رفع المدار، مفهومه وضوابطه وتوضيحه بالأمثلة
٢٩ فقرة، ج ٢ ص ٢٧٠
- ج ٢ ص ٢٧٠
وأول ما يضبطه الباحث هنا ويتقنه ما اصطلح الباحثون على تسميته بـ (رفع المدار) ، ومعناه أنني إذا كنت بصدد النظر في اختلاف على راو معين، حدده لي إمام أنظر في كلامه، ثم وجدت أن الاختلاف ليس عليه فقط، وإنما هو على شيخه، أو على شيخ شيخه، وهكذا من فوقه، فمما يسهل علي معالجة الاختلافات هذه كلها أن أعمل النظر في فائدة إمكانية ترك الاختلاف على مدار الناقد, وعقد الاختلاف على راو أعلى منه, فيكون الاختلاف على مدار الناقد اختلافا نازلا بالنسبة لي، أعالجه في أثناء معالجة الاختلاف على المدار الأعلى.
-
ورفع المدار يستفاد منه حين يمكن تطبيقه الاختصار، والبعد عن التشتيت ما أمكن، إذ لو لم يرفع الباحث المدار للزمه بعد أن يفرغ من النظر في الاختلاف على المدار الأول، ويصل إلى نتيجة، أن يستدرك فيقول: ولكن قد وقع اختلاف على فلان، أو فلان (أحد الرواة فوق المدار) ، ثم يبدأ بعرض اختلاف جديد، وأوجه جديدة.
-
وقيدت رفع المدار في كلامي السابق بشيئين، أن يكون هناك فائدة من رفع المدار، وأعني بذلك أن يقف الباحث على أوجه أخرى عن المدار الأعلى ولكنها لا تمر بالمدار الأدنى، فهي من طريق رواة آخرين.
-
مثال ذلك ما إذا كانت الأوجه التي وقف عليها الباحث عن المدار الأعلى هي نفسها التي كانت على المدار الأدنى، فله أيضا أن يرفع المدار، ولكن لا فائدة منه، فالأحسن بقاؤه مع مدار الناقد، ويجعل الاختلاف عن المدار الأعلى بمثابة متابعات للأوجه عن المدار الأدنى.
- ج ٢ ص ٢٧١
ويزول الاختيار بالنسبة للباحث إذا كان الناقد هو الذي رفع المدار، فذكر أولا اختلافا على راو معين، كالرفع والوقف، ثم ذكر هذا الاختلاف بعينه أو زاد عليه على راو أعلى منه، فهو ملزم حينئذ بمتابعة الناقد، واعتماد المدار الأعلى، ولا يقول في حال كون الناقد لم يزد شيئا على ما ذكره من الاختلاف على المدار الأدنى: لا فائدة من رفع المدار, فعدم وجود الفائدة لا يلتفت إليه في مقابل متابعة الناقد في تصويره للاختلاف.
-
وأما القيد الثاني -وهو أن يمكن رفع المدار- فالمقصود به الاحتراز عن حالات لا يمكن معها رفع المدار، فالباحث الذي اختار موضوع بحثه الأحاديث التي اختلف فيها على راو معين، كالزهري، أو قتادة، أو الأعمش، أو سعيد بن أبي عروبة، المدار عنده في الأحاديث كلها على هذا الراوي، لا يستطيع أن يرفع مداره فوقه، وإن وجد اختلافا على شيخه أو من فوقه.
-
وكذلك إذا كان الباحث لم يتقيد براو معين كغالب البحوث، ولكن رفع المدار يؤدي إلى إلغاء بعض الأوجه عن المدار الأدنى، لكونها لا تمر على المدار الأعلى، فبينهما اشتراك في بعض الأوجه، ففي هذه الحالة يبقى الباحث في هذه المرحلة على مداره لا يتجاوزه.
-
فإذا قