الترجيح مع ذكر القرينة المعارضة
١٣ فقرة، ج ٢ ص ٢٠٩
- ج ٢ ص ٢٠٩
وحين يواجه الباحث هذا الصنف من الأحاديث يستعين -بعد استعانته بالله سبحانه وتعالى- بعدة أمور، يستعين بالجلد والمثابرة في البحث والتنقيب, وبالصبر والأناة وعدم الاستعجال، وقد يحتاج إلى المشورة والسؤال، وهذا كله بعد أن يكون قد استعد لذلك، وأكثر من التدرب والنظر في تصرفات النقاد وأحكامهم.
-
وغير خاف أن قضية التعارض في حد ذاتها أمر نسبي، فالتعارض ليس على درجة واحدة، فمنه ما لا يستطيع الناظر التخلص منه، ومنه ما يزول بعد النظر والتمحيص، والناظر يوجس خيفة من طريقته في إزالته والوصول إلى رأي راجح.
-
ولكي تتضح أهمية القضية، وأبعادها، وحضورها اللافت في أحاديث الاختلاف، سأكثر من الأمثلة التطبيقية وذكر القرائن المتعارضة, وأحكام النقاد حينئذ، مع الحرص على أن تكون هذه الأمثلة شاملة لأكبر قدر ممكن من القرائن التي تقدم ذكرها في الفصل الذي قبل هذا.
-
وسيتضح من هذه الأمثلة السبب المباشر لاختلاف النقاد، بل لاختلاف كلام الناقد الواحد، أو تردده في الترجيح، وأن مردَّ ذلك إلى تعارض القرائن، وربما جرت محاورات بين بعض النقاد، وكل يذكر ما يؤيد ما ذهب إليه، مطبقين مبدأ التنافس المرغوب فيه للوصول إلى الحقيقة، بعيدا عن الهوى والتعصب.
-
وأول ما أبدأ به من هذه الأمثلة ما يرجح فيه الناقد مع ذكره للقرينة المعارضة لترجيحه.
-
فمن ذلك أن الهقل بن زياد، وعمرو بن هاشم، وغيرهما، رووا عن
ج ٢ ص ٢١٠الأوزاعي، عن سليمان بن حبيب، عن أبي أمامة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ثلاثة كلهم ضامن على الله -عز وجل-: رجل خرج غازيا في سبيل الله ... » الحديث (١) .
- (١)«سنن أبي داود» حديث (٢٤٩٤)، و «عمل اليوم والليلة» حديث (١٦١)، و «الجهاد» حديث (٥١)، و «مسند الروياني» حديث (١٢٦٥)، و «المعجم الكبير» حديث (٤٧٩١).
-
سئل أبو حاتم عن هذا الحديث، وذكر له رواية الهقل بن زياد، وعمرو بن هاشم، فقال: «رواه الوليد وغيره عن الأوزاعي، عن سليمان, عن أبي أمامة موقوفا» ، ثم قال أبو حاتم: «هقل أحفظ، والحديث موقوفا أشبه» (٢) .
وروى خالد بن الحارث، عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: «أن امرأة من أهل اليمن أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبنت لها, وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب ... » الحديث (٣) .
- (٢)«علل ابن أبي حاتم» ١: ٣٠٩.
- (٣)«سنن أبي داود» حديث (١٥٦٣)، و «سنن النسائي» حديث (٢٤٧٨).
-
ورواه معتمر بن سليمان، عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب بالقصة مرسلة (٤) .
قال النسائي بعد أن أخرج الطريقين: «خالد بن الحارث أثبت عندنا من المعتمر، وحديث المعتمر أولى بالصواب» (٥) .
- (٤)«سنن النسائي» حديث (٢٤٧٩).
- (٥)«سنن النسائي الكبرى» حديث (٢٢٧١) طبعة مؤسسة الرسالة، و «تحفة الأشراف» ٦: ٣٠٩، وفي «السنن الصغرى» حديث (٢٤٧٨) جاءت العبارة ناقصة، ففيه: «خالد أثبت من المعتمر». وانظر مثالا آخر للنسائي في «السنن الكبرى» حديث (٢٥٣٨) طبعة مؤسسة الرسالة، و «تحفة الأشراف» ٩: ٤٤٠.
- ج ٢ ص ٢١١
وكأن النسائي رجح المرسل لقوة القرينة المرجحة له، وهي ترك الجادة فإن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، سلسلة مشهورة جدا، فمن تركها وأرسل الحديث فقد حفظ.
-
وروى عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، عن أبي ذر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من صام ثلاثة أيام فقد صام الشهر» ، ومنهم من يدخل بين أبي عثمان وبين أبي ذر رجلا (١) .
- (١)«سنن الترمذي» حديث (٧٦٢)، و «سنن النسائي» حديث (٢٤٠٨ - ٢٤٠٩)، و «سنن ابن ماجه» حديث (١٧٠٨)، و «مسند أحمد» ٥: ١٤٥.
-
ورواه ثابت البناني، عن أبي عثمان، عن أبي هريرة (٢) .
قال أبو حاتم: «حديث أبي ذر أشبه، لأنه يروى هذا الكلام عن أبي ذر بإسناد آخر، وثابت أحفظ من عاصم» (٣) .
- (٢)«سنن النسائي» حديث (٢٤٠٧)، و «مسند أحمد» ٢: ٢٦٣، ٣٨٤، ٥١٣.
- (٣)«علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٣٧.
-
فثابت البناني أحفظ من عاصم, فهذه قرينة, ورجح أبو حاتم قول عاصم بقرينة أخرى، وهي أن الحديث معروف عن أبي ذر من غير هذا الطريق.
-
ووافقه الدارقطني فقال: «وحديث أبي ذر أشبه بالصواب» (٤) .
- (٤)«علل الدارقطني» ٦: ٢٨٥.