عند دراسة الحديث المختلف فيه، هل يكتفى بالأوجه التي ذكرها الناقد؟

٢٨ فقرة، ج ٢ ص ٢٥٦

  1. بن أبي عائشة، وأن هذا من خطأ الباحث، ومع هذا فلم يحكمه، واشتغل به عن مقصود الإمام.

    ج ٢ ص ٢٥٦
  2. وأول ما يبتدئ به الناظر في الاختلاف، بعد تحديد المدار وإتقان ذلك, أنه إذا كان الذي حدد له المدار أحد النقاد، على ما سبق شرحه آنفا، فهل الباحث يكتفي بالأوجه التي ذكرها الناقد فقط، ولا يزيد عليه، أو التزم أن ينظر في الأوجه كلها عن ذلك المدار؟

  3. وهي قضية ليست سهلة، فالناقد ربما اكتفى بذكر وجهين أو ثلاثة، إما لاعتبار معين، كأن تكون الأشهر عن الراوي، أو لأن هذين الوجهين أو الثلاثة هي موضع السؤال الموجه للناقد، أو بملاحظة أمر دقيق في الاختلاف، أو لأنه قصد الموازنة بين روايين مختلفين على شيخ لهم، للاستدلال على حفظ هذا، أو ذاك، ونحو هذا، وإما لأن الناقد ذكر ما وقف عليه من الاختلاف، والباحث وقف على أوجه أخرى, وربما كان ما لم يذكره الناقد أشهر مما ذكره.

  4. فعلى الباحث أن يضبط منهجه، وأن يدرك حجم ما التزم به، ويختار المنهج الأنسب لبحثه.

  5. فإذا كان منهج الباحث الذي اختاره -لكونه الأنسب لبحثه- أن يقف مع ما ذكره الناقد فذاك، فيوازن بين الأوجه التي ذكرها الناقد، وينص على ذلك في النتيجة، فيقول مثلا: والأرجح من هذين الوجهين اللذين ذكرهما أبو حاتم

    -مثلا- هو كذا أو كذا، أو كلاهما محفوظ، ونحو ذلك.

  6. أما إذا اختار الباحث أن يحرر الاختلاف كله عن ذلك الراوي فهو ملزم أولا بتقصي ذلك، واستيفاء البحث عن الأوجه، ثم بالنظر فيها كلها، ما ذكره الناقد وما لم يذكره.

    ج ٢ ص ٢٥٧
  7. وللباحث أن يقدم النظر في الأوجه التي ذكرها الناقد، ثم بعد تلخيص النتيجة يعود فيقول مثلا: ولكن للحديث أوجه أخرى عن فلان، ولم يذكرها الناقد، ثم يخرجها، وينظر فيها، ويقارن بينها وبين ما ذكره الناقد.

  8. والذي يسير عليه أكثر الباحثين إذا التزموا استيفاء الاختلاف هو دمج التخريج، ثم النظر في الأوجه كلها، ما ذكره الناقد وما لم يذكره.

    مثال ذلك أن أبا داود ساق من طرق عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا شك أحدكم في صلاته، فليلق الشك، وليبن على اليقين ... » الحديث.

  9. ثم ساقه من طرق أخرى عن زيد بن أسلم، عن عطاء مرسلا (١) .

    1. (١)«سنن أبي داود» حديث (١٠٢٤)، (١٠٢٦ - ١٠٢٧).
  10. قام أحد الباحثين بتخريج هذين الوجهين، ثم قال: «وللحديث وجه آخر لم يذكره أبو داود، وهو الوجه الثالث: الموصول بذكر ابن عباس» ، ثم خرج هذا الوجه، ووازن بين الأوجه الثلاثة جميعا (٢) .

    ج ٢ ص ٢٥٨وساق أبو داود أيضا من طريق حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن الشريد بن سويد: «أن أمه أوصته أن يعتق عنها رقبة مؤمنة ... » الحديث.

    ثم قال أبو داود: «خالد بن عبدالله أرسله، لم يذكر الشريد» (١) .

