الاستفادة من كلمات النقاد وإن لم تكن نصا في الحديث المعين

٣٤ فقرة، ج ١ ص ٣٥٧

  1. رابعا: في البحث عن كلام النقاد على حديث ينظر فيه الباحث، لا يكتفى بجمع كلامهم على التفرد الواقع فيه على ما فيه نص على الحديث المعين هذا، فهناك كلمات للنقاد لا بد من الاستفادة منها وإن لم تكن نصا في الحديث المعين، مثل أن ينص ناقد على نكارة الحديث، ثم يأتي نص عن ناقد آخر في الراوي أنه روى حديثا منكرا، أو أنه يروي المناكير، وقد ينص على أنه يرويها عن شيخ يسميه، يكون هو الموجود في إسناد الحديث.

    ج ١ ص ٣٥٧
  2. ومثله لو جاء نص عن ناقد أن فلانا روى حديثا منكرا -ولم يعينه-، ثم وقف الباحث على حديث لهذا الراوي تفرد به، سواء بنص ناقد آخر أو بدونه، فالظاهر أنه يعني هذا الحديث، ويتأكد هذا إذا كان الناقد نص على النكارة وسمى شيخه، ثم وجد الحديث عن هذا الشيخ.

  3. ويدخل في هذا أيضا ما يأتي عن النقاد من كلمات على أسانيد معينة أنها لا يثبت بها حديث، أو أن هذا الباب لا يصح فيه شيء، أو لا يثبت فيه شيء، أو كل ما في الباب ضعيف، مع وجود التفرد في شيء منها، فيستدل بذلك على أن الناقد لم يقبل هذا التفرد.

  4. وكل ما تقدم بالغ الأهمية بالنسبة للباحث وهو يجمع كلام النقاد، إذ عليه أن يدقق في العبارات، وأن لا يدع منها شيئا، سواء منها ما يتعلق بحديثه، أو بأحد رواته، أو بالسلسلة كلها، أو بالباب كله.

  5. وسأضرب لذلك بعض الأمثلة، فروى عبدالرزاق، عن معمر، عن ثابت،

    ج ١ ص ٣٥٨عن أنس، قال: «أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - على النساء حين بايعهن أن لا ينحن، فقلن: يا رسول الله، إن نساء أسعدننا في الجاهلية، أفنسعدهن في الإسلام؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا إسعاد في الإسلام، ولا شغار، ولا عقر في الإسلام، ولا جلب في الإسلام، ولا جنب، ومن انتهب فليس منا» (١) .

    1. (١)«مسند أحمد» ٣: ١٩٧، و «مصنف عبدالرزاق» حديث (٦٦٩٠)، وقد أخرج جملا منه أبو داود حديث (٣٢٢٢)، والترمذي حديث (١٦٠١)، والنسائي حديث (١٨٥١)، وعبد بن حميد حديث (١٢٥٣)، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» حديث (١٨٩٥)، وابن حبان حديث (٣١٤٦)، والبيهقي ٤: ٦٢.
  6. وروى عبدالرزاق أيضا عن معمر، عن ثابت، وأبان، وغير واحد، عن أنس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا شغار في الإسلام» (٢) ، وربما جاء هذا عن عبدالرزاق، عن معمر، عن ثابت وحده، عن أنس (٣) .

    1. (٢)«مسند أحمد» ٣: ١٦٥، و «مصنف عبدالرزاق» حديث (١٠٤٣٤)، و «المعجم الأوسط» حديث (٣٠٣٢).
    2. (٣)«سنن ابن ماجه» حديث (١٨٨٥)، و «مسند عبد بن حميد» حديث (١٢٥٦).
  7. وقد توارد عدد من الأئمة المتأخرين، والباحثين المعاصرين، على تصحيح هذا الحديث، ومنهم من يزيد على ذلك بأنه على شرط الشيخين.

