الاستعانة برواية من هو في طبقة المختلف عليه ومن فوقه في هذه الصورة كثير جدا عند النقاد، وذكر نماذج من ذلك
٢٦ فقرة، ج ٢ ص ١١١
- ج ٢ ص ١١١
والاستعانة برواية من هو في طبقة المختلف عليه ومن فوقه في هذه الصورة كثير جدا عند النقاد.
-
فمن ذلك الحديث الماضي في المبحث الثالث, وهو ما رواه سفيان الثوري، عن أبي الزناد, عن المرقع بن صيفي, عن حنظلة الكاتب, وأن جماعة من النقاد تواردوا على تخطئة الثوري في هذا، والصواب: عن المرقع بن صيفي, عن جده رباح -أو رياح- أخي حنظلة الكاتب.
-
والشاهد هنا أن البخاري في كلامه على هذا الحديث ذكر أولا مخالفة الثوري لبعض من رواه عن أبي الزناد نفسه, ثم ارتفع إلى طبقة أبي الزناد, فذكر من رواه عن المرقع بخلاف ما رواه الثوري.
قال البخاري: «رباح بن الربيع -أخو حنظلة- التميمي الأسيدي، قال إسماعيل, عن ابن أبي الزناد, عن أبيه, عن المرقع بن صيفي, أن جده رباح بن الربيع -أخا حنظلة الكاتب- أخبره, أنه خرج مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة، فقال: «الحق خالدا فلا يقتلن ذرية، ولا عسيفا» .
وقال عبدالعزيز: أخبرني ابن أبي الزناد, مثله.
وقال المقدمي: حدثنا فضيل بن سليمان، سمع موسى بن عقبة، سمع المرقع، شهد على جده رباح الحنظلي, مثله.
وقال أبو الوليد: حدثنا عمر بن مرقع بن صيفي بن رباح -أخو حنظلة بن الربيع-، سمع أباه, عن جده رباح, مثله.
ج ٢ ص ١١٢وقال الثوري: عن أبي الزناد, عن مرقع, عن حنظلة الكاتب، وهذا وهم» (١) .
- (١)«التاريخ الكبير» ٣: ٣١٤، ونحوه في «التاريخ الصغير» ١: ١١٦، وقد رواه عن المرقع أيضا راو ثالث لم يذكره البخاري، وهو يوسف بن عدي، انظر في هذه الطرق: «سنن أبي داود» حديث (٢٦٦٢)، و «سنن النسائي الكبرى» حديث (٨٦٢٥)، و «المعجم الكبير» حديث (٤٦٢٢)، و «علل ابن أبي حاتم» ١: ٣٤٥.
-
وروى جماعة منهم حماد بن سلمة, عن خالد الحذاء, عن خالد بن أبي الصلت, عن عراك بن مالك, عن عائشة, حديث استقبال القبلة عند قضاء الحاجة, ومنهم من لم يسم خالد بن أبي الصلت, ومنهم من حذفه, ومنهم من زاد عمرة بين عراك, وعائشة, ومنهم من زاد عروة بن الزبير (٢) .
- (٢)«سنن ابن ماجه» حديث (٣٢٤)، و «مسند أحمد» ٦: ١٣٧، ١٨٣، ١٨٤، ٢١٩، ٢٢٧، ٢٣٩، و «مسند الطيالسي» حديث (١٦٤٥)، و «مصنف ابن أبي شيبة» ١: ١٥١، و «التاريخ الكبير» ٣: ١٥٦، و «شرح معاني الآثار» ٤: ٣٣٤، و «الأوسط» لابن المنذر ١: ٣٢٦، و «سنن الدارقطني» ١: ٥٩، ٦٠، و «سنن البيهقي» ١: ٩٢.
-
والشاهد هنا أن بعض الرواة عن حماد بن سلمة روى الحديث بصيغة التحديث بين عراك بن مالك, وعائشة, وكان أحمد وغيره يذهبون إلى أنه لم يسمع من عائشة ولم يلقها, فسئل أحمد عن هذا الحديث، فأنكر ما فيه من التصريح بالتحديث, واحتج بأن الجماعة من أصحاب حماد بن سلمة لم يقولوا في رواية عراك: سمعت, وأيد أحمد ذلك برواية المتابعين لحماد, فلم يقولوا: سمعت.
قال الأثرم: «سمعت أبا عبدالله وذكر حديث خالد بن أبي الصلت, عن
ج ٢ ص ١١٣عراك بن مالك, عن عائشة رضي الله عنها ... ، فقال: مرسل, فقلت له: عراك بن مالك قال: سمعت عائشة رضي الله عنها, فأنكره، وقال: عراك بن مالك من أين سمع عائشة؟ ما له ولعائشة؟ إنما يروي عن عروة, هذا خطأ، قال لي: من روى هذا؟ قلت: حماد بن سلمة, عن خالد الحذاء, فقال: رواه غير واحد عن خالد الحذاء ليس فيه: سمعت, وقال غير واحد أيضا عن حماد بن سلمة ليس فيه سمعت» (١) .
