- حال الراوي المختلف عليه، وهؤلاء على ضربين
٥٦ فقرة، ج ١ ص ٤٦٨
الصفحة ١ من ٢
- ج ١ ص ٤٦٨
صفة الرواية عنه، وهناك دلائل تظهر من النظر في حال المختلف عليه بصفة عامة، ذلك أن من الرواة مَنْ يؤدي النظر في حاله إلى انبعاث احتمال كبير أن يكون الاختلاف منه, وليس من الرواة عنه.
-
وهؤلاء على ضربين، أحدهما: من يكون هذا شأنه في جميع أحواله, وهذا الضرب على ثلاثة أصناف، الصنف الأول: الثقات الأثبات واسعو الرواية، فسعة الرواية مع الثقة والتثبت دليل قوي على احتمال أن يكون الاختلاف منه، وأنه حقيقة يروي وجهين أو أكثر.
-
قال ابن رجب بعد أن ذكر تفرد الحافظ الثقة بإسناد عن شيخه مخالفا لجماعة أصحابه: «ويقوي قبول قوله إن كان المروي عنه واسع الحديث، يمكن أن يحمل الحديث من طرق عديدة، كالزهري، والثوري، وشعبة، والأعمش» (١) .
وقال أيضا: «اختلاف الرجل الواحد في الإسناد إن كان متهما فإنه ينسب به إلى الكذب, وإن كان سيئ الحفظ ينسب به إلى الاضطراب وعدم الضبط, وإنما يحتمل مثل ذلك ممن كثر حديثه وقوي حفظه, كالزهري, وشعبة, ونحوهما» (٢) .
- (١)«شرح علل الترمذي» ٢: ٣٨٣.
- (٢)«شرح علل الترمذي» ١: ٤٢٤.
-
ومن نصوص النقاد في تقرير هذه القاعدة في حق بعض الرواة ما ذكره ابن حجر في ترجمة (عكرمة مولى ابن عباس) في معرض الدفاع عنه: «روى ابن هبيرة قال: قدم علينا عكرمة مصر، فجعل يحدثنا بالحديث عن الرجل من
ج ١ ص ٤٦٩الصحابة، ثم يحدثنا بذلك الحديث عن غيره، فأتينا إسماعيل بن عبيد الأنصاري -وكان قد سمع من ابن عباس- فذكرنا ذلك له، فقال: أنا أخبره لكم، فأتاه فسأله عن أشياء كان سمعها من ابن عباس، فأخبره بها على مثل ما سمع، قال: ثم أتيناه فسألناه، فقال: الرجل صدوق، ولكنه سمع من العلم فأكثر، فكلما سنح له طريق سلكه.
وقال أبو الأسود: كان عكرمة قليل العقل، وكان قد سمع الحديث من رجلين، فكان إذا سئل حدث به عن رجل، ثم يسأل عنه بعد حين فيحدث به عن الآخر، فيقولون: ما أكذبه، وهو صادق» (١) .
- (١)«هدي الساري» ص ٤٢٧.
-
وقال أحمد وقد سأله أبو داود عن اختلاف أحاديث الزهري: «منها ما روى عن رجلين، ومنها ما جاء عن أصحابه -يعني الوهم-» (٢) .
- (٢)«سؤالات أبي داود» ص ٢١٩.
-
ومراد أحمد أن بعض ما اختلف فيه على الزهري هو بسبب سعة روايته، وأنه حقيقة يروي هذه الأحاديث التي اختلف عليه فيها من أكثر من وجه، وبعض ما اختلف عليه فيه يكون بعض أصحابه وهم عليه فيه، وهذا الأخير لا إشكال فيه، والشاهد هنا هو الجزء الأول وهو أن بعض ما اختلف عليه فيه بسبب سعة روايته.
