كيف يحدد المدار؟
١٧ فقرة، ج ٢ ص ٢٤٦
- ج ٢ ص ٢٤٦
ويشبه هذا التأليف على الموضوعات، فالمؤلف يضع كتاب الطهارة -مثلا- في ضمن كتاب يشتمل على موضوعات متعددة، فيختصر في الأحاديث وفي الطرق، فإذا خصص هو أو غيره كتابا خاصا بالطهارة بسطه، فإذا خصص مسألة من مسائل الطهارة -كجلود الميتة، أو السواك، أو المسح على الخفين- بكتاب، زاد في بسطه واستوعب الطرق، وهكذا يقال في نقد الأحاديث.
-
وهذه منهجية علمية من أعلى ما يكون وأدقه، أعني مراعاة المؤلف للسياق الذي ترد فيه المسألة، أيا كان نوعها.
-
والملاحظ أيضا في كلام النقاد على الاختلاف أنهم في الغالب يكتفون ببيان رأيهم في الاختلاف نفسه، ولا يتكلمون على حال الإسناد من مدار الاختلاف فمن فوقه، فيقل عندهم أن يبين الناقد درجة الإسناد، وبيان ما فيه من علة إن وجدت، نعم قد يوجد هذا عندهم، لكنه قليل بالنسبة لما أغفلوا النص عليه.
-
ويبرز هنا سؤال مهم بالنسبة للباحث، وهو: كيف يحدد الناظر في الاختلاف مداره الذي يكون هو الأساس عنده، فما فوقه من اختلاف يكون اختلافا عاليا، وما دونه يكون اختلافا نازلا، وما خرج عنه فهو خارج هذا الاختلاف؟ .
-
ولا شك أن هذا السؤال هام جدا بالنسبة للناظر في الاختلاف, الخطوة الأولى في الجواب عنه هي في وروده في ذهن الناظر, ذلك أن بعض الباحثين ليس في ذهنه هذا السؤال أصلا, فأول خطواته في دراسة الاختلاف وضعها في الطريق المخطئة, فتتراكم عليه الأخطاء لاحقا.
- ج ٢ ص ٢٤٧
وجواب السؤال: أما بالنسبة للناقد في عصر النقد، فهناك عدة عوامل تدخل في تحديد المدار، فقد يتحدد المدار بسؤال سائل عن مدار معين، هو موضع إشكال عند السائل، يريد أن يعرف رأي الناقد فيه، وهذا نراه في كتب العلل، والسؤالات، مثل «علل أحمد» ، رواية عبدالله، ورواية المروذي، وغيرهما، و «سؤالات أبي داود لأحمد» ، و «مسائل أحمد» لأبي داود، و «تاريخ الدوري عن ابن معين» ، و «علل ابن أبي حاتم» ، و «علل الدارقطني» ، وغيرها.
-
وقد يكون الناقد يترجم في كتاب له لراو من الرواة، وقع عليه اختلاف في حديث معين، فيسوق الناقد هذا الاختلاف، أو يكون الراوي المترجم له قد خالف غيره في روايته لحديث عن شيخ له، فيسوق المؤلف هذا الاختلاف، وهذا نراه في تواريخ البخاري، وكتاب العقيلي، وابن عدي.
-
ويقع هذا لمؤلفي كتب الرواية، يسوق المؤلف حديثا بإسناد، ويكون قد وقع على بعض رواته اختلاف، فيتعرض له المؤلف، كالبخاري, ومسلم، وأبي داود، والنسائي، والترمذي، وغيرهم, ممن ألف على الموضوعات، أو على المسانيد، خاصة ما ألف على طريقة التعليل، مثل «مسند يعقوب بن شيبة» ، و «مسند البزار» .