    وأما النقاد المتقدمون فقد استنكروه، فنص أحمد على ذلك في هذا الحديث بعينه، فإنه سئل عن رواية معمر، عن ثابت، وأبان وغير واحد ... ، فقال: «هذا عمل أبان -يعني حديث أبان- وإنما معمر -يعني لعله دلسه-» (٤) .

    1. (٤)«شرح علل الترمذي» ٢: ٨٦٥.
  8. ومراد أحمد أن الحديث يرويه معمر، عن أبان بن أبي عياش، وهو متروك الحديث، وأما روايته له عن ثابت فهي منكرة، ولعله دلسه عنه، وغرض أحمد تبرئة معمر من هذا المنكر (١) .

    وقال المروذي: «سألته عن حديث معمر، عن ثابت، عن أنس: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الشغار» ، فقال: هذا حديث منكر من حديث ثابت» (٢) .

    1. (١)ينظر: «الاتصال والانقطاع» ص ٣٧٠.
    2. (٢)«علل المروذي» ص ١٥٠.
    ج ١ ص ٣٥٩
  9. والشاهد هنا أن الباحث حين نظره في أقوال النقاد لا يكتفي باستنكار أحمد له، فقد جاء استنكاره عن ابن المديني أيضا، وإن لم ينص على هذا الحديث، فقد تكلم في رواية معمر، عن ثابت بإطلاق، فقال: «في أحاديث معمر، عن ثابت، أحاديث غرائب ومنكرة» ، وذكر ابن المديني أنها تشبه أحاديث أبان بن أبي عياش (٣) ، وهذا يوافق قول أحمد.

    1. (٣)«شرح علل الترمذي» ٢: ٦٩١.
  10. وكذا ابن معين، فقد جاء عنه قوله: «حديث معمر، عن ثابت، وعن جماعة مضطرب كثير الأوهام» (٤) ، وقال أيضا: «حديث معمر، عن ثابت، ضعيف» (٥) .

    وقال العقيلي في كلامه على أصحاب ثابت المعروفين: «أنكرهم رواية عن

    ج ١ ص ٣٦٠ثابت: معمر» (١) .

    1. (٤)«إكمال تهذيب الكمال» ١١: ٣٠، ٣٠١، و «شرح علل الترمذي» ٢: ٦٩١.
    2. (٥)«شرح علل الترمذي» ٢: ٨٠٤.
    3. (١)«شرح علل الترمذي» ٢: ٦٩١.
  11. وروى عبدالرحمن بن إبراهيم القاص، عن العلاء بن عبدالرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعا: «من كان عليه صوم من رمضان فليسرده، ولا يقطعه» (٢) .

    1. (٢)«سنن الدارقطني» ٢: ١٩، و «سنن البيهقي» ٤: ٥٩.
  12. وقد ذكر هذا الحديث عبدالحق الإشبيلي، ثم قال: «رواه عبدالرحمن بن إبراهيم القاص، وقد أنكره عليه أبو حاتم، ووثق، وضعف» (٣) .

    1. (٣)«الأحكام الوسطى» ٢: ٢٣٨.
  13. فتعقبه ابن القطان بقوله: «كذا قال, وهو يروي عن العلاء، وروى عنه جماعة، ولا يتعين أن يكون الذي أنكره أبو حاتم عليه هو هذا الحديث بعينه، ولعله حديث آخر، قال أبو محمد بن أبي حاتم: سئل أبي عنه فقال: ليس بالقوي، روى حديثا منكرا عن العلاء، وقال أيضا: حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل، قال: قال أبي: عبدالرحمن بن إبراهيم كان قاصا، من أهل المدينة، كان عنده كراسة فيها للعلاء بن عبدالرحمن، وليس به بأس» (٤) .

    1. (٤)«بيان الوهم والإبهام» ٥: ٣٧٥، ٢: ٢٠٧، و «الجرح والتعديل» ٥: ٢١١، و «مسائل صالح» ص ٣٠٧، وفيه -مع تقديم وتأخير- زيادة: «حدثنا عنه عفان».
  14. والذي يظهر أن صنيع عبدالحق هو الصواب، فأبو حاتم استنكر له حديثا يرويه عن العلاء بن عبدالرحمن، وهذا الحديث تفرد به عن العلاء، فالظاهر أنه يعنيه.