-
ونحو هذا قول الباجي وهو يتحدث عن صحة ما رواه أصحاب الطبقة
ج ١ ص ٤٧٠الأولى عن الزهري: «ما لم يختلفوا، فإذا اختلفوا وجب النظر في اختلافهم ليؤخذ بقول أكثرهم وأحفظهم، ما لم يبن أن الخلاف فيه من الزهري» (١) .
- (١)«التعديل والتجريح» ١: ٢٩٨، ويظهر لي أنه أخذه من كلام البرديجي، ولم ينسبه إليه.
-
ولا يقال: ليس هذا خاصا بهؤلاء، فما من ثقة اختلف عليه إلا وبعض الاختلاف ليس سببه وهم الرواة عنه، إذ يجاب عن هذا بأن وجه الاستشهاد بكلام أحمد وغيره هو هذا التقسيم، فاقتضت حال الزهري وأمثاله أن يكون بعض الاختلاف عليه بسبب سعة روايته، وبعضه الآخر بسب الوهم عليه، وأما سائر الثقات ممن لا تكون حاله حال الزهري فقد يوجد عنه أن يروي الحديث على وجهين، لكن ليس من الكثرة بحيث يكون قسيما للاحتمال الآخر.
-
يدل على ذلك كلامهم في الثقة الثبت إذا لم يكن مكثرا، فمن ذلك قول عبدالرحمن بن مهدي: «لا ترى حافظا يختلف على أبي حصين» (٢) .
وقال أيضا: «أربعة بالكوفة لا يختلف في حديثهم، فمن اختلف عليهم فهو مخطئ، ليس هم» ، فذكر الأربعة وهم: سلمة بن كهيل، وعثمان بن عاصم أبو حصين الأسدي، وعمرو بن مرة، ومنصور بن المعتمر (٣) ، وكل هؤلاء ليسوا من المكثرين من الرواية، بالنسبة لمن وصف بسعة الرواية (٤) .
- (٢)«تهذيب الكمال» ١٩: ٤٠٣.
- (٣)«الجرح والتعديل» ٤: ١٧٠، ٦: ١٦٠، ٢٥٧، ٨: ١٧٧.
- (٤)انظر: «ثقات العجلي» ٢: ١٢٩، ٢٩٩، و «المعرفة والتاريخ» ٢: ١٧٤، و «تهذيب الكمال» ١١: ٣١٥، ٢٢: ٢٣٤.
- ج ١ ص ٤٧١
ومن أمثلة ذلك من صنيع النقاد ما ذكره ابن أبي حاتم قال: «سألت أبي عن حديث رواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن خلاس، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيمن أدرك من صلاة الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس، فطلعت الشمس فليصل إليها أخرى، فقلت له: ما حال هذا الحديث؟ .
قال أبي: قد روى هذا الحديث معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن عزرة بن تميم، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ورواه همام بن يحيى، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله.
قال أبي: أحسب الثلاثة كلها صحاحا، وقتادة كان واسع الحديث، وأحفظهم سعيد بن أبي عروبة قبل أن يختلط، ثم هشام، ثم همام» (١) .
وقال ابن أبي حاتم أيضا: «وسألت أبي عن حديث اختلف على أبي إسحاق الهمداني، روى زهير، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبدالله بن مسعود، وروى الثوري، وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبدالله، أنه قال: «من قرأ القرآن فليتعلم الفرائض ... » وذكر الحديث، فسمعت أبي يقول: كلاهما صحيحان، كان أبو إسحاق واسع الحديث» (٢) .
- (١)«علل ابن أبي حاتم» ١: ٨٥، ورواية سعيد بن أبي عروبة أخرجها أحمد ٢: ٢٣٦، ورواية هشام الدستوائي أخرجها النسائي في «السنن الكبرى» حديث (٤٦٣)، ورواية همام أخرجها أحمد ٢: ٣٠٦، ٣٤٧، ٥٢١.