    1. (٢)«الأحاديث التي أشار أبو داود في سننه إلى تعارض الوصل والإرسال فيها، تخريج ودراسة» لتركي الغميز حديث (١٢).
    2. (١)«سنن أبي داود» حديث (٣٢٨٣).
  11. فقام الباحث أيضا بتخريج هذين الوجهين عن محمد بن عمرو، ثم قال: «وللحديث وجهان آخران لم يذكرهما أبو داود» ، فذكر عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وعن محمد بن عمرو، عن عمرو بن أوس، عن رجل من الأنصار، ثم خرجهما، ووازن بين الأوجه الأربعة كلها (٢) .

    1. (٢)«الأحاديث التي أشار أبو داود إلى تعارض الوصل والإرسال فيها، تخريج ودراسة» حديث (٤٥).
  12. وساق البزار بإسناده عن قيس بن الربيع، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن ابن أبي الهياج، عن أبيه، قال: قال لي علي: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أن لا أمر بقبر إلا سويته، وبمسح التماثيل» .

    ثم قال البزار: «وهذا الحديث قد رواه غير قيس، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن أبي الهياج، عن أبيه، عن علي رضي الله عنه، ولا نعلم أحدا قال: عن أبي وائل، عن ابن أبي الهياج، عن أبيه، إلا قيس» (٣) .

    1. (٣)«مسند البزار» حديث (٩١١).
  13. فهذان وجهان من الاختلاف على حبيب بن أبي ثابت في هذا الحديث

    ج ٢ ص ٢٥٩ذكرهما البزار, خرجتهما إحدى الباحثات، ثم ذكرت أن للحديث أوجها أخرى لم يذكرها البزار، وهي: حبيب، عن أبي وائل، عن أبي الهياج، عن علي، وحبيب، عن أبي وائل، بقصة علي مع أبي الهياج، وحبيب، عن أبي الهياج، عن علي، وحبيب، عن علي.

  14. فهذه أربعة أوجه لم يذكرها البزار، فصارت الأوجه عند الباحثة ستة أوجه، خرجتها، ووازنت بينها جميعا.

  15. والوجهان الأولان من الأربعة التي لم يذكرها البزار هما أشهر الأوجه الستة وأقواها, والأول منهما في «صحيح مسلم» (١) .

    وساق البزار أيضا من طريق الليث بن سعد، عن الزهري، عن عروة، أن عبدالله بن الزبير حدثه: «أن رجلا خاصم الزبير بن العوام في شراج الحرة ... » الحديث.

    ثم قال البزار: «وهذا الحديث قد رواه يونس بن يزيد، عن الزهري، عن عروة، عن عبدالله بن الزبير، عن أبيه، قال: «خاصمت رجلا من الأنصار في شراج الحرة ... » ثم ذكره نحوه، ولا نعلم يروى هذا الكلام إلا عن الزبير، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -» (٢) .

    1. (١)«الأحاديث التي ذكر البزار علتها في مسنده» لسارة الشهري , حديث (٧٣).
    2. (٢)«مسند البزار» حديث (٩٦٩).
  16. فهذان وجهان من الاختلاف على الزهري ذكرهما البزار، خرجتهما

    ج ٢ ص ٢٦٠الباحثة، وزادت عليهما ذكر وجهين آخرين، أحدهما: الزهري، عن عروة، عن أبيه الزبير، والثاني: الزهري, عن عروة بن الزبير مرسلا.

  17. والأول من الوجهين اللذين ذكرهما البزار في «الصحيحين» ، لكن الوجهين اللذين تركهما قويان أيضا، وهما في «صحيح البخاري» ، وخلصت الباحثة إلى أنهما أقوى الأوجه عن الزهري (١) .

    1. (١)«الأحاديث التي ذكر البزار علتها في مسنده» حديث (٧٦).
  18. وكذلك لو كان الباحث يتصدى هو للنظر في الاختلاف على راو, غير منطلق من كلام أحد النقاد, فيحدد منهجه هل يستوفي الأوجه كلها, أو يكتفي بأشهرها وأقواها؟ فبعض الأوجه يمكن الاستغناء عنها, كأن تكون شاذة جدا, من رواية المتروكين.

  19. والخلاصة أن الباحث إن أراد الوصول إلى نتيجة نهائية في الاختلاف عن المدار فلا بد من استيفاء الأوجه عنه وإن كثرت، وأي تقصير في ذلك يعود بالخلل على دراسة الاختلاف كله.

