قام النقاد بأربع خطوات بمثابة الإعداد والتمهيد للخطوة الخامسة التي هي المقصودة بالحديث، والخطوات معتمدة على مقارنة المرويات

١٧ فقرة، ج ١ ص ٤٢١

  1. قواعده وأظهروها، وإلا فإن أس هذا المنهج وبذرته الأولى كانت على يد صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم لم يزل يتوسع ويتعمق شيئا فشيئا -بحسب الحاجة إليه- حتى وصل إلى ذروته في عصر النقد المشار إليه.

    ج ١ ص ٤٢١
  2. وربط منهجهم هذا بعمل صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الأهمية بمكان، وقد قامت إحدى الباحثات الفاضلات بهذه المهمة (١) .

    1. (١)ينظر: «استدراكات الصحابة بعضهم على بعض في الرواية» لنوال الغنام ٢: ٧٠٧ - ٧٤٦.
  3. يقوم هذا المنهج على أساس مهم، حَكَّم فيه هؤلاء الأئمة قواعد الشرع، وأعملوا فيه النظر والعقل، وهذا الأساس هو أنه لا عصمة لأحد عن الكذب والتزوير، فلا بد من فحص الرواة، ثم بعد تمييز الصادقين منهم، فلا عصمة لأحد منهم كائنا من كان عن السهو والخطأ والوهم.

  4. وقبل شرح طريقة عملهم لا بد من التذكير هنا بأنهم قاموا قبل ذلك بأربع خطوات هامة جدا، هي بمثابة الإعداد والتمهيد للخطوة الخامسة التي هي المقصودة بالحديث هنا، والخطوات الخمس معتمدة على مقارنة المرويات، أو ما يعرف بعرض الروايات بعضها على بعض، وذكري لعملهم هذا على شكل خطوات قصدت به تقريبه للأفهام، وذلك بترتيبه تنزلا من الدائرة الأوسع إلى التي تليها، وأما وجودها في عمل الأئمة وفي كلامهم فعلى ترتيب آخر.

  5. فالخطوة الأولى: دراسة مرويات كل راو -ما أمكنهم ذلك- ومقارنتها بمرويات غيره، لمعرفة صدقه من كذبه، ومعرفة درجة ضبطه، ثم الحكم على

    ج ١ ص ٤٢٢الراوي في نفسه، وإعطائه الدرجة اللائقة به، كقولهم: ثقة ثبت، أو ثقة، أو صدوق، أو ضعيف، أو متروك، أو كذاب، وهو ما يعرف بالأحكام المطلقة على الرواة، أو التوثيق والتضعيف المطلق.

  6. والخطوة الثانية: إجراء مقارنة بين الرواة، كقولهم: فلان أحفظ من فلان، أو دون فلان، أو مثله، أو أحب إلي منه، ونحو ذلك، وهو ما يعرف بالأحكام النسبية على الرواة، أو التوثيق والتضعيف النسبي، يفعلون ذلك لمناسبة ما، إما لكونهم إخوة، أو لتقاربهما في السن والأخذ عن الشيخ، أو لتشابههما في الاسم، ونحو ذلك.

  7. والخطوة الثالثة: النظر في هذا الراوي مرة أخرى في روايته عن كل شيخ من شيوخه، لمعرفة درجته في كل واحد منهم خاصة، ذلك أن الراوي يأخذ حكما عاما، ثم قد يأخذ حكما خاصا عن شيخ معين من شيوخه، أو أكثر، فقد يكون ثقة إلا في شيخ معين له هو فيه ضعيف، أو في شيوخ معينين، والعكس كذلك، فقد يكون ضعيفا بوجه عام، قويا في شيخ من شيوخه أو أكثر، وهو ما يعرف بالأحكام المقيدة على الرواة، أو التوثيق والتضعيف المقيد.

  8. والخطوة الرابعة: إجراء مقارنة بين بعض الرواة الأقران، لمعرفة منازلهم في شيخ لهم معين اشتركوا في الرواية عنه، وهو ما يعرف بالأحكام النسبية المقيدة، أو التوثيق والتضعيف النسبي المقيد، وغالب هذه المقارنات تكون بين تلاميذ راوٍ مشهور، له أصحاب كثيرون، وأحاديث كثيرة، سواء كان من الصحابة،

    ج ١ ص ٤٢٣كأبي هريرة، وابن عمر، وجابر، وأنس، أو ممن بعدهم كنافع مولى ابن عمر، وقتادة، وشعبة، والأعمش، والزهري، وأبي إسحاق السبيعي، ونحوهم، وهو ما يعرف بعلم طبقات الرواة في الرتبة والدرجة، لا في الزمن، وهو باب مهم جدا، لأن هؤلاء وأمثالهم تدور غالب الأحاديث عليهم.

  9. فهذه الخطوات الأربع قام الأئمة بها عن طريق مقارنة المرويات، وعرض الروايات بعضها على بعض، وقد تقدم شرحها وما يتعلق بها من مسائل في الكتاب الأول «الجرح والتعديل» ، وإنما ذكرتها هنا ملخصة لارتباطها الوثيق جدا بموضوع عمل الأئمة عند اختلاف الأسانيد، فالخطوات الأربع هذه بمثابة المواد الأولية لعمل جليل عظيم قاموا به، وإدراك الباحث لهذا الارتباط هو مفتاح فهمه لأسس وقواعد نقد المرويات بنظرة شاملة ومستوعبة.