- (٢)«علل ابن أبي حاتم» ٢: ٥٠، وقد جاء عن الثوري، وإسرائيل، كرواية زهير، وكذا جاء عن زهير مثل روايتهما، وهذا يؤيد ما ذكره أبو حاتم، انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» ١١: ٢٣٣، و «سنن الدارمي» حديث (٢٨٦١)، و «المعجم الكبير» حديث (٨٧٤٣)، و «المستدرك» ٤: ٣٣٣، و «سنن البيهقي» ٦: ٢٠٩، و «الفصل للوصل المدرج في النقل» ٢: ٨٨٣ - ٨٨٦.
- ج ١ ص ٤٧٢
والصنف الثاني: جماعة من الرواة يقع منهم الاختلاف في الرواية الواحدة عمدا، فقد اشتهر عن بعض الرواة تخوفهم، فكانوا يروون الحديث مثلا مرة مرفوعا، ويقفونه مرة أخرى عمدا، على سبيل الورع والتوقي، ومن هؤلاء: محمد بن سيرين، وعبدالله بن عون، ومسعر بن كدام، وغيرهم.
-
وقد عول الدارقطني كثيرا على تحميل هؤلاء وأمثالهم عهدة الاختلاف، لهذا السبب، ومن ذلك قوله في حديث ذكر الاختلاف فيه على ابن سيرين: «وقد تقدم قولنا في أن ابن سيرين من توقيه وتورعه، تارة يصرح بالرفع، وتارة يومئ، وتارة يتوقف، على حسب نشاطه في الحال» (١) .
- (١)«علل الدارقطني» ١٠: ٢٥، وانظر: ٨: ١١٦، ١٠: ١٤، ٢٧، ٢٩، ٣٠، ١١: ٢٩٤.
-
وممن يقع منهم التعمد في الرواية الواحدة: المدلسون، فإذا جاءت رواية لمدلس عن شيخ له حديثا، ثم جاءت رواية أخرى بزيادة راو بينه وبين شيخه، أو قال في بعض الروايات: نبئت عنه، ونحو ذلك، فحال المدلس أوجبت أن يحمل هو عهدة الاختلاف، والرواية الناقصة رواها في حال قيامه بالتدليس، ولهذا أمثلة كثيرة جدا، تقدم شيء منها في التدليس (٢) .
- (٢)«الاتصال والانقطاع» ص ٢٦٣ - ٣٠١، ٣٤٨ - ٣٦٢.
-
والصنف الثالث: من كان يضطرب في حديثه ويتردد، وهؤلاء منهم ثقات، والتردد يقع منهم في بعض حديثهم، ومن هؤلاء الإمام الحافظ الثقة
ج ١ ص ٤٧٣سفيان بن عيينة، كان -فيما يظهر- يعتمد على حفظه كثيرا، سماعا وأداء (١) ، فيقع منه التردد في الإسناد والمتن (٢) ، ورأيت النقاد يحيلون سبب الاختلاف الوارد عنه في بعض حديثه إليه، وإن لم يرد نص عنه (٣) .
- (١)انظر: «مسند الحميدي» حديث (٢٦)، (٨٩)، (٩٦)، (٢٠٣)، (٢٣٣)، (٢٤٣)، (٢٦٨)، (٢٧٠)، (٣٨٧)، (٤٢٣)، (٤٥٩)، (٥٥١)، (٥٨٠)، (٨٧٩)، (٨٩٨)، (٩٠٢)، (٩١٦)، (٩٥٣)، (١١٥٠)، (١٢٧٩).
