صور القدر المشترك، وأمثلة لتطبيقات النقاد فيه
٢٩ فقرة، ج ٢ ص ١٣٧
- ج ٢ ص ١٣٧
القدر المشترك هو الصفة التي يجتمع عليها وجهان أو أكثر في مقابل وجه واحد من أوجه الاختلاف, بين الأوجه المجتمعة في هذه الصفة اختلاف في جهة أخرى, أو في أكثر من جهة.
-
وصور القدر المشترك كثيرة جدا، فمن ذلك أن يأتي عن الراوي وجه بوصل الحديث بذكر صحابيه, ووجه آخر بإرسال الحديث بإسقاط الصحابي، ووجه ثالث بالإرسال كذلك لكن مع إبدال التابعي بتابعي آخر، فالوجهان الأخيران بينهما اختلاف في تسمية التابعي, لكنهما يتفقان في إرسال الحديث في مقابل الوجه الأول الموصول.
-
ومن صوره أيضا أن يأتي وجه عن المدار بوقف الحديث، ووجه آخر برفعه موصولا، ووجه ثالث برفعه مرسلا ليس فيه الصحابي، فبين الوجهين الأخيرين قد مشترك وهو الرفع في مقابل الوجه الموقوف.
-
ومن أمثلة ذلك ما رواه رباح بن زيد، عن معمر، عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة، عن أبي هريرة, قصة محاورة عمر لأبي بكر في قتال المرتدين (١) .
- (١)«سنن أبي داود» حديث (١٥٥٦)، و «مسند أحمد» ١: ٤٧.
- ج ٢ ص ١٣٨
ورواه عبدالرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة مرسلا ليس فيه أبو هريرة (١) .
- (١)«مسند أحمد» ١: ٣٥، و «مصنف عبدالرزاق» حديث (١٠٠٢).
-
ورواه عمران القطان، عن معمر، عن الزهري، عن أنس (٢) .
- (٢)«سنن النسائي» حديث (٣٠٩٤)، (٣٩٦٩).
-
فبين الوجهين الأولين قدر مشترك وهو أن الحديث ليس مخرجه أنس بن مالك وإنما هو عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة، إما موصولا بذكر أبي هريرة، أو مرسلا بإسقاطه، في مقابل الوجه الثالث وهو جعله عن أنس بن مالك.
-
وروى حماد بن يحيى الأبح، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن أبيه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اقرؤوا القرآن، لا تأكلوا به، ولا تستأثروا به، ولا تحفوا عنه، ولا تغلوا فيه» (٣) .
- (٣)«مسند البزار» حديث (١٠٤٤).
-
وهذا الحديث جزء من حديث تضمن عدة جمل، وقد رواه كاملا أو بالاقتصار على بعضه جماعة من أصحاب يحيى بن أبي كثير، منهم هشام الدستوائي، وأبان بن يزيد، وعلي بن المبارك، ومعمر، وهمام بن يحيى، وغيرهم، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده أبي سلام، عن أبي راشد الحبراني، عن عبدالرحمن بن شبل مرفوعا، لكنهم اختلفوا على يحيى، بل بعضهم عليه اختلاف، فمنهم من يسقط زيدا، ومنهم من يسقط أبا سلام، ومنهم من
ج ٢ ص ١٣٩يسقطهما جميعا، ومنهم من يسقط أبا راشد الحبراني, ومنهم من يسقط أبا سلام، وأبا راشد (١) .
- (١)«مسند أحمد» ٣: ٤٢٨، ٤٤٤، و «الأدب المفرد» حديث (٩٩٢)، و «تهذيب الآثار» ٣: ٥٠ حديث (٩٩)، و «المعجم الأوسط» حديث (٢٥٧٤).
-
فهذه أوجه مختلفة عن يحيى بن أبي كثير، لكن يجمعها قدر مشترك وهو هذا الإسناد كيفما تصرف، في مقابل الوجه الأول: يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن أبيه.
-
ومن تطبيقات النقاد في استخدام القدر المشترك في الترجيح أن همام بن يحيى روى عن قتادة، عن شريك بن خليفة، قال: سألت عبدالله بن عمرو: آكل وأنا جنب؟ قال: «توضأ وضوءك للصلاة ثم كل» .
