تعدد المدار، وأمثلة تطبيقية
٢٣ فقرة، ج ٢ ص ٩٢
- ج ٢ ص ٩٢
وكذلك تقدم في مبحثنا هذا في (القرينة الثانية) ما يتعلق بحمل بعض الروايات على بعضها الآخر، وقد يقع مع ذلك إفرادها على صفتها وهي محمولة.
-
والتعامل مع الاختلافات بابه واحد، غاية ما هنالك أن الحديث الواحد قد يقع فيه أكثر من اختلاف، فيكون فيه عدة مدارات، فمدار أدنى، ومدار أعلى، وقد يوجد مدار أوسط، وهكذا، وقد تقدمت الإشارة إلى تعدد المدار في الفصل الثاني من الباب الاول, وكذلك في الفصل الأول من هذا الباب -الباب الثالث-.
-
وقضية تعدد المدار إحدى القضايا التي تلقي على الناظر في الاختلاف مزيدا من العبء، سواء في عرض الطرق وتلخيصها للقارئ وعرض دراسة الاختلاف والنظر فيه، أو في الوصول إلى نتيجة في الاختلاف موضع الدراسة, والنتيجة النهائية للحديث كله, وسيأتي الحديث عن ذلك -بعون الله تعالى وقوته- في فصول قادمة.
-
وأراني هنا ملزما بذكر بعض الأمثلة التي توضح الغرض المشار إليه.
-
فمن ذلك الحديث الماضي قريبا, وهو حديث أبي سعيد الخدري: «الأرض كلها مسجد ... » الحديث, فقد رجح النقاد رواية سفيان الثوري المرسلة, فهو أحفظ من جميع من وصله, مع ترددهم في الوصل والإرسال, وقد جاء موصولا من طريق الثوري (١) ، فلا يصح أن يقال: والثوري أيضا قد اختلفت روايته, فيترجح الموصول كما فعله بعض الباحثين, لأن الموصول عن الثوري لا يثبت
ج ٢ ص ٩٣عنه, ولهذا قال البيهقي بعد ذكر إرساله من طريق الثوري: «وقد روي موصولا وليس بشيء» (١) .
- (١)علل الدارقطني» ١١: ٣٢١.
- (١)«سنن البيهقي» ٢: ٤٣٥.
-
ومن ذلك أيضا الحديث المتقدم آنفا، وهو حديث وائل بن حجر، وقد اختلف فيه سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج في مواضع منه، في متنه وإسناده، وحكم النقاد فيها كلها لسفيان الثوري، وعدوا اجتماعها دليلا على عدم ضبط شعبة لهذا الحديث.
-
ومن المواضع التي جرى فيها الاختلاف بينهما فيه أن سفيان الثوري لم يذكر في الإسناد علقمة بن وائل، فجعله عن حجر بن عنبس، عن وائل، وأما شعبة فذكر فيه علقمة، لكن جاء عن شعبة من طرق بموافقة سفيان، وإسقاط علقمة، وجاء عنه أيضا قوله: أو سمعه حجر من وائل، على اختلاف بين المصادر في هذه الجملة، فمثل هذا الاختلاف عن شعبة يمكن تأييد رواية سفيان به، وأن شعبة كان يتردد في هذا الموضع من الإسناد ويضطرب.
-
وقد رجح بعض الباحثين ممن تكلم على هذا الحديث اعتمادا على صنيع شعبة هذا أن حجر بن عنبس سمعه من علقمة بن وائل، عن وائل، وسمعه من وائل نفسه، فحفظ سفيان أحد الوجهين، وحفظهما شعبة جميعا، فكان يذكر هذا وهذا، وما رجحه هؤلاء الباحثون بعيد جدا.
-
وعكس هذا أنهما اختلفا في لفظ الحديث، فرواه سفيان بلفظ: «فقال:
ج ٢ ص ٩٤آمين -ومدَّ بها صوته-»، وفي بعض طرقه: «ورفع بها صوته» ، ورواه شعبة بلفظ: « ... وأخفى بها صوته» .
-
وقد رواه البيهقي من طريق إبراهيم بن مرزوق البصري، عن أبي الوليد هشام بن عبدالملك الطيالسي، عن شعبة، وفيه: «قال: آمين -ورفع بها صوته-» .
-
والرواية هذه عن شعبة بموافقة سفيان، جعلها بعض من تكلم على الحديث مؤيدة لرواية سفيان، وأن شعبة رجع إلى قول سفيان, وهذا بعيد جدا, فالطرق متضافرة عن شعبة، أنه يرويه بلفظ: «وأخفى بها صوته» ، ورواية البيهقي هذه لا تصح عن شعبة، فقد أخرجه الطبراني, عن معاذ بن المثنى, عن أبي الوليد الطيالسي, باللفظ المشهور عن شعبة, وكذلك أخرجه الحاكم من طريق إسماعيل بن إسحاق القاضي، عن أبي الوليد، إلا أنه قرن أبا الوليد بسليمان بن حرب, والنتيجة أن الاختلاف على شعبة هذا لا يصح أن يعده الباحث اضطرابا من شعبة، فيجعل ذلك من مرجحات قول سفيان, لأن أحد الوجهين عن شعبة لا يصح عنه.