- (٢)انظر: «مسند الحميدي» حديث (٥٢)، (٦٠ - ٦١)، (٨٧)، (٩٠)، (١٣٣)، (١٧٧)، (١٩٥/ ٢)، (٢٨٢)، (٢٨٤)، (٣١١)، (٣١٥)، (٣٤٨١)، (٣٥٤)، (٣٩٥)، (٤١٣)، (٤٥٩)، (٤٦١)، (٤٩١)، (٤٩٥)، (٨٠٥)، (٥١٨)، (٥٣٦)، (٥٧٧)، (٦٣٤)، (٧٠٤)، (٧٨٣)، (٨٦٣)، (٩٠٤)، (٩٣١)، (٩٧٢)، (٩٨٩)، (١١٤٠)، و «تاريخ الدوري عن ابن معين» ٣: ١١٤، و «الكفاية» ص ٤١٧.
- (٣)انظر: «مسند أحمد» ٣: ٤٢١، و «مسائل أبي داود» ص ٤٣٦، و «علل ابن أبي حاتم» (٢٥٣٧)، و «مسند البزار» حديث (٣٥٧٤).
-
ومن الثقات أيضا: داود بن أبي هند، وثقة الأئمة، وقد سئل عنه أحمد فقال: «ثقة، ثقة» (٤) ، وسئل عنه مرة أخرى فقال: «ومثل داود يسأله عنه؟ » (٥) .
- (٤)«العلل ومعرفة الرجال» ١: ٣٨١، ٢: ٣٧٥.
- (٥)«العلل ومعرفة الرجال» ١: ٤١٦.
-
وقد سئل عنه أحمد مرة أخرى، وعن إسماعيل بن أبي خالد، أيهما أعجب إليه، فقال: «إسماعيل أحفظ عندي منه، قَلَّ ما اختلف عن إسماعيل، وداود يختلف عنه» (٦) .
ج ١ ص ٤٧٤وقال فيه أيضا مرة: «كان كثير الاضطراب والخلاف» (١) .
- (٦)«العلل ومعرفة الرجال» ١: ٣٢٨.
- (١)«تهذيب التهذيب» ٣: ٢٠٥، وانظر مثالا لما اختلف فيه على داود، والعهدة عليه: «التحقيق في أحاديث التعليق» لابن الجوزي، بتحقيقي حديث (١٢٥).
-
ونحو هذا الكلام في وصف داود بالاضطراب قاله أحمد أيضا في عبدالملك بن عمير الكوفي، المعروف بالقبطي، أحد الثقات (٢) .
- (٢)«العلل ومعرفة الرجال» ١: ٢٤٩، ٣: ٥٤، و «مسائل صالح» ص ٣٣٦، و «الجرح والتعديل» ٥: ٣٦٠, وانظر: «علل الدارقطني» ٢: ١٥٢, ٨: ١٩.
-
وكذلك قاله جمع من النقاد في الأعمش، في سياق مقارنته بمنصور بن المعتمر (٣) .
- (٣)تهذيب الكمال» ١٢: ٧٦ - ٩١، ٢٨: ٥٤٦ - ٥٥٥، وانظر: «علل ابن أبي حاتم» (٢١٤٥)، و «علل الدارقطني» ٢: ١٠١ - ١٠٣، ٨: ١٧٢, ١١: ٣٤٣.
-
وأكثر هذا الصنف من درجة الصدوق فمن دونه, وقد تقدم في الفصل الأول من «الجرح والتعديل» أن من وسائل الحكم على الراوي النظر في ثباته أو اضطرابه فيما يرويه (٤) ، فالراوي قد يكون سبب نزوله عن درجة الثقة اضطرابه فيما يرويه، فالحكم عليه هو إذن فرع عن الحكم على رواياته التي اختلف عليه فيها، وأن هذا اضطراب منه، هكذا الحال بالنسبة للناقد، ونحن نستفيد من معرفة حاله التي توصل إليها الناقد لتطبيق ذلك على أحاديثه.
- (٤)«الجرح والتعديل» ص ٩١ - ٩٥.