-
ورواه هشام الدستوائي، عن قتادة مثله، غير أنه سمى صحابيه: عبدالله بن عمر.
-
ورواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبدالله بن عمرو.
قال عفان بن مسلم: «قلت ليحيى (يعني ابن سعيد القطان) : أخطأ هشام، وسعيد، وأصاب همام، قال: كيف يا مجنون؟ قلت: وافق سعيد هماما على عبدالله بن عمرو، ووافق هشام هماما على شريك» (٢) .
- (٢)«العلل ومعرفة الرجال» ١: ٢٦٥، وانظر: «مسائل حرب» ص ٤٥٧ - ٤٥٨، و «التاريخ الكبير» ٤: ٢٣٨، و «الأوسط» لابن المنذر ٢: ٩٢.
- ج ٢ ص ١٤٠
ومن ذلك أيضا الحديث الماضي في الفصل الأول من الباب الثالث، وهو ما رواه شيبان بن عبدالرحمن، وعلي بن المبارك، وأبان بن يزيد، وحرب بن شداد، وبكر بن مضر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري، عن أبيه: «أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يمسح على الخفين» .
-
ورواه الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير بهذا الإسناد، وزاد فيه ذكر المسح على العمامة.
-
ولما أخرج البخاري طريق الأوزاعي هذا علق عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير, عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن عمرو بن أمية بالزيادة المذكورة فجعله متابعا للأوزاعي بذكرها مع أن رواية معمر هذه تخالف رواية الجماعة ومنهم الأوزاعي بإسقاط جعفر بن عمرو بن أمية من الإسناد.
-
وروى محمد بن مسلم الطائفي, وعيسى بن ميمون بن داية المكي, عن عمرو بن دينار, عن جابر, عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ليس فيما دون خمس ذود صدقة, وليس فيما دون خمس أواق صدقة, وليس فيما دون خمسة أوساق صدقة» (١) .
- (١)رواية محمد بن مسلم في «سنن ابن ماجه» حديث (١٧٩٤) , و «مسند أحمد» ٣: ٩٤, و «صحيح ابن خزيمة» حديث (٢٣٠٤ - ٢٣٠٥) , و «سنن الدارقطني» ٢: ٩٤, و «سنن البيهقي» ٤: ١٢٨, وفي رواية الدارقطني قرن أبا سعيد الخدري بجابر بن عبدالله, وهو أيضا رواية عند ابن خزيمة, ورواية عيسى بن داية في «مسند الطيالسي» حديث (١٨٠٨).
-
قال البخاري في نقد هذه الرواية بعد أن رواه مختصرا عن يَسَرة بن صفوان
ج ٢ ص ١٤١الدمشقي, عن محمد بن مسلم, عن عمرو بن دينار, عن جابر, وأبي سعيد: «وقال لنا آدم: حدثنا أبو جعفر الرازي, عن عمرو بن دينار, عن جابر قوله, وقال لي يحيى بن موسى: حدثنا عبدالرزاق, عن ابن جريج, أخبرني عمرو, قال: سمعت عن جابر بن عبدالله, وعن غير واحد مثله, وهذا أصح, مرسل» (١) .
- (١)«التاريخ الكبير» ١: ٢٢٣, ورواية عبدالرزاق, عن ابن جريج هي في «المصنف» حديث (٧٢٥٠)، ومن طريق عبدالرزاق أخرجه ابن خزيمة حديث (٢٣٠٦).
-
فجمع البخاري بين روايتين متفقتين على وقف الحديث على جابر, فهذا قدر مشترك بينهما, ومختلفتين في وصل الحديث, أو إرساله بين عمرو بن دينار وجابر, وما اتفقا فيه كان دليلا على ضعف رواية محمد بن مسلم الطائفي في جعله عن جابر مرفوعا.
-
وروى عمرو بن خالد, عن ابن لهيعة، عن محمد بن عجلان، عن أبي سلمة، عن سعد بن أبي وقاص: «أنه سمع بعض بني أخيه يلبي: لبيك ذا المعارج، فقال سعد: أجل إنه لذو المعارج، وما كنا نقول هذا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» .
-
سئل أبو زرعة عن هذا الحديث فقال: «هكذا رواه عمرو بن خالد، وإنما هو كما رواه الثوري، وجرير، ويحيى بن سعيد القطان, وحاتم، وأبو خالد الأحمر، والدراوردي، عن ابن عجلان، عن عبدالله بن أبي سلمة - زاد الدراوردي: عن عامر بن سعد- عن سعد» (٢) .