  20. وفي الوقت الراهن فإن سبيل الوصول إلى الحديث وأوجه الاختلاف على راويه قد تيسرت كثيرا، ولكن يبقى فهم الباحث وتأمله في حصر الأوجه واستقصائها بعد الوقوف عليها، وقد رأيت نقصا ظاهرا لدى كثير من الباحثين في هذا الجانب، ترى الواحد منهم يقف على طرق، يذكرها في المتابعات والشواهد، وهي في الحقيقة أوجه اختلاف على مداره.

  21. وسأضرب لذلك مثالين، فقد سئل أحد النقاد عما رواه حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن أسيد بن حضير، قال: «بينما أنا في مشربة أقرأ سورة البقرة، إذ سمعت وجبة ... » الحديث, ورواه سليمان بن المغيرة, عن ثابت, عن أسيد بن حضير, ولم يذكر أنسا, فقال الناقد: «سليمان أحفظ من حماد لحديث ثابت» .

    ج ٢ ص ٢٦١
  22. تصدى أحد الباحثين لتخريج هذا النص, وذكر أنه لم يقف على الحديث من الطريقين لا من طريق حماد، ولا من طريق سليمان، ولا إشكال في ذلك، لكنه ذكر أن للحديث طرقا أخرى عن أسيد بن حضير، وذكر منها طريق عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن أسيد، ويرويه عن عبدالرحمن اثنان: قتادة، وثابت البناني، وعن ثابت يرويه حماد بن سلمة، وعن حماد جماعة من أصحابه الكبار.

  23. فطريق عبدالرحمن بن أبي ليلى، من رواية ثابت عنه، هو جزء من الاختلاف على ثابت الذي ورد بعضه في السؤال وجوابه، وأصله اختلاف على حماد بن سلمة، فعن حماد وجهان، الوجه المذكور في السؤال، والوجه الذي يرويه عن ثابت، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن أسيد، والأخير هذا أهم وجه في الاختلاف، ولم يتعرض له الباحث، مع أن في جواب الناقد إشكالا عالجه الباحث، وهو تقديم سليمان بن المغيرة على حماد بن سلمة, في ثابت، والمشهور عند النقاد

    -ومنهم الناقد صاحب الجواب- تقديم حماد على جميع أصحاب ثابت، فعدم ورود الوجه المشهور عن حماد لا في السؤال ولا في الجواب يجعل النص أكثر إشكالا، ويلزم عليه مزيد اعتناء بهذا الوجه، وإحضاره في دراسة الاختلاف.

  24. وذكر باحث آخر في رسالة له ما رواه محمد بن الوليد الزبيدي، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن زينب ابنة أبي سلمة، عن أم سلمة: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة، فقال: استرقوا لها، فإن بها النظرة» .

    ثم ذكر الباحث في تخريجه للحديث أنه اختلف فيه على الزهري على وجهين، هذا أحدهما، والثاني: عن الزهري، عن عروة مرسلا: «أن جارية ... » ، ووازن الباحث بين الوجهين، ورجح الوجه الموصول.

    ج ٢ ص ٢٦٢
  25. وبعد هذا الحديث مباشرة ذكر حديثا آخر، قال: «روى الإمام معمر في «جامعه» ، عن الزهري، قال: «رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - جارية بها نظرة، فقال: استرقوا» .

  26. وذكر في تخريجه أن يونس بن يزيد رواه عن الزهري كرواية معمر، وأن عبدالرحمن بن إسحاق رواه عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، ثم رجح الباحث وجه الزهري مرسلا.

    ثم بعد هذا بحديث، ذكر ما رواه الليث، عن عقيل، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، رأى في بيت أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -، جارية بوجهها سفعة ... » الحديث.

  27. وذكر في تخريجه أن ابن لهيعة رواه عن عقيل، عن الزهري، عن عروة مرسلا، فوازن بين الروايتين، وكأنه مال إلى ترجيح رواية الليث الموصولة، فإنه أحفظ من ابن لهيعة.

  28. هكذا صنع الباحث في هذا الحديث، جعله ثلاثة أحاديث، وكل واحد من