-
فحال الصدوق ومن دونه -إذا كان سبب نزوله عن درجة الثقة هو
ج ١ ص ٤٧٥الاضطراب والتردد- من أهم ما يوضح قوة العلاقة بين علم (الجرح والتعديل) ، وعلم (اختلاف الرواة) ، وهو ما يعرف بعلم (العلل) ، وأن الأول فرع عن الثاني، وقد سبق الحديث عن هذه القضية في مواضع، ووعدت بالتنبيه عليها في مناسباتها.
-
ومن أمثلة تحميل المختلف عليه عهدة الاختلاف، اعتمادا على مجمل حاله من صنيع النقاد، ما رواه ابن الجنيد قال: «قلت ليحيى: حديث سفيان، عن علي بن زيد، عن الحسن، عن عبدالله بن مغفل، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الدجال قد أكل الطعام ومشى في الأسواق» ، هكذا حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، وحدثنا أبو موسى الهروي يقول: عن عمران بن حصين، فقال لي يحيى: إسحاق أثبت، قلت: فإن حماد بن سلمة يقول: عن علي بن زيد، عن الحسن، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - , فأيما الصحيح؟ قال: ما أدري، قلت: أما سبق إلى قلبك أن الحديث حديث حماد؟ قال: ما أدري، إن علي بن زيد لم يكن بالحافظ ... » (١) .
- (١)«سؤالات ابن الجنيد» ص ٣٢٥، وانظر طرق هذا الحديث في «مسند أحمد» ٤: ٤٤٤، و «مسند الحميدي» حديث (٨٣٢)، و «مسند البزار» حديث (٣٥٧٤)، و «المعجم الكبير» ١٨: ١٥٥ حديث (٣٣٩)، و «المعجم الأوسط» حديث (٨١٥٠).
-
وروى جرير بن عبدالحميد، وأبو كدينة يحيى بن المهلب، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس مرفوعا: «ليس على مسلم جزية، ولا يصلح قبلتان بأرض واحدة» (٢) .
- (٢)«سنن أبي داود» حديث (٣٠٣٢)، و «سنن الترمذي» حديث (٦٣٣ - ٦٣٤)، و «مسند أحمد» ١: ٢٢٣، و «سنن الدارقطني» ٤: ١٥٦.
- ج ١ ص ٤٧٦
ورواه الثوري، وزهير بن معاوية، عن قابوس، عن أبيه مرسلا (١) .
- (١)«الأموال» لأبي عبيد حديث (١٢١)، و «سنن الدارقطني» ٤: ١٥٧.
-
سئل أبو حاتم عن هاتين الروايتين، فقال: «هذا من قابوس، لم يكن قابوس بالقوي، فيحتمل أن يكون مرة قال هكذا، ومرة قال هكذا» (٢) .
وقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه المبارك بن فضالة، عن عبدالله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبدالله: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضحى بكبشين أملحين موجوئين ... » الحديث.
- (٢)«علل ابن أبي حاتم» ١: ٣١٤.
-
وروى هذا الحديث حماد بن سلمة، عن عبدالله بن محمد بن عقيل، عن عبدالرحمن بن جابر، عن أبيه جابر بن عبدالله، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
-
وروى هذا الحديث الثوري فقال: عن عبدالله بن محمد بن عقيل، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أو عائشة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
-
ورواه عبيدالله بن عمرو، وسعيد بن سلمة، فقالا: عن عبدالله بن محمد بن عقيل، عن علي بن حسين، عن أبي رافع، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
قلت لأبي زرعة: فما الصحيح؟ قال: ما أدري، ما عندي في ذا شيء.
قلت لأبي: ما الصحيح؟ قال أبي: ابن عقيل لا يضبط حديثه، قلت: فأيهما أشبه عندك؟ قال: الله أعلم.
ج ١ ص ٤٧٧وقال أبو زرعة: هذا من ابن عقيل، الذين رووا عن ابن عقيل كلهم ثقات» (١) .
وقال أبو حاتم حين سئل عنه مرة أخرى: «هذا من تخليط ابن عقيل» (٢) .