  15. وقد قال أحمد فيما روى عنه ابنه صالح: «من أفطر من رمضان أو غيره، من مرض أو سفر، إن صام متتابعا فهو الذي لا اختلاف فيه، وإن صام متفرقا فهي رخصة، قال الله: {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} ، وقد قيل: أحص العدة، وصم كيف شئت، وقال ابن عمر: صمه كما أفطرته» ، قال صالح: «وأنكر أبي على من يقول: لا يجزئه إلا متتابع» (١) .

    1. (١)«مسائل صالح» ص ٢٦٣.
    ج ١ ص ٣٦١
  16. فكلام أحمد -وقد عرف نسخة عبدالرحمن القاص، عن العلاء- يؤيد أن الحديث الذي استنكره أبو حاتم هو حديث الصوم هذا.

  17. ثم لما كتبت هذا وجدت ابن حجر قد ذكر كلام عبدالحق، وتعقب ابن القطان له، ثم قال ابن حجر: «قد صرح ابن أبي حاتم عن أبيه بأنه أنكر هذا الحديث بعينه على عبدالرحمن» (٢) ، فحسم الأمر.

    1. (٢)«التلخيص الحبير» ٢: ٢١٨.
  18. ومما يتصل بهذا الحديث أن أقوال النقاد الذين ضعفوا الراوي نفسه يضمها الباحث إلى أقوال من تكلم في حديثه المعين، ويجعلها ردا منهم لحديثه هذا بالتفرد، واستنكارا له، خاصة من تكلم فيه مع ذكر حديثه هذا.

  19. فهذا الراوي قال فيه أبو داود: «هو عندي منكر الحديث» (٣) .

    وقال فيه النسائي: «ليس بالقوي» (٤) .

    1. (٣)«سؤالات الآجري لأبي داود» ١: ٣٨٧.
    2. (٤)«الضعفاء والمتروكين» ص ٦٧.
  20. واختلف فيه قول ابن معين، فقال مرة: «ليس بشيء» ، وقال مرة: «ثقة» (١) .

    1. (١)«تاريخ الدوري عن ابن معين» ٢: ٣٤٣.
    ج ١ ص ٣٦٢
  21. وذكره العقيلي في «الضعفاء» ، وساق من مفاريده حديثين استنكرهما عليه (٢) .

    وقال ابن حبان: «منكر الحديث، يروي ما لا يتابع عليه، وليس بمشهور في العدالة فيقبل منه ما انفرد به ... » (٣) .

    1. (٢)«الضعفاء الكبير» ٢: ٣٢٠.
    2. (٣)«المجروحين» ٢: ٦٠.
  22. وكذا ضعفه الدارقطني بعد أن أخرج حديثه، ونقله عنه البيهقي مقرا له، ونقل تضعيفه عن نقاد آخرين.

  23. وعلى هذا فيصح للباحث أن يذكر أن هؤلاء النقاد جميعا قد استنكروا حديث الصوم هذا على عبدالرحمن، وضعفوه بتفرده به.

  24. ولا يصح أن يقال: لم لا يذكر الباحث في مقابل هذا أن من ذهب إلى تقوية عبدالرحمن يقبل تفرده بهذا الحديث، فهو صحيح أو حسن عنده؟ لأن تقوية الراوي لا يلزم منها تقوية حديثه المعين، وقد سبق شرح هذا في الفصل الأول، وسبق أيضا في الفصل الثاني بيان أن عدم إدراك هذا أو استحضاره حال الكلام على الحديث هو الذي أدى بالمتأخرين إلى مخالفة أئمة النقد، والاعتماد على حال الراوي فقط، كما فعل ابن القطان في كلامه على هذا الحديث، فقد انتهى إلى أنه حديث حسن، لأن عبدالرحمن مختلف فيه.

