تحديد مدار واحد هو الأساس
٢٧ فقرة، ج ٢ ص ٢٥٠
- ج ٢ ص ٢٥٠
بحسب هذه المدارات.
-
واتضح مما تقدم أن تعيين مدار واحد في الحديث المعين يكون هو الأساس لكل من ينظر في الاختلاف الواقع فيه أمر غير ممكن، فتحديد المدار الأساس إذن أمر نسبي، فباحث يكون مداره في طبقة, وآخر يكون في طبقة نازلة عنه, وثالث في طبقة أعلى منهما، ورابع يكون عنده مدارات متعددة، وكل ذلك بحسب الباعث على دراسة هذا الحديث، وقد يحدد ذلك صفة ورود الحديث في كتب الرواية، وكتب النقد.
-
والمهم هنا التأكيد على ضرورة تحديد المدار الذي ينصب عليه جهد الباحث، ويكون هو عقدة بحثه في الحديث المعين، ومتى لم يلتزم بذلك فقد انفرط عقد بحثه منذ الوهلة الأولى، وكذلك إذا لم يحسن تفريق المدارات عند الحاجة، فتتداخل عليه وعلى قارئه الاختلافات.
-
وسأضرب بعض الأمثلة لذلك.
-
ساق أحد الأئمة بإسناده عن عبدالرزاق، قال: حدثنا النعمان بن
أبي شيبة الجندي، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن حذيفة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن تستخلفوا عليا -وما أراكم فاعلين- تجدوه هاديا مهديا، يحملكم على المحجة البيضاء» .
ثم قال الإمام: «ورواه إبراهيم بن هراسة، عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن علي رضي الله عنه» .
- ج ٢ ص ٢٥١
وظاهر أن غرض الإمام هو بيان الاختلاف على الثوري، فهو المدار الأساس إذن، وقد قام أحد الباحثين بدراسة هذا النص بعد أن نقله في كتابه، فأبعد النجعة جدا، وترك مدار الإمام، وبدأ باختلاف على مدار ليس في إسناد الإمام أصلا، وأطال في كلامه على الحديث، وتداخلت عليه المدارات، ولا يقف قارئه على معالجة المدار الأساس الذي قصده الإمام إلا بمشقة بالغة، فقال ما نصه:
«هذا الحديث مداره على شريك القاضي، وأبي إسحاق السبيعي، واختلف على شريك القاضي على أوجه:
الوجه الأول: ما روي عن شريك، عن أبي اليقظان، عن أبي وائل، عن حذيفة مرفوعا.
-
الوجه الثاني: ما روي عن شريك، عن أبي اليقظان، عن زاذان، عن حذيفة مرفوعا.
-
الوجه الثالث: ما روي عن شريك، عن أبي اليقظان، وأبي إسحاق، عن أبي وائل، عن حذيفة مرفوعا.
-
الوجه الرابع: ما روي عن شريك، عن عمار الدهني، عن سالم بن أبي الجعد، عن حذيفة مرفوعا.
-
الوجه الخامس: ما روي عن شريك، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع مرسلا، ومرة عن أبي اليقظان، عن حذيفة.
- واختلف على أبي إسحاق السبيعي على أوجه:
- ج ٢ ص ٢٥٢
الوجه الأول: ما روي عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن حذيفة مرفوعا.
-
الوجه الثاني: ما روي عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن علي بن أبي طالب مرفوعا.
-
الوجه الثالث: ما روي عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع مرسلا.
-
الوجه الرابع: ما روي عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن سلمان الفارسي مرفوعا.
وسأبدأ بالاختلاف على شريك ... ».
-
وساق هذا الإمام حديثا من طريق أبي إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي، ومحمد بن يزيد الأسفاطي، عن إبراهيم بن يحيى بن هانئ، عن أبيه، عن موسى بن عقبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن سعد قال: قال لي النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم سدد رميته، وأجب دعوته» .
ثم قال الإمام: «سقط من رواية الترمذي موسى بن عقبة» .
-
فالمدار الذي عقد الإمام الاختلاف عليه هو إبراهيم بن يحيى بن هانئ، فأبو إسماعيل الترمذي يسقط موسى بن عقبة من الإسناد، ومحمد بن يزيد يذكره، بل في تعبير الإمام بقوله: «سقط من رواية ... » ما يشير إلى أنه ليس اختلافا في الرواية، وإنما هو سقط في الإسناد، ويدل على ذلك أنه جاء عن أبي إسماعيل الترمذي بذكر موسى بن عقبة.
- ج ٢ ص ٢٥٣
وليس هذا هو المهم، فلو اعتبرناه اختلافا فالمدار -كما تقدم- هو إبراهيم بن يحيى بن هانئ, والاختلاف في ذكر موسى بن عقبة، وحذفه، غير أن الباحث وهو يقوم بدراسة هذا النص عقد اختلافا جديدا لم يقصده الإمام، وفي الاختلاف الجديد ابتدأ بغير ما عند المؤلف، قال: «هذا الحديث مداره على قيس بن أبي حازم، واختلف عليه على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: قيس بن أبي حازم، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا.
