التنبيه على قضيتين

٢٠ فقرة، ج ٢ ص ٩٧

  1. وفي ختام هذا المبحث -القرائن في أوجه الاختلاف- أود التنبيه إلى قضيتين هامتين تتعلقان باستخدام صفة في رواية وجه من أوجه الاختلاف لترجيحه، أو لترجيح غيره عليه.

    ج ٢ ص ٩٧
  2. أما القضية الأولى فإن الباحث قد يجد في صفة بعض الأوجه مرجحات أخرى لم يتقدم الحديث عنها, تعمدت ترك الحديث عنها هنا لأن بحثها سيأتي موسعا في الباب الرابع (المعارضة والاعتضاد) , في الفصل الخاص بالمعارضة, وهي أمور لا تختص بالاختلاف, فهناك الحديث عن فحص متن الحديث بعرضه على عدة أصول, منها القرآن الكريم, والأحاديث المعارضة, والبلاغة النبوية, وما قد يرد عن الراوي من فتوى بخلاف ما روى, وغير ذلك, سواء كان الحديث فيه اختلاف, أو لم يكن, وسواء في ذلك الوجه الراجح أو الوجه المرجوح إن كان الحديث فيه اختلاف.

  3. فهذا العرض قد ينتج عنه ما يفيد في ترجيح أحد الأوجه عن المدار, فيضم إلى غيره, ولا يصح أن يغفله الباحث, كأن يختلف على راو في تسمية شيخه أو من فوق شيخه على وجهين, ويأتي عن أحد المسمين في هذا الاختلاف رأي

    ج ٢ ص ٩٨يخالف ما في متن الحديث, فيمكن أن يستدل بذلك على حفظ الوجه الآخر عن المدار, فهو من قرائن الترجيح إذن.

  4. وأما القضية الثانية فهي عكس القضية الأولى: التنبيه على خطورة استخدام صفات لا صلة لها بالترجيح, فقد رأيت بعض الباحثين يستخدم في الترجيح أمورا لا مدخل لها فيه, وأكثر ذلك شيوعا عند الباحثين صفتان:

    الصفة الأولى: تمام أحد الإسنادين، ففي الاتصال والانقطاع إذا اختلف على راو من الرواة على وجهين, رجح الباحث أحدهما لكونه متصلا عن صحابيه -مثلا- أو عن تابعيه، والآخر منقطعا, فالراوي الموجود فيه دون الصحابي لم يسمع منه, أو دون التابعي لم يسمع منه.

  5. وهذا مزلق خطير، فلا مدخل لهذا في الترجيح, والبحث عن الراجح إنما هو عن المدار الذي وقع عليه الاختلاف، ما الذي حدث به؟ وقد يكون الراجح عنه هو التام, وقد يكون هو الناقص، أو يترجح عنه حفظ الوجهين.

    ومن أمثلة ذلك أن وكيع بن الجراح روى عن سفيان الثوري، عن سالم أبي النضر، عن أبي أنس مالك بن عامر, عن عثمان: «أنه توضأ بالمقاعد ثلاثا ثلاثا, وعنده رجال من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... » الحديث (١) .

    1. (١)«صحيح مسلم» حديث (٢٣٠)، و «مسند أحمد» ١: ٥٧.
  6. ورواه جماعة كثيرون, منهم الأشجعي, وعبدالله بن الوليد العدني, والحسين بن حفص، ومحمد يوسف الفريابي, وأبو حذيفة موسى بن مسعود،

    ج ٢ ص ٩٩عن سفيان الثوري، عن سالم أبي النضر، عن بسر بن سعيد, عن عثمان (١) .

    1. (١)«مسند أحمد» ١: ٦٧، و «سنن الدارقطني» ١: ٨٥، و «علل الدارقطني» ٣: ١٧، و «التتبع» ص ٤١٢, و «سنن البيهقي» ١: ٧٩.
  7. سئل أبو حاتم, وأبو زرعة, عن هذا الاختلاف, وذكر لهما رواية وكيع، ورواية الفريابي, فرجحا رواية وكيع، وأن الفريابي وهم في جعله الحديث عن بسر بن سعيد، ثم قال أبو حاتم: «وأبو أنس جد مالك بن أنس, وأبوأنس عن عثمان متصل, وبسر بن سعيد, عن عثمان، مرسل» (٢) .