  25. والخلاصة في هذا الحديث أن جمعا من النقاد استنكروه على عبدالرحمن, ولا معارض لهم من النقاد ألبتة.

    ج ١ ص ٣٦٣
  26. وروى أحمد بن عيسى بن عبدالجبار التنيسي، عن عمرو بن أبي سلمة، عن زهير بن محمد، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبدالله، عن عائشة قالت: «دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكعبة ما خلف بصرُه موضع سجوده حتى خرج منها» (١) .

    1. (١)«صحيح ابن خزيمة» حديث (٣٠١٢)، و «المستدرك» ١: ٤٧٩، و «سنن البيهقي» ٥: ١٥٨.
  27. سئل عنه أبو حاتم فقال: «هذا حديث منكر» (٢) .

    1. (٢)«علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٩٨.
  28. فأبو حاتم نص على نكارة الحديث، فلا يصح أن يقال: استنكار أبي حاتم يقابله تصحيح ابن خزيمة له، ذلك أن النقاد قد تواردوا على استنكار رواية أهل الشام عن زهير بن محمد، وهذا الحديث منها، ثم منهم من جعل سبب النكارة من زهير نفسه، وأنه حدث هناك من حفظه، ومنهم من ذكر أن أهل الشام غلطوا عليه، بل منهم من ذهب إلى أنه ليس زهير بن محمد المعروف، وإنما هو آخر قلب أهل الشام اسمه (٣) .

    1. (٣)انظر ما تقدم في «الجرح والتعديل» ص ١١٣.
  29. وعمرو بن أبي سلمة تكلم فيه، وقال أحمد في خصوص روايته عن زهير: «روى عن زهير أحاديث بواطيل، كأنه سمعها من صدقة بن عبدالله، فغلط فقلبها عن زهير» (٤) .

    1. (٤)«الضعفاء الكبير» ٣: ٢٧٢، و «الجرح والتعديل» ٦: ٢٣٥، و «تهذيب التهذيب» ٨: ٤٤.
  30. والراوي عن عمرو وهو أحمد بن عيسى قال فيه ابن عدي: «ذكر عنه غير حديث لا يحدث به غيره عن عمرو بن أبي سلمة، وغيره» ، ثم ذكر حديثا له عن عمرو، ثم قال: «وهذا حديث باطل بهذا الإسناد، مع أحاديث أخر يرويها عن عمرو بن أبي سلمة بواطيل» .

    ج ١ ص ٣٦٤
  31. وكذا تكلم فيه ابن يونس، وابن حبان، والدارقطني، وكذبه مسلمة بن قاسم، وابن طاهر (١) .

    1. (١)«الكامل» ١: ١٩٤، و «المجروحين» ١: ١٤٦، و «لسان الميزان» ١: ٢٤٠، و «تهذيب التهذيب» ١: ٦٥.
  32. فالخلاصة أن هذا الحديث منكر عند سائر النقاد، من نص منهم عليه، ومن أجمل القول في رواية أهل الشام عن زهير، ومن تكلم في عمرو بن أبي سلمة، أو في أحمد بن عيسى، ولا يؤثر اختلافهم في سبب نكارة هذه الأحاديث التي تروى بهذه النسخة، فكلها بهذه المثابة.

  33. وروى إدريس بن يحيى الخولاني، عن عبدالله بن عَيَّاش القتباني، عن عبدالله بن سليمان المصري المعروف بالطويل، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين» (٢) .

    1. (٢)«مسند الروياني» حديث (١٤٣٢)، و «صحيح ابن حبان» حديث (٣٤٦٧)، و «المعجم الأوسط» (٦٤٣٤)، و «معرفة علوم الحديث» ص ١٩٥، و «الحلية» ٨: ٣٢٠.
  34. سئل عنه أبو حاتم، فقال: «هذا حديث منكر» (٣) .

    1. (٣)«علل ابن أبي حاتم» ١: ٢١٢.