-
ومن عوامل تحديد المدار عند النقاد كذلك أن يكون غرض الناقد من كتابه جمع الاختلافات الواردة على راو معين، في عموم حديثه، فيكون هو مداره، وغرضه منصب عليه، ومعرفة الراجح عنه، كما يفعل محمد بن يحيى الذهلي في كتابه «علل حديث الزهري» ، وقد قال فيه الدارقطني: «من أحب أن ينظر ويعرف
ج ٢ ص ٢٤٨قصور علمه عن علم السلف، فلينظر في «علل حديث الزهري» لمحمد بن يحيى» (١) ، ثم بعده النسائي، ثم ابن حبان، وكلاهما في حديث الزهري (٢) ، وكما يفعل ابن المديني في «علل حديث ابن عيينة» (٣) ، وابن حبان في «علل حديث مالك» (٤) .
- (١)«سؤالات السلمي للدارقطني» ص ٤٠٣، و «سير أعلام النبلاء» ١٢: ٢٨٤.
- (٢)«الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ٣٠٢، و «معجم البلدان» ١: ٤١٧، و «فهرست ابن خير» ص ١٤٥.
- (٣)«معرفة علوم الحديث» ص ٧١، و «الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ٣٠٣.
- (٤)«الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ٣٠٣، و «معجم البلدان» ١: ٤١٧.
-
أما بالنسبة للباحث فالأمر كذلك، هناك غرض له من التعرض لاختلاف على راو معين، فقد يكون قصد إلى راو معين، فأراد دراسة الاختلافات الواردة على أحاديثه، وقد يخصص ذلك بكتاب معين، مثل ما ألف من رسائل في حديث الزهري، وأبي إسحاق السبيعي، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير، والأعمش، وسفيان الثوري, الموجود منها في «علل الدارقطني» .
-
وقد لا يقصر الباحث الدراسة على أحاديث الراوي التي اختلف عليه فيها، فيكون غرضه استقصاء حديث الراوي، فيذكر أيضا ما خالف فيه غيره، وما لم يقع فيه اختلاف أصلا، لكنه مضطر في الأحاديث التي وقع فيها اختلاف إلى تحديد المدار، إما الراوي موضع البحث، أو شيخه، وهكذا.
-
وكأن يعمد إلى إمام فيجمع الأحاديث التي ذكر فيها اختلافا في كتاب له،
ج ٢ ص ٢٤٩إما بإطلاق غير مقيد بنوع من الاختلاف، كما هو في رسائل بعض الباحثين والباحثات الذين تصدوا لما ذكره البخاري في «التاريخ الكبير» ، والترمذي في «السنن» ، والبزار في «المسند» ، والعقيلي في «الضعفاء» ، وأبو نعيم في «الحلية» ، وغيرها.
-
أو بتقييد ذلك بنوع من الاختلاف، مثل ما خصص من رسائل لما ذكر فيه أبو داود اختلافا في وصله وإرساله، أو رفعه ووقفه، أو في زيادة راو وحذفه، وغير ذلك.
-
ومثل هذا اشتغال بعض الباحثين في تحقيق كتب النقاد، مثل تحقيق كتاب «علل ابن أبي حاتم» ، و «الكامل» لابن عدي، وغيرهما.
-
وقد يكون موضوع البحث ليس في أحاديث معللة، ولكن يمر بالباحث أحاديث من هذا النوع، وللباحث منهج في المصدر الذي يثبت منه نص الحديث بإسناده، فيجد المؤلف قد ساق اختلافا على راو، أو أشار إليه، أو وجد الباحث هذا الاختلاف في الطرق التي جمعها.
-
والباحث في جميع ما تقدم قد تحدد له المدار، إما لكونه موضوع بحثه، أو لأن الناقد قد قصر الاختلاف على هذا المدار، فيبقى الباحث معه، ويكون هو مداره، لا يتجاوزه إلا في حالات معينة، وفق ضوابط محددة.
-
وإذا كان الناقد قد ذكر مدارات متعددة للاختلاف، ولم يمكن إدراج الاختلافات تحت اختلاف واحد, فالباحث كذلك يتابعه, فيقسم الاختلاف