    1. (٢)«علل ابن أبي حاتم» ١: ٥٥.
  8. فرأيت توارد بعض الباحثين على ذكر الاتصال بين أبي أنس، وعثمان بن عفان، وكونه سمع منه, وليس كذلك بسر بن سعيد، من مرجحات رواية من جعل الحديث عن أبي أنس, عن عثمان, وهو وكيع, ويذكرون كلمة أبي حاتم في هذا, بل ذكر بعضهم أن الدارقطني -وهو أحد النقاد الذين خالفوا أبا حاتم, وأبا زرعة, فرجحوا رواية الجماعة على رواية وكيع- إنما رجح رواية الجماعة لكونه يعتقد أن رواية بسر بن سعيد, عن عثمان متصلة, وهي في الواقع منقطعة, كذا قال الباحث, زاد الطين بلة في الاتكاء على قضية اتصال الإسناد وأثره في الترجيح.

  9. وليس هذا الصنيع بجيد, فلا مدخل لهذا في الترجيح, وأبو حاتم, وأبو زرعة, إنما رجحا رواية وكيع لأنها ذكرت لهما في مقابل رواية الفريابي, فقدما وكيعا عليه، وأما غيرهما من الأئمة ممن تكلم على هذا الاختلاف

    ج ٢ ص ١٠٠-مثل أحمد والدارقطني- فقد نظروا في هذا الاختلاف بين رواية وكيع ورواية الجماعة، فلم يترددوا في ترجيح رواية الجماعة، وأن وكيعا يخطئ فيه ولم يلتفتوا للاتصال من عدمه (١) .

    1. (١)«العلل ومعرفة الرجال» ٢: ٢٨٢، و «التتبع» ص ٤١٢، و «سنن الدارقطني» ١: ٨٥، و «علل الدارقطني» ٣: ١٧، و «شرح صحيح مسلم» للنووي ٣: ١٤.
  10. وفي أمثلة أخر رجح أبو حاتم في الاختلاف الطريق المنقطع, أو الأظهر انقطاعا، ولم يلتفت لاتصال الثاني, أو لقرب اتصاله, وقد ذكر هذا هو بعد أن فرغ من الترجيح، قال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه محمد بن أيوب, عن حفص المهرقاني، عن محمد بن سعيد بن سابق، عن عمرو بن أبي قيس، عن إبراهيم بن مهاجر, عن أبي بكر بن حفص، عن ابن عمر, عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الغازي والحاج والمعتمر وفد الله، سألوا الله فأعطاهم, ودعوا الله فأجابهم» .

    فقال أبي: هذا حديث خطأ, إنما هو: أبو بكر بن حفص, عن عمر مرسلا، وقد أدرك أبو بكر بن حفص: ابن عمر, ولم يدرك عمر» (٢) .

    وقال ابن أبي حاتم أيضا: «سألت أبي عن حديث رواه أحمد بن يونس, عن مندل, عن حصين, عن عمرو بن ميمون, قال: قال عمر بن الخطاب: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكره الكراث ... » الحديث.

    قال أبي: هذا خطأ, وإنما هو: حصين, عن هلال بن يساف, عن عمر بن الخطاب -مرسلا- عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.

    ج ٢ ص ١٠١قلت لأبي: عمرو بن ميمون لقي عمر, قال: نعم, وهلال بن يساف

    لم يلق عمر» (١) .

    1. (٢)«علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٩٦.
    2. (١)«علل ابن أبي حاتم» ١: ١٠١, وانظر أمثلة أخرى له (١٦٣) , (٢١٧٩) , (٢٧٥٤).
  11. وتعرض أحد الباحثين لحديث قتادة، عن سعيد بن المسيب, عن سعد بن أبي وقاص, أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعلي: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» ، وقد اختلف فيه على قتادة, وعلى من دونه, ومن الاختلاف فيه ما رواه يوسف بن عطية الصفار, عن سعيد بن أبي عروبة, عن قتادة, عن سعيد بن المسيب, عن أبي هريرة.

  12. فذكر الباحث ضعف هذا الوجه, وذلك لسببين, الثاني منهما ضعف يوسف الصفار, وأنه متروك, وهذا لا إشكال فيه، وبه سقط هذا الوجه قبل أن يصل إلى قتادة, بل قبل أن يصل إلى سعيد بن أبي عروبة.

  13. والسبب الأول الذي ذكره الباحث استفتحه بما نقله عن البرديجي أن سلسلة (قتادة, عن سعيد بن المسيب, عن أبي هريرة) لا تصح، كلها معلولة, وهذا حق, ولكن هذا عائد للسبب الثاني, وهو أنها لا تصح عن قتادة أصلا, فهي معلولة.

