (٥) .
- (٥)«سؤالات الحاكم للدارقطني» ص ٢٠٦، وانظر: «سؤالات البرقاني للدارقطني» ص ٣٠.
-
وقال أبو زرعة في عمر بن عبدالله بن أبي خثعم: «واهي الحديث، حدث
ج ١ ص ٣٣١عن يحيى بن أبي كثير ثلاثة أحاديث، لو كانت في خمسمئة حديث لأفسدتها» (١) .
- (١)«سؤالات البرذعي لأبي زرعة» ٢: ٥٤٣.
-
وروى مسكين بن أبي فاطمة، عن حوشب بن عقيل، عن الحسن، عن أبي أمامة, عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الغسل يوم الجمعة ليستل الخطايا من أصول الشعر استلالا» (٢) .
قال أبو حاتم في نقده لهذه الرواية: «هذا منكر، الحسن، عن أبي أمامة، لا يجيء، وَوَهَن أمر مسكين عندي بهذا الحديث» (٣) .
وقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه أبو غسان محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبادة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من صلى الصلوات الخمس، فأتم ركوعها، وسجودها، كان له عند الله عهد أن لا يعذبه» .
قال أبي: سمعت هذا الحديث عن عبادة منذ حين، وكنت أنكره، ولم أفهم عورته حتى رأيته الآن ... ، حدثنا أبو صالح، عن الليث، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن محيريز، عن عبادة: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ... ، فعلمت أن الصحيح هذا، وأن محمد بن مطرف لم يضبط هذا الحديث، وكان محمد بن مطرف ثقة» (٤) .
- (٢)«المعجم الكبير» حديث (٧٩٩٦).
- (٣)«علل ابن أبي حاتم» ١: ١٩٨، وانظر أيضا: ١: ٢١٠، و «الجرح والتعديل» ٨: ٣٢٩.
- (٤)«علل ابن أبي حاتم» ١: ٨٩، ورواية زيد بن أسلم، عن عطاء، أخرجها أبو داود حديث (٤٢٥)، وأحمد ٥: ٣١٧، والطبراني في «الأوسط» حديث (٤٦٥٥)، (٩٣١١)، وأبو نعيم في «الحلية» ٥: ١٣٠، والبيهقي ٢: ٢١٥، من طرق عن أبي غسان محمد بن مطرف به، لكن فيه زيادة أبي عبدالله الصنابحي، أو عبدالله الصنابحي, بين عطاء بن يسار، وعبادة. وأما رواية زيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، فلم أقف عليها عند غير أبي حاتم، لكن الحديث مشهور عن محمد بن يحيى، له عنه طرق كثيرة، وفي بعضها زيادة راو بين ابن محيريز، وعبادة، انظر: «إتحاف المهرة» ٦: ٤٣٥، و «مسند أحمد» تحقيق الأرنؤوط الأحاديث (٢٢٦٩٣)، (٢٢٧٢٠)، (٢٢٧٥٢).