الراوي المختلف عليه ينظر له من جهتين: الأولى -وهي المقصودة هنا-: المحفوظ عن هذا الراوي، والثانية: حال إسناد الوجه الراجح والدرجة اللائقة به
٩ فقرات، ج ١ ص ٤٥٨
- ج ١ ص ٤٥٨
الراوي المختلف عليه في حديث معين يمثل حلقة وصل بين الرواة المختلفين عليه، ومن فوقه في الإسناد، والباحث حين دراسته لحديث وقع فيه اختلاف له نظر في حلقة الوصل هذه من جهتين، الأولى: المحفوظ عن هذا الراوي ما هو؟ هل هو وجه واحد من وجوه الاختلاف، أو أكثر من وجه؟ وبعبارة أخرى: ما الذي حَدَّث به هذا الراوي أصحابه المختلفين عليه؟ وجه واحد، أو أكثر من وجه؟ ، والثانية: حال إسناد الوجه الراجح والدرجة اللائقة به، ابتداء من الراوي المختلف عليه صعودا إلى من فوقه في الإسناد، إلى أن يصل الإسناد إلى صاحب النص.
-
ومثال ذلك: أن يختلف أصحاب أيوب السختياني عليه في حديث ما، فيرويه بعضهم عنه، عن نافع، عن ابن عمر، ويرويه بعضهم عنه، عن أنس بن مالك، فيكون البحث عن الذي حَدَّث به أيوب ما هو؟ هل هو عن نافع، عن ابن عمر، أو عن أنس بن مالك؟ أو حدث بالإسنادين جميعا؟ فهذه جهة، والجهة الثانية بعد الفراغ من معرفة المحفوظ عن أيوب. يكون النظر في أيوب ومن فوقه في الإسناد المحفوظ عنه، لإعطاء الإسناد الدرجة اللائقة به إن كان المحفوظ عنه واحدا، أو إعطائهما الدرجة اللائقة بهما إن كان الوجهان محفوظين عنه.
-
والنظر في الجهة الثانية ليس هذا موضع الحديث عنه، فسيأتي له فصل
ج ١ ص ٤٥٩خاص به -بعونه تعالى- وهو الفصل الخامس، والحديث الآن عن النظر في الجهة الأولى، في المحفوظ عن الراوي المختلف عليه.
-
وشرح ذلك أن نعرف أن بعض الاختلافات على الرواة سببها الرواة المختلف عليهم أنفسهم، فالواحد منهم يروي الحديث مرة على وجه، ومرة على وجه آخر، وربما رواه على وجه ثالث، أو أكثر.
-
والراوي يروي الحديث على أوجه في الرواية لأسباب عديدة، منها أنه لم يضبط هذا الحديث، أو لكونه يحدث حفظا ثم راجع كتابه فوجده على صفة أخرى، أو يكون قد حدث بالحديث في مكان على صفة، ثم حدث به في مكان آخر على صفة أخرى، ومثل هذا يقال في الزمان، قد يكون حدث به أولا على صفة، ثم في الآخر على صفة أخرى.
-
أو يكون الراوي يرى في الحديث إشكالا في جهة ما، فيقفه أو يرسله أحيانا متعمدا، أو يرى شيخه ضعيفا فيتخوف ألا يكون حفظه، فيتعمد التقصير به.
-
ومن الأسباب كذلك أن يكون الراوي قد سمعه من شيخه هكذا على التردد، فهو أيضا يرويه تارة على صفة، وتارة على صفة أخرى، وقد ينبه على ذلك.
-
ومنها أن يكون سمع الحديث عن شيخه بواسطة، ثم سمعه منه مباشرة، أو العكس، فهو يحدث به على الوجهين، أو يكون سمعه عن الراوي بواسطة، فهو يذكرها تارة، ويحذفها أخرى.
-
ومنها كذلك أن يكون سمع الحديث من عدد من الشيوخ، فهو يرويه تارة