- (٢)«علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٩٦. وانظر: «مسند أحمد» ١: ٧٢، و «مسند البزار» حديث (١٢٤٤)، وشرح معاني الآثار» ٢: ١٢٥، و «سنن البيهقي» ٥: ٤٥.
- ج ٢ ص ١٤٢
فعبدالعزيز الدراوردي في هذا الحديث له وجه مستقل، حيث زاد في الإسناد عامر بن سعد، فالإسناد حينئذ متصل لو صحت هذه الزيادة، لكنها لا تصح، ومع هذا جمعه أبو زرعة مع الأكثرين لاشتراكه معهم في تسمية شيخ ابن عجلان: عبدالله بن أبي سلمة.
-
وروى عبيدالله بن عمرو الرقي، عن عبدالملك بن عمير، عن جندب بن سفيان قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن أفضل الصلاة بعد المفروضة: الصلاة في جوف الليل, وإن أفضل الصيام بعد شهر رمضان: شهر الله الذي تدعونه المحرم» (١) .
قال أبو حاتم: «أخطأ فيه عبيدالله، الصواب ما رواه زائدة وغيره عن عبدالملك بن عمير، عن محمد بن المنتشر، عن حميد بن عبدالرحمن، منهم من يقول: عن أبي هريرة، ومنهم من يرسله يقول: حميد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -» (٢) .
- (١)«سنن البيهقي» ٤: ٢٩١، و «إتحاف المهرة» ٤: ٩٠.
- (٢)«علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٥٤، ٢٦٠. وانظر: «صحيح مسلم» حديث (١١٦٣)، و «سنن النسائي الكبرى» حديث (٢٩٠٦ - ٢٩٠٥)، و «سنن ابن ماجه» حديث (١٧٤٢)، و «مسند أحمد» ٢: ٣٠٣، ٣٢٩، ٣٤٢، ٣٣٥، و «مسند أبي يعلى» حديث (٦٣٩٢).
-
فجمع أبو حاتم بين الوجهين الموصول والمرسل لاشتراكهما في جعل الحديث عن محمد بن المنتشر، عن حميد بن عبدالرحمن، في مقابل كونه عن جندب بن سفيان.
-
وروى صالح بن أبي الأخضر, عن الزهري، عن سعيد بن المسيب،
ج ٢ ص ١٤٣وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنما سمي البيت: العتيق لأنه أعتق من الجبابرة» .
-
سئل عنه أبو حاتم فقال: «هذا خطأ، رواه معمر، عن الزهري، عن محمد بن عروة، عن عبدالله بن الزبير موقوفا، ورواه الليث، عن عبدالرحمن بن خالد بن مسافر، عن الزهري، عن محمد بن عروة، عن عبدالله بن الزبير, عن النبي - صلى الله عليه وسلم -» ، ثم قال أبو حاتم: «حديث معمر عندي أشبه، لأنه لا يحتمل أن يكون عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرفوعا» (١) .
- (١)«علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٧٤. وقد جاء عن معمر بإسقاط محمد بن عروة من الإسناد، وجاء الحديث أيضا عن الزهري على وجه رابع، وهو إرسال الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، انظر في طرق هذا الحديث في: «سنن الترمذي» حديث (٣١٧٠)، و «التاريخ الكبير» ١: ٢٠١، و «مسند البزار» حديث (٢٢١٥)، و «تفسير ابن جرير» ١٧: ١١٠، ١١١، و «علل ابن أبي حاتم» (المناسك)، تحقيق تركي الغميز مسألة (٢٤).
-
فاستدل أبو حاتم برواية معمر، وعبدالرحمن بن خالد بن مسافر, في جعلهما الحديث عن عبدالله بن الزبير، على خطأ صالح بن أبي الأخضر، مع كونهما قد اختلفا في رفع الحديث ووقفه.
-
وروى جماعة كثيرون من أصحاب الزهري وفيهم حفاظ ثقات من كبار أصحابه عن الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب، قصة مجيء الجدة إلى أبي بكر في شأن الميراث.
-
ورواه مالك بن أنس، وأبو أويس، وعبدالرحمن بن خالد، عن الزهري،