- (١)«المراسيل» ص ١٦٢, وانظر: «تهذيب التهذيب» ٣: ٢٩٨, ٧: ١٧٤.
-
وروى حفص بن غياث, عن الحجاج بن أرطاة, عن عطاء, عن حمران, عن عثمان (حديث الوضوء) (٢) .
- (٢)«علل ابن أبي حاتم» ١: ٦٣, و «علل الدارقطني» ٣: ٢٨.
-
ورواه جماعة عن الحجاج بن أرطاة -منهم حماد بن زيد, وعباد بن العوام, وأبو معاوية, وغيرهم- عن الحجاج, عن عطاء, عن عثمان, مرسلا ليس فيه حمران (٣) .
- (٣)«سنن ابن ماجه» حديث (٤٣٥) , و «مسند أحمد» ١: ٦٦, ٧٢, ومصنف ابن أبي شيبة» ١: ٩, ١٥, و «علل ابن أبي حاتم» ١: ٦٣.
-
وكذلك رواه ابن جريج, ويزيد بن أبي حبيب, والليث بن سعد, وغيرهم, عن عطاء, عن عثمان, وفي رواية ابن جريج, عن عطاء, أنه بلغه عن عثمان (٤) .
- (٤)«مسند أحمد» ٢: ٣٤٨, و «مصنف عبدالرزاق» حديث (١٢٤) , و «علل ابن أبي حاتم» ١: ٦٣، و «علل الدارقطني» ٣: ٢٨.
- ج ٢ ص ١١٤
وسئل أبو زرعة عن رواية حفص الموصولة بذكر حمران, فذكر رواية الجماعة عن الحجاج, ثم رواية الجماعة عن عطاء, ورجح المرسل (١) .
- (١)«علل ابن أبي حاتم» ١: ٦٣, وانظر أمثلة أخرى في «علل ابن أبي حاتم» (٢٢١ - ٢٢٢) , (٥٤٩) , و «علل الدارقطني» ١: ٢٣٢, ٢٣٤ - ٢٣٥, ٣: ٢٦٨ - ٢٦٩, و «سنن البيهقي» ٢: ٣٩٨.
-
الصورة الثانية: وقوع الاختلاف على الراوي بأسانيد مختلفة، فيروي عنه بعض أصحابه الحديث بإسناد, ويرويه بعضهم بإسناد آخر، وهكذا, وقد يكون التغيير في راو واحد فقط.
-
فإذا وقع الاختلاف على راو من الرواة على هذه الصورة فيستعان بالمتابعات التي قد توجد لأحد الوجهين لترجيحه، أو لكونه محفوظا مع حفظ الوجه الآخر, وقد توجد هذه المتابعات للوجهين جميعا, فيستدل بذلك على تأكيد حفظهما عن المدار.
-
وقد أكثر النقاد من استخدام هذا الجانب في النظر في الاختلاف.
-
فمن ذلك أن محمد بن عمرو بن علقمة روى عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» (٢) .
- (٢)«سنن الترمذي» حديث (٢٢)، و «سنن النسائي الكبرى» حديث (٣٠٤٢)، و «مسند أحمد» ٢: ٢٥٨، ٢٨٧، ٤٢٩، و «شرح معاني الآثار» ١: ٤٤، و «سنن البيهقي» ١: ٣٧.
-
ورواه محمد بن إسحاق, عن محمد بن إبراهيم التيمي, عن أبي سلمة
ج ٢ ص ١١٥بن عبدالرحمن، عن زيد بن خالد الحهني (١) .
- (١)«سنن أبي داود» حديث (٤٧)، و «سنن الترمذي» حديث (٢٣)، و «سنن النسائي الكبرى» حديث (٣٠٤١)، و «مسند أحمد» ٤: ١١٤، ١١٦، ٥: ١٩٣.
-
فذكر الترمذي أن البخاري رجح أن الحديث عن زيد بن خالد, وليس عن أبي هريرة، وخالفه الترمذي فصحح الحديثين جميعا، واحتج بأن الحديث معروف عن أبي هريرة من غير وجه, قال الترمذي: «وحديث أبي سلمة، عن أبي هريرة، وزيد بن خالد, كلاهما عندي صحيح, لأنه قد روي من غير وجه, عن أبي هريرة, عن النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الحديث، وحديث أبي هريرة إنما صح لأنه قد روي من غير وجه، وأما محمد بن إسماعيل فزعم أن حديث أبي سلمة, عن زيد بن خالد أصح» (٢) .
وروى جماعة من أصحاب الأعمش, منهم شعبة, وحفص بن غياث, وجرير بن عبدالحميد، وشيبان بن عبدالرحمن, عن الأعمش، عن أبي صالح, عن أبي هريرة مرفوعا: «لا حسد إلا في اثنتين ... » الحديث (٣) .