-
وكذلك رواية أبي الوليد التي فيها موافقة شعبة لسفيان، حين النظر بينها وبين رواية الجماعة عن شعبة، لا يصح تعليلها بأن أبا الوليد قد اختلف عليه فلم يضبط، لأن أبا الوليد من الثقة والتثبت فوق أن ينسب إليه الاضطراب، وقد أمكن أن يحمل الخطأ غيره، وذاك أن إبراهيم بن مرزوق البصري الذي أخرج البيهقي الرواية من طريقه قد ذكر أنه كان يخطئ، وخاصة بعد ما عمي، ومعاذ بن المثنى، وإسماعيل بن إسحاق القاضي، أثبت منه بكثير.
- ج ٢ ص ٩٥
وثالث المواضع التي وقع الاختلاف فيها بين سفيان، وشعبة، أن سفيان يقول فيه: عن حجر بن عنبس، وشعبة يقول: عن حجر أبي العنبس، وقد جاء عن سفيان الثوري بموافقة شعبة، وأنه يقول فيه: عن حجر أبي العنبس، جاء هذا من رواية محمد بن كثير، والمحاربي، عن سفيان، وكذا جاء عن وكيع في بعض الطرق إليه، فجعل هذا بعض الأئمة المتأخرين دليلا على ضبط شعبة لروايته، فإن سفيان قد اختلف عليه, فوافق شعبة في بعض الروايات عنه، وبنوا عليه أن حجرا يكنى أبا العنبس، ويكنى أيضا أبا السكن، فله كنيتان.
-
وما ذكروه بعيد، فإن هذه الروايات عن سفيان التي وافق فيها شعبة لا تصح عنه، ولا يحتمل فيها أن يقال: إن سفيان كان يقول مرة بهذا ومرة بهذا، ولولا ضيق المقام لشرحت المقصود.
-
ومن الأمثلة كذلك حديث الزهري, عن أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام, عن مروان بن الحكم, عن عبدالرحمن بن الأسود بن عبد يغوث, عن أُبي بن كعب, قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن من الشعر حكمة» .
-
هكذا يرويه الجماعة من أصحاب الزهري، منهم شعيب بن أبي حمزة, ويونس بن يزيد, ومعمر، وزياد بن سعد, وعبيدالله بن أبي زياد, وإسماعيل بن أمية, وغيرهم.
-
ورواه إبراهيم بن سعد, عن الزهري, فكان يقول فيه: عبدالله بن الأسود, مكان عبدالرحمن بن الأسود, هكذا رواه جماعة عن إبراهيم بن سعد, وهو مشهور عنه يخطئ فيه، وقد جاء عنه بموافقة رواية الجماعة, وجاء عنه بالإبهام
ج ٢ ص ٩٦هكذا: عن ابن الأسود بن عبد يغوث.
-
فهذا الاختلاف عن إبراهيم لا ينبغي أن يعد اضطرابا منه, فقوله واحد وإن كان يخطئ فيه, فالتصرف في اسم الراوي بإعادته إلى الصواب أو بإبهامه هو ممن بعد إبراهيم.
-
وجاء عن إبراهيم في أحد الطرق إليه بإسقاط أبي بن كعب, فهذا أيضا ليس منه, فالطرق متضافرة إليه بذكر أبي, والخطأ ممن دونه.
-
وجاء عن يونس بن يزيد في بعض الطرق إليه في «مسند أحمد» كقول إبراهيم بن سعد, فهذا أيضا لا ينبغي أن يعد اختلافا على يونس, تعضد به رواية إبراهيم، فإن سياق الإسناد ما قبله وما بعده يدل على أنه من تحريف النساخ، وهو على الصواب في «أطراف المسند» ، و «إتحاف المهرة» .
-
وخالف معمر الجماعة في موضع آخر، فرواه عنه عبدالرزاق, وابن المبارك, بجعل عروة بن الزبير مكان أبي بكر بن عبدالرحمن.
-
ورواه رباح بن زيد, وهشام بن يوسف, عن معمر, كقول الجماعة.
-
فهذا اختلاف حقيقي على معمر, تضعف به روايته, فالطرق إليه قوية, وقد قال رباح بن زيد: «إن معمرا أخرج كتابه فإذا فيه: عن أبي بكر بن عبدالرحمن» ، فالظاهر أنه يغلط فيه إذا حدث من حفظه (١) .
- (١)انظر هذا الحديث والكلام عليه في: «صحيح البخاري» حديث (٦١٤٥) , و «مسند أحمد» ٣: ٤٥٦, ٥: ١٢٥ - ١٢٦, و «مسند الطيالسي» حديث (٥٥٨)، و «مصنف عبدالرزاق» حديث (٢٠٤٩٩) و «مصنف ابن أبي شيبة» ٨: ٥٠٣، و «سنن الدارمي» حديث (٢٧٠٧) , و «الأدب المفرد» حديث (٨٦١) , (٨٦٧) , و «الآحاد والمثاني (١٨٥٤ - ١٨٥٨) , و «شرح معاني الآثار» ٤: ٢٩٧, و «مسند الشاشي» حديث (١٥١٢) , و «سنن البيهقي» ١٠: ٢٣٧, و «الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ١٣٠, و «تفسير الوسيط» ٣: ٣٦٦, و «تحفة الأشراف» ١: ٣١, و «أطراف المسند» ١: ٢١٧, و «إتحاف المهرة» ١: ٢٣٩.