  14. وذكر الباحث في السبب الأول أيضا بعد نقل كلام البرديجي ما جاء عن أحمد, وعبدالرحمن بن مهدي, من تضعيف رواية قتادة, عن سعيد بن المسيب, وأنه يدخل بينه وبين سعيد رجالا لا يعرفون.

  15. وصنيع الباحث هنا هو موضع الإشكال, فنقد الوجه بهذه الطريقة تحميل لقتادة عهدة خطأ ممن دونه، فهو لم يصح عنه أصلا, ودراسة الباحث للاختلاف في هذا الحديث ينبغي أن تنصب على النظر في الأوجه عن قتادة, وما الذي يصح منها عنه, وما الذي لا يصح؟ وأما ما بعد قتادة, فإنما ينظر فيه الباحث بعد الترجيح، ويكتفي بالنظر في الوجه الراجح فقط، وسيأتي شرح هذا في الفصل الرابع بحول الله وقوته.

    ج ٢ ص ١٠٢
  16. وقد وقفت على كلمة للدارقطني توهم الاعتداد بقضية الاتصال والانقطاع في الترجيح، فإنه قال في حديث التشهد بعد أن ذكر أوجه الاختلاف فيه على أبي إسحاق السبيعي: «وكل الأقاويل صحاح عن أبي إسحاق, إلا ما قال زيد بن أبي أنيسة من ذكر علقمة، فإن أبا إسحاق لم يسمع من علقمة شيئا» (١) .

    1. (١)«علل الدارقطني» ٥: ٣٠٩.
  17. وليست العبارة على ظاهرها، فالمقصود تخطئة هذا الوجه لمجيئه مصرحا فيه أبو إسحاق بالسماع من علقمة, وهو لم يسمع منه، كما تقدم في الاتصال والانقطاع (٢) ، يدل على ذلك أن الدارقطني ساق من طرقه عن أبي إسحاق, رواية يوسف بن أبي إسحاق, وسعاد بن سليمان, عن أبي إسحاق, عن الأسود, وأبي الأحوص, وعمرو بن ميمون, وأصحاب عبدالله, عن عبدالله، وبعدها رواية زهير بن معاوية, عن أبي إسحاق: سألت أبا الأحوص، وربيع بن خثيم,

    ج ٢ ص ١٠٣ومسروقا، وعبيدة, والأسود, وقص الحديث عن الأسود, عن عبدالله.

    1. (٢)«الاتصال والانقطاع» ص ٦٠, ١١٢.
  18. ويحتمل في كلمة الدارقطني أن يكون الاستثناء منقطعا, فبعد أن صحح الأوجه عن أبي إسحاق، عاد فاستأنف كلاما يبين فيه حال الأسانيد بعد أبي إسحاق، وأنها كلها متصلة عمن رواها عنهم، سوى روايته عن علقمة فإنه لم يسمع منه، والنقاد يتكلمون كثيرا عن حال الأسانيد بعد الفراغ من الموازنة والترجيح، أي من المدار فصاعدا كما تقدم آنفا في كلام أبي حاتم، وسيأتي شرح ذلك بالأمثلة في المبحث الثاني من الفصل الرابع.

  19. ورواية أبي إسحاق، عن علقمة مشهورة عنه، من رواية كبار أصحابه عنه (١) ، فلا يستقيم حينئذ أن يكون الانقطاع دليلا على خطأ من جعل الحديث عن أبي إسحاق، عن علقمة، والاعتماد في التخطئة كان على أمر آخر, وإنما يستقيم دليلا لو كان أبو إسحاق لم يرو عن علقمة أصلا, فهذا مدخل للترجيح مشهور, تقدم شرحه والحديث عنه بأمثلته في الفصل الرابع من الباب الأول, في المبحث الثالث منه, فالإسناد حينئذ مركب لا يستقيم, وربما عبر الناقد عن هذا بنفي بالسماع, أو بنفي الاتصال, وليس غرضه جعله مرجوحا بقرينة عدم السماع, وإنما مراده أنه لم يرو عنه أصلا.

    1. (١)انظر: «علل الدارقطني» ٥: ٧، ١٨، ١٥١، ١٦٠، و «تحفة الأشراف» ٧: ١١٤ - ١١٥، و «إتحاف المهرة» ١٠: ٣٥٦، ٣٦٧.
  20. ومن أمثلة ذلك أيضا ما روى أبو بكر بن عياش, عن الأعمش, عن عمرو