- (٢)«سنن الترمذي» حديث (٢٢)، وانظر «العلل الكبير» ١: ١٠٦.
- (٣)«صحيح البخاري» حديث (٥٠٢٦)، (٧٢٣٢)، (٧٥٢٨)، و «سنن النسائي الكبرى» حديث (٥٨٤١)، و «مسند أحمد» ٢: ٤٧٩، و «شرح مشكل الآثار» حديث (٤٦٢) , والكامل» ٧: ٢٧٢٧.
-
ورواه يزيد بن عبدالعزيز بن سياه, عن الأعمش, عن أبي صالح, عن أبي سعيد الخدري (٤) .
- (٤)«مسند أحمد» ٢: ٤٧٩.
- ج ٢ ص ١١٦
ذكر لأبي حاتم رواية حفص بن غياث, ورواية يزيد بن عبدالعزيز, أيهما أصح؟ فقال: «حفص أحفظ، والحديث مروي عن أبي هريرة من طريق آخر، ولا أعلم لأبي سعيد، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا شيئا» (١) .
- (١)«علل ابن أبي حاتم» ٢: ٦٢.
-
وروى سعيد بن خثيم, عن حنظلة بن أبي سفيان، عن سالم، عن أبيه: «أنه كان إذا نظر إلى رجل يريد السفر، يقول: أودعك كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يودع, ثم يقول: أستودع الله دينك, وأمانتك, وخواتيم عملك» (٢) .
- (٢)«سنن الترمذي» حديث (٣٤٤٣)، و «سنن النسائي الكبرى» حديث (٨٨٠٦)، (١٠٣٥٧)، و «مسند أحمد» ٢: ٦٢.
-
ورواه الوليد بن مسلم وغيره عن حنظلة, عن القاسم, عن ابن عمر (٣) .
- (٣)«سنن النسائي الكبرى» حديث (٨٨٠٥)، (١٠٣٥٦)، و «المستدرك» ١: ٤٤٢، و «سنن البيهقي» ٥: ٢٥١.
-
ذكر أبو حاتم, وأبو زرعة, أن هذين الإسنادين جميعا خطأ, وأن الصواب وجه ثالث وهو: عن حنظلة, عن عبدالعزيز بن عمر بن عبدالعزيز، عن يحيى بن إسماعيل بن جرير، عن قزعة, عن ابن عمر, عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
-
واستدلا بما روياه عن أبي نعيم الفضل دكين, عن عبدالعزيز بن عمر كذلك, فترجح هذا الوجه عن حنظلة بكونه قد توبع عليه (٤) .
- (٤)«علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٦٨.
-
وقد رواه جماعة كثيرون عن عبدالعزيز بن عمر كما رواه أبو نعيم, إلا أن
ج ٢ ص ١١٧بعضهم سمى شيخ عبدالعزيز بن عمر: إسماعيل بن جرير، وبعضهم سماه إسماعيل بن محمد بن سعد، ومنهم من أسقطه, والأكثرون سموه كقول أبي نعيم (١) .
- (١)«سنن أبي داود» حديث (٢٦٠٠)، و «سنن النسائي الكبرى» حديث (١٠٣٤٥ - ١٠٣٤٩)، و «مسند أحمد» ٢: ٢٥، ٣٨، ١٣٦، و «علل الدارقطني» ١٣: ٢٠٥، و «تهذيب الكمال» ٣: ٥٦.
-
وروى جماعة -منهم عبدالله بن المبارك, وأنس بن عياض، وحاتم بن إسماعيل- عن موسى بن عقبة, عن نافع, عن ابن عمر: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم سعى ثلاثة أطواف, ومشى أربعة ... » الحديث (٢) .
- (٢)«صحيح البخاري» حديث (١٦١٦)، و «صحيح مسلم» حديث (١٢٦١)، و «سنن أبي داود» حديث (١٨٩٣)، و «سنن النسائي» حديث (٢٩٤١)، و «صحيح ابن خزيمة» حديث (٢٧١٦)، و «سنن البيهقي» ٥: ٨٣.
-
ورواه زهير بن معاوية, عن موسى بن عقبة, عن سالم, عن ابن عمر.
-
سئل أبو حاتم عن هذا الاختلاف وذكر له رواية ابن المبارك، وزهير فقال: «جميعا صحيحين، وقد روي عنهما جميعا» (٣) .
- (٣)«علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٨١.
-
ومراد أبي حاتم -فيما يظهر- أن الحديث معروف عن نافع، ومعروف عن سالم، فهذا يدل على أن موسى بن عقبة قد رواه عنهما جميعا، وأن من رواه عنه عن نافع لم يخطئ عليه، ومن رواه عنه عن سالم لم يخطئ عليه كذلك.