أمثلة على تصفية رواة الأوجه
٥٣ فقرة، ج ٢ ص ١٥٤
الصفحة ٢ من ٢
- ج ٢ ص ١٦٣
والخلاصة أن الباحث قبل أن يوازن بين روايات رواة الأوجه عنده لا بد من قيامه بتصفية هذه الروايات، يصمد منها ما يصمد ويلغى منها ما يلغى، ولا يتسامح في هذا الجانب، إذ قد يترتب على إهمال ذلك ترجيح غير الراجح، أو ادعاء حفظ وجهين أو أكثر عن المدار، وعند التحقيق لا يكون هذا صحيحا.
-
مثال ذلك حديث ابن عباس الآنف الذكر, فقد مرَّ بعض الباحثين برواية حسين بن محمد المروذي, عن جرير بن حازم, عن أيوب, عن عكرمة, عن ابن عباس الموصولة, فقال بعد تخريجها: «وقد أعل هذا الحديث بالإرسال, وبتفرد جرير بن حازم, عن أيوب, وبتفرد حسين بن محمد المروذي, عن جرير.
-
قلنا: أما تفرد جرير بن حازم, فقد تابعه في روايته عن أيوب, زيد بن حبان, وسفيان الثوري, وأما تفرد حسين بن محمد, عن جرير, ففي «نصب الراية»
- ج ٢ ص ١٦٤
٣/ ١٩٠, عن «التنقيح» : قال الخطيب البغدادي: «قد رواه سليمان بن حرب, عن جرير بن حازم, أيضا كما رواه حسين, فبرئت عهدته, وزالت تبعته, -ثم رواه بإسناده-» .
-
وأما الإرسال, فقد أخرجه أبو داود, (٢٠٩٧) , ومن طريقه البيهقي ٧/ ١١٧، عن محمد بن عبيد, عن حماد بن زيد, عن أيوب, عن عكرمة النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا الحديث, ولم يذكر ابن عباس, ورجح إرساله أبو داود, وأبو حاتم، والدارقطني, والبيهقي, قال ابن التركماني في «الجوهر النقي» ٧/ ١١٧: جرير بن حازم ثقة جليل, وقد زاد الرفع, فلا يضر إرسال من أرسله, كيف وقد تابعه الثوري, وزيد بن حبان, فروياه عن أيوب كذلك مرفوعا ... ».
-
كذا صنع الباحث, أرسل الكلام على عواهنه ولم يمحص, فرواية الثوري عن أيوب الموصولة لو صحت عن الثوري كانت حجة قوية على ترجيح الموصول, لكنها لا تصح عنه, فالراوي عنه ضعيف, وقد خالفه أحد الحفاظ الكبار في الثوري وهو وكيع بن الجراح, فرواه عن الثوري مرسلا كما تقدم شرح ذلك, فرواية الثوري هذه إذن تنقل إلى رواة الوجه المرسل, فهي حجة لكلام النقاد على ترجيح الإرسال, وليست دليلا ضدهم.
-
ثم إن الباحث قصر أيضا في ذكر من رواه مرسلا, فاقتصر على حماد بن زيد, وقد رواه أيضا مرسلا معمر, وابن جريج, وابن علية, فهؤلاء خمسة من كبار أصحاب أيوب, لا يقارن بهم أبدا جرير بن حازم, يكفي واحد منهم لترجيح روايته على رواية جرير، وأما زيد بن حبان الذي تابعه فهو ضعيف في نفسه.
- ج ٢ ص ١٦٥
وكذلك رفع تفرد حسين بن محمد بمتابعة سليمان بن حرب له عن جرير، لم يمحصه الباحث, ولم ينظر في الراوي عن سليمان بن حرب, وهو غير معروف كما تقدم آنفا.
-
فالخلاصة أن الباحث ارتكب صنوفا من الأخطاء في معالجته لهذا الاختلاف على أيوب, وقصر جدا في تصفية رواة الأوجه، فكانت هذه النتيجة التي دافع عنها, وخالف فيها كبار النقاد.
-
نعم قد يتسامح بعض النقاد والباحثين في سرد رواة وجه ما، وتكون الطرق إلى بعضهم فيها نظر، وذلك حين يكثر رواة هذا الوجه، ويتيقن من ثبوته عن أكثرهم، أو عن بعضهم، بما يمكن معه تقرير ثبوت هذا الوجه عن المختلف عليه.
-
وقد تقدم مثل هذا في رواة الأوجه أنفسهم في المبحث الثاني من الفصل الثاني، في الترجيح بين رواة الأوجه بالكثرة، فقد تقدم هناك أن رواة الوجه إذا كثروا يتسامح الناقد في سردهم، فقد يكون من بينهم من هو ضعيف أو دون الضعيف، ولا يبين حاله.
-
ونبهت هناك إلى أن الأولى صنيع بعض الباحثين, حيث يلتزمون نقد رواة الأوجه موضع النقد، خاصة حين يكون الراوي غير صالح للاعتضاد، كأن يكون متروك الحديث أو دون ذلك.
-
ومثل هذا يقال هنا، فالأحسن التنبيه على ضعف الطريق إلى راوي الوجه إذا كان ضعفه شديدا، كأن يكون من رواية متروك الحديث، أو تكون نكارته