- (١)«علل ابن أبي حاتم» ٢: ٣٩.
- (٢)«علل ابن أبي حاتم» ٢: ٤٤.
-
وكذا قال الدارقطني: «والاضطراب فيه من جهة ابن عقيل» (٣) .
- (٣)«علل الدارقطني» ٧: ٢٠. وانظر طرق هذا الحديث في: «سنن ابن ماجه» حديث (٣١٢٢)، و «مسند أحمد» ٦: ٨، ١٣٦، ٢٢٠، ٢٢٥، ٣٩١، و «مصنف عبدالرزاق» حديث (٨١٣٠)، و «مسند عبد بن حميد» حديث (١١٤٦)، و «شرح معاني الآثار» ٤: ١٧٧، و «مسند أبي يعلى» حديث (١٧٩٢)، و «المعجم الكبير» حديث (٩٢٠ - ٩٢٣)، و «علل الدارقطني» ٧: ١٩، و «المستدرك» ٢: ٣٩١، و «سنن البيهقي» ٩: ٢٦٧ - ٢٦٨، ٢٧٣، ٢٨٧.
-
وسئل الدارقطني عن حديث أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من غَسَّل ميتا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ» ، فقال: «يرويه القعقاع بن أبي حكيم، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة، ورواه سهيل بن أبي صالح، واختلف عنه ... » ، وساق الاختلاف على سهيل ثم قال: «ويشبه أن يكون سهيل كان يضطرب فيه» (٤) .
ج ١ ص ٤٧٨وسئل عن حديث مجاهد عن عائشة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «نهى عن النبيذ في الدباء، والحنتم، والمزفت ... » الحديث، فقال: «يرويه يزيد بن أبي زياد، واختلف عنه ... ، ويشبه أن يكون الاختلاف من يزيد، لسوء حفظه» (١) .
- (٤)«علل الدارقطني» ١٠: ١٦١. وانظر طرق هذا الحديث في: «سنن أبي داود» حديث (٣١٦٢)، و «سنن الترمذي» حديث (٩٩٣)، و «سنن ابن ماجه» حديث (١٤٦٣)، و «مسند أحمد» ٢: ٢٧٢، و «مصنف عبدالرزاق» حديث (٦١١١)، و «التاريخ الكبير» ١: ٣٩٦، و «صحيح ابن حبان» حديث (١١٦١)، و «المعجم الأوسط» حديث (٩٨٩)، و «سنن البيهقي» ١: ٣٠٠ - ٣٠١.
- (١)«علل الدارقطني» ١٤: ٣٤٠، وانظر أمثلة أخرى في: «علل ابن أبي حاتم» (١١) , (٤٧)، (٢٧٨)، (٣٦٨) , (١٥٥٨) , (١٩٤١) , (٢٠٥٢)، (٢٢٥٠) , و «علل الدارقطني» ١: ١٧٤، ٢١٣, ٢: ٩، ٢٢، ٤٩, ١٢٧ و ١٥٨, ١٨٤، ٤: ١٦٣، ٦: ٣٩، ٤٥, ١٠: ١٧٨, ١٢: ٤٤٨، ١٣: ١١٧، ١٤: ٣٥٤، ١٥: ١٤٢، ٣٦٦.
-
والضرب الثاني: من يختص هذا الأمر -قوة تحميله عهدة الاختلاف- ببعض حاله، مثل أن يكون ثقة ثبتا في أحد شيوخه، طويل الملازمة له، واسع الرواية عنه، فإذا جاء عنه اختلاف ترجح جدا أن يكون منه، فلا يستبعد أن يروي عنه أكثر من وجه للحديث الواحد، ومثاله أبو معاوية مع الأعمش، أو حماد بن سلمة مع ثابت البناني.