-
الوجه الثاني: قيس بن أبي حازم، عن سعد بن أبي وقاص مرفوعا.
الوجه الثالث: قيس بن أبي حازم، عن أبي بكر مرفوعا ... ».
وسئل إمام آخر عن حديث رواه أحمد بن عبدة، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا نزل عليه القرآن تعجل بقراءته ليحفظه ... » الحديث.
فقال: «منهم من لا يقول في هذا الحديث: ابن عباس، ويرسله، والمرسل أصح، حدثنا ابن أبي عمر، عن ابن عيينة، عن عمرو، عن سعيد بن جبير، مرسل، إلا ما يرويه موسى بن أبي عائشة، فإنه يقول: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -» .
-
فالإمام تكلم على الاختلاف على سفيان بن عيينة وصلا وإرسالا، في روايته للحديث عن عمرو بن دينار، ورجح المرسل، ثم استدرك بأن الحديث يرويه موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جبير موصولا، فهناك اختلاف أدنى
ج ٢ ص ٢٥٤على سفيان في طريق عمرو بن دينار، رجح فيه الإمام الإرسال، وهناك اختلاف أعلى على سعيد بن جبير، بين عمرو بن دينار، وموسى بن أبي عائشة، ويظهر من استدارك الإمام أنه يرى الوصل محفوظا عن سعيد بن جبير.
-
والباحث له أن يعقد الاختلاف على سفيان بن عيينة، ثم بعد الفراغ من دراسة الاختلاف عليه، وترجيح الإرسال، يرتقي إلى الاختلاف الأعلى بين عمرو بن دينار، وموسى بن أبي عائشة, وله أن يعقد الاختلاف على سعيد بن جبير, بين عمرو بن دينار , وموسى بن أبي عائشة, والاختلاف على سفيان بن عيينة في طريق عمرو بن دينار يعالجه على أنه اختلاف نازل عن المدار الأساس, ثم يرتقي إلى الاختلاف على المدار الأساس، وهو سعيد بن جبير, والمؤدى في الطريقتين واحد.
-
فجاء أحد الباحثين لمعالجة هذا النص، وهو يحقق الكتاب، فسلك طريقة أخرى أبعدته عن سياق كلام الإمام، ومقصوده، قال الباحث: «روى هذا الحديث سفيان بن عيينة من طريقين، واختلف عنه في كلا الطريقين، الطريق الأول: روايته عن عمرو بن دينار، وقد اختلف عنه في هذا الطريق على وجهين» .
-
ثم ذكر الوجهين عن سفيان بن عيينة، بوصل الحديث وإرساله، ثم قال: «الطريق الثاني: روايته -يعني ابن عيينة- عن موسى بن أبي عائشة، وقد اختلف عنه على وجهين» .
-
ثم ذكر الوجهين عن سفيان بوصل الحديث وإرساله.
- ج ٢ ص ٢٥٥
والباحث أخطأ حين ذكر اختلافا على سفيان بن عيينة في طريق موسى بن أبي عائشة، فقد رأى الباحث في «تفسير الطبري» عن محمد بن بشار، عن عبدالرحمن، عن سفيان، عن موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جبير مرسلا (١) ، فظن سفيان هذا ابن عيينة، وإنما هو الثوري، وقد خلط بينهما غير مرة في تخريجه لهذا الحديث.
- (١)«تفسير الطبري» ٢٩: ١٨٧.
-
فسفيان بن عيينة إذن ليس عليه اختلاف في روايته عن موسى بن أبي عائشة، لكن ليس هذا هو المهم هنا، فالمهم أنه لو كان سفيان هذا هو ابن عيينة وكان عليه اختلاف في طريق موسى بن أبي عائشة لم يكن للباحث أن يعقد عليه اختلافا في هذا الطريق، لأن الإمام لم يذكره، وإنما أشار إلى الاختلاف بين عمرو بن دينار، وموسى بن أبي عائشة، وهذا لم يعرج عليه الباحث أصلا، فبقي في الاختلاف على سفيان من الطريقين في دراسة الاختلاف، ولم يحكمه أيضا، فإنه بعد أن توصل إلى أن الراجح عن سفيان في طريق عمرو هو الإرسال، والراجح في طريق موسى الوصل، عاد فنقض هذه النتيجة، فحمل سفيان عهدة التردد في الطريقين، قال:
«وأخيرا يقال: لعل سفيان بن عيينة مرة ينشط فيرويه بالوصل، ومرة يعجز فيرسله ... » .
-
وقد قدمت آنفا أن سفيان بن عيينة لا اختلاف عليه أصلا في طريق موسى