  10. والخطوة الخامسة -وهي موضوع الحديث هنا كما أسلفت-: أنهم إذا روي لهم الحديث المعين أو سئلوا عنه ورأوا أن بين رواته اختلافا في إسناد الحديث أو متنه احتاج الحديث عندهم حينئذ إلى دراسة ونظر، فلا يصححون الأوجه كلها، أو يحكمون لبعضها بأنه الصواب، وعلى بعضها بأنه خطأ، إلا بعد الدراسة والنظر، فليس عندهم حكم عام مطرد على جميع الأحاديث التي وقع فيها اختلاف، كأن يقال: الحكم لمن زاد، أو الحكم لمن نقص، أو الحكم للأكثر ... الخ، وإنما كل حديث وجد فيه ذلك له عندهم نظر خاص به، يخضع الحكم النهائي فيه لمجموعة من القرائن والمرجحات يراعيها الإمام حين يصدر حكمه.

  11. وهذه المرجحات وتلك القرائن سيأتي الحديث عنها لاحقا، لكني هنا أعيد ما سبق آنفا من أن معظمها كان قد تمت دراسته وإنضاجه في خطوات سابقة عندهم، وهي الخطوات الأربع التي قبل هذه الخطوة، فهذه المرجحات والقرائن بعضها في الرواة الذي جرى بينهم الاختلاف، من حيث درجاتهم في أنفسهم، ومن حيث المقارنة بينهم، ومن حيث صلتهم بشيخهم الذي اختلفوا عليه، وبعضها في الشيخ نفسه الذي جرى عليه الاختلاف، وبعضها في المروي إسنادا أو متنا.

    ج ١ ص ٤٢٤
  12. هذه صور تقريبية لطريقة النقاد في التعامل مع الاختلافات بين الرواة، ذكرتها هكذا ليسهل فهمها، لكنها في واقع الأمر ليست على هذا الترتيب المعين عندهم، فأساسها كلها: مقارنة المرويات، ثم كانت النتائج كلها ثمرة هذه المقارنة، سواء في درجات الرواة، والمقارنة بينهم، ومراتبهم في شيوخهم، أو في الأحاديث نفسها، وما أثمر ذلك كله من قواعد للوصول إلى درجة الحديث، وصحته من ضعفه، مثل قواعد التفرد، واختلاف الرواة، والاعتضاد، يذكرونها في بيانهم وتعليلهم لأحكامهم، فاستفاد منها من جاء بعدهم، وأراد أن يحكم على الحديث.

  13. ولم يأت هذا من الناقد في يوم وليلة، فهو ثمرة جهد جهيد، وزمن طويل، من التحصيل والتتبع، والمقارنة، فالناقد يمضي سنوات عديدة في الرواية والرحلة، حتى تكتمل عنده أدوات النقد، فيعملها، ويصدر أحكامه، مع بقاء هذه الأحكام عرضة للمراجعة، بحسب ما يستجد عنده من دلائل، وما يقف عليه من طرق، فقد يتراجع، وقد يتردد.

  14. واستمر هذا طيلة عصر النقد، في طبقات متعددة من النقاد، يستفيد المتأخر من المتقدم، لكن لا يقلده، بل يعارضه أحيانا، حتى انتهى عصر الرواية، ودونت الكتب، وأصبحت الرواية لهذه الكتب فقط، فصار من يريد النظر في صحة الحديث وضعفه يعتمد على كلامهم، سواء في الرواة، أو في سماع بعضهم من بعض، أو في الأحاديث نفسها.

    ج ١ ص ٤٢٥
  15. ومنهج أئمة النقد الذي ذكرته آنفا في الموازنة والنظر أشهر من أن يعرف به، فكل كلامهم على الأسانيد، وعلى الرواة أنفسهم مبني على المقارنة والموازنة، متمثلا بالخطوات الخمس التي أشرت إليها، فإذا قال الإمام عن حديث ما: الصواب فيه الوصل، أو الإرسال، أو الرفع، أو الوقف، أو قال عن راو إنه ثقة، أو ضعيف، أو متروك، أو ضعيف في فلان، أو ثقة لكن أحاديثه عن فلان مناكير، أو فلان أحفظ من فلان، أو أقوى منه في فلان، أو هما سواء، كل ذلك بناه على المقارنة والنظر، والباب كله واحد لا يختلف.

  16. وقد حرصت جدا هنا على توضيح هذه الصورة وبيان شدة الارتباط بين الأعمال التي قام بها المحدثون النقاد، وهي تؤخذ في الدراسة مفرقة، بحيث يبدو الارتباط بينها ضعيفا، إن لم يكن مفقودا في أذهان كثير من الباحثين، وسأعود إلى هذه النقطة في مناسبات أخرى للحاجة إليها.

  17. ومع وضوح طريقة عمل الأئمة عند اختلاف الأسانيد، وظهورها في كل عمل قاموا به، في مؤلفاتهم وفي إجاباتهم على أسئلة تلاميذهم، مع هذا كله فقد