-
فإذا روى بعض أصحاب أبي معاوية عنه، عن الأعمش بإسناد له حديثا, ورواه بعض أصحاب أبي معاوية عنه، عن الأعمش بإسناد آخر له، أمكن جدا أن يكون الإسنادان محفوظين عن أبي معاوية، لكثرة روايته عن الأعمش، وملازمته له، وقوته فيه.
-
وعكس ذلك أن يكون مضعفا في بعض شيوخه، موصوفا بالاضطراب عنه، أو مضعفا في روايته عن أهل بلد، موصوفا بالاضطراب عنهم، فيقوى الاحتمال إذا جاء عنه اختلاف أن يكون هو سببه.
- ج ١ ص ٤٧٩
ويلتحق بذلك ما إذا كان موصوفا بالخطأ في بعض حالاته، مثل أن يكون يخطئ إذا حدث من حفظه أو في حال تغيره، أو في تحديثه في بلد معين، فإذا أمكن معرفة أنه حدث بعض الأوجه في تلك الحالة يترجح حينئذ تحميله عهدة الاختلاف، وأنه حدث بعض الأوجه في حال استقامته، وبعضها في حال كونه موصوفا بالخطأ والاضطراب، فالاختلاف منه إذن، وغير خاف أن حكم الأئمة على راو بالقوة أو الضعف في جهة ما، كالبلد أو الشيخ، ونحو ذلك، إنما بنوه على أدلة، وقد يكون من هذه الأدلة ثباته أو تردده فيما يرويه مما يتعلق بتلك الجهة.
-
مثال ذلك أن جعفر بن برقان مضعف في شيخه الزهري، فسأل البرقاني الدارقطني عن سبب ذلك مع أنه قد لقيه، فقال: «ربما حدث الثقة عن ابن برقان، عن الزهري، ويحدثه الآخر عن ابن برقان، عن رجل، عن الزهري، أو يقول: بلغني عن الزهري» (١) .
- (١)«سؤالات البرقاني للدارقطني» ص ٢١.
-
ومن الأمثلة على تحميل الراوي عهدة الاختلاف بسبب اختلاف روايته في بلد عنها في بلد آخر، أن جماعة رووا عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي شريح الخزاعي، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن» ، قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: «الجار لا يأمن جاره بوائقه ... » الحديث (٢) .
- (٢)«صحيح البخاري» حديث (٦٠١٦)، و «مسند أحمد» ٤: ٣١، ٦: ٢٨٥، و «مسند الطيالسي» حديث (١٣٤٠)، و «المعجم الكبير» ٢٢: ١٨٧ حديث (٤٨٧)، و «شعب الإيمان» حديث (٩٥٣٤).
- ج ١ ص ٤٨٠
ورواه جماعة آخرون عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة (١) .
- (١)«صحيح البخاري» حديث (٦٠١٦)، و «مسند أحمد» ٢: ٢٨٨، ٣٣٦، و «المستدرك» ١: ١٠، ٤: ١٦٥.
-
وقد سبر النقاد أحاديث ابن أبي ذئب، فوجدوه حَدَّث ببغداد أحاديث بخلاف ما حَدَّث بها بالمدينة، فحمّلوه فيها عهدة الاختلاف، منها هذا الحديث.
قال مهنا: «فسألت أحمد عن حديث ابن أبي ذئب هو خطأ، أو هو عنهما؟ قال: لا أدري، ولكن من روى عنه بالمدينة يقول: عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة، ومن سمع ببغداد قال: عن أبي شريح» (٢) ، وكذا نقل أبو معين الرازي، عن أحمد (٣) .
- (٢)«المنتخب من علل الخلال» ص ٢٤٧.
- (٣)«فتح الباري» ١٠: ٤٤٣، و «تغليق التعليق» ٥: ٩١، وقد توسع ابن حجر في تأييد كلام أحمد، وانظر: «علل ابن أبي حاتم» ٢: ٢٣٨، و «علل الدارقطني» ٨: ١٦٠. وانظر حديثا آخر لابن أبي ذئب أيضا، وكلام مسلم عليه في «التمييز» ص ١٩١، و «شرح علل الترمذي» ٢: ٧٨٠.
