جعل رواية عن المدار وجها من وجوه الاختلافات ليس بالمتيسر دائما، فقد يواجه الباحث روايات يتردد فيها هل هي من هذا الحديث، أو حديث آخر
٧ فقرات، ج ٢ ص ٢٦٣
- ج ٢ ص ٢٦٣
الثلاثة وصل فيه إلى نتيجة مستقلة، مع أن طريق مرسل عروة الذي ذكره مع حديث أم سلمة، هو نفس طريق مرسل عروة الذي ذكره مع حديث عائشة، وكذلك رواية عبدالرحمن بن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد، قد ذكرها الدارقطني في نقده لحديث أم سلمة، فأمام الباحث دلائل كون الحديث بأوجهه الأربعة, وهي جعله عن أم سلمة أو عائشة، أو من مرسل عروة، أو من مرسل الزهري - حديثا واحدا، ينظر فيه بين الأوجه مجتمعة، لكن الباحث لم يستفد من هذا، فوقع في التناقض.
-
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن جعل رواية عن المدار وجها من وجوه الاختلافات ليس بالمتيسر دائما، فقد يواجه الباحث روايات يتردد فيها هل هي من هذا الحديث, أو هي حديث آخر؟ كما يقع مثل هذا سواء بسواء في أصل الاختلاف هل هو موجود أو لا؟ وهي قضية سبق الحديث عنها في الفصل الأول من هذا الباب.
-
فإذا فرغ الباحث من النظر في الاختلاف على المدار, فقد يكون غرضه انتهى هنا, فغرضه الوصول إلى نتيجة في الاختلاف نفسه, كما يفعل الأئمة النقاد، ويكتفون غالبا بالنظر في الاختلاف, يصدر الناقد حكمه عليه, ويسكت عن الإسناد من المدار فمن فوقه, لا يبين حاله.
-
وقد يكون غرض الباحث أن ينظر في الإسناد بعد فراغه من الترجيح في الاختلاف عن المدار , فالباحث حينئذ بصدد مرحلة جديدة، ينتقل فيها من نظره في الاختلاف على المدار، إلى نظره في الإسناد ابتداء من المدار، فمن فوقه، ينظر في
ج ٢ ص ٢٦٤الإسناد نفسه، وينظر في طرق الحديث الأخرى، كما فعل سواء بسواء في دراسته قبل المدار، فكأن الباحث بقصده الحكم على الإسناد كله عاد إلى نقطة البداية.
-
وقد ذكرت قبل قليل في الحديث عن المدار الذي يعتمده الباحث في التخريج والدراسة، ويعقد عليه الاختلاف، أنه يواجه اختلافات نازلة عن المدار، إما على الرواة عن المدار، أو على من دونهم، وهذه الاختلافات وتناوله لها بالنظر والدراسة لن أتحدث عنها هنا، فمن المفترض أن يكون وهو يعالج الاختلاف الأساس عنده قد عالج هذه الاختلافات النازلة، وفرغ منها، إذ معالجتها والفراغ منها مرحلة مهمة في الوصول إلى نتيجة صحيحة في الاختلاف الأساس عنده، وقد مضى شرح هذا كله في المبحث الثالث من الفصل الثاني من هذا الباب، في الكلام على القرائن في صفة الرواية، ومنها قرينة (الثبات والاضطراب) عند رواة الأوجه، فقد يستفيد الباحث من الاختلافات النازلة في الترجيح بكون أحد المختلفين على مداره الأساس قد جاء عنه اختلاف، فاضطرب، في مقابل ثبات الآخر.
-
وكذلك تقدم الحديث عن الاختلافات النازلة في المبحث الثاني من الفصل الثالث من هذا الباب، في الكلام على تصفية رواة الأوجه عن المدار، فقد يعزل الباحث بعض الرواة لوجه ما، وذلك حين ينظر في اختلاف عليه نازل عن الاختلاف الأساس، فيبين أن روايته لذلك الوجه لا تصح، وأنها غلط عليه من بعض الرواة.
-
وشرحت في المكانين ضرورة الاعتناء بالاختلافات النازلة، وبينت أثرها