-
وروى عبدالرزاق وغيره عن معمر، عن الزهري، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، قصة كيّه - صلى الله عليه وسلم - لأسعد بن زرارة من مرض كان به، فمات (٤) ، ورواه يزيد بن زريع، عن معمر، عن الزهري، عن أنس (٥) .
- (٤)«مصنف عبدالرزاق» حديث (١٩٥١٥)، و «طبقات ابن سعد» ٣: ٦١١, وقد قيل عن عبدالرزاق, عن معمر, عن الزهري, عن أنس, لكن هذا لا يصح عن عبدالرزاق, انظر: «معرفة الصحابة» لأبي نعيم ٤: ٢٢٧٠.
- (٥)«سنن الترمذي» حديث (٢٠٥٠)، و «مسند أبي يعلى» (٣٥٨٢)، و «شرح معاني الآثار» ٤: ٣٢١، و «صحيح ابن حبان» حديث (٦٠٨٠)، و «المستدرك» ٣: ١٨٧، ٤: ٤١٧، و «سنن البيهقي» ٩: ٣٤٢.
- ج ١ ص ٤٨١
ويزيد بن زريع بصري، وكان معمر حَدَّث بأحاديث في البصرة أخطأ في بعضها، وهذا منها.
قال أحمد لما سئل عنه: «باطل هذا, إنما هو حديث الزهري, عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف» (١) .
وقال أبو حاتم عن حديث أنس: «هذا خطأ، أخطأ فيه معمر، إنما هو الزهري، عن أبي أمامة بن سهل: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كوى أسعد ... » ، مرسل» (٢) .
- (١)«مسائل إسحاق ابن هانئ» ٢: ٢٣٧.
- (٢)«علل ابن أبي حاتم» ٢: ٢٦١, وانظر: «مسند البزار» حديث (٦٣٠٦) , و «علل الدارقطني» ١٢: ٢٠١, و «التمهيد» ٢٤: ٦٠, و «تاريخ دمشق» ٥٩: ٣٩٢, و «النكت الظراف» ١: ٣٩٤, و «إتحاف المهرة» ٢: ٣١٠.
-
ومثله حديث: «أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشرة نسوة ... » الحديث، رواه معمر، عن الزهري مرسلا، ورواه أيضا -من رواية جماعة كثيرين عنه- عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، وقد تواردت كلمات النقاد كأحمد، والبخاري، ومسلم، والبزار، وغيرهم، على أن معمرا رواه متصلا خارج اليمن (٣) .
- (٣)«مراسيل أبي داود» حديث (٢٣٤)، و «سنن الترمذي» حديث (١١٢٨)، و «العلل الكبير» ١: ٤٤٥، و «سنن ابن ماجه» حديث (١٩٥٣)، و «مسند أحمد» ٢: ١٣، ١٤، ٤٤، ٨٣، و «مسائل صالح» ص ٣٣٠، و «مصنف عبدالرزاق» حديث (١٢٦٢١)، و «مصنف ابن أبي شيبة» ٤: ٣١٧، ١٤: ٢١٦، و «التاريخ الصغير» ١: ٢٩٨، و «شرح معاني الآثار» ٣: ٢٥٢، و «مسند أبي يعلى» حديث (٥٤٣٧)، و «علل ابن أبي حاتم» ١: ٤٠٠، و «صحيح ابن حبان» حديث (٤١٥٦ - ٤١٥٧)، و «سنن الدارقطني» ٣: ٢٦٩، و «المستدرك» ٢: ١٩٢، و «سنن البيهقي» ٧: ١٨١، ١٨٢، و «الاستذكار» (٢٧٥٤)، و «التلخيص الحبير» ٣: ١٩٢، و «الإصابة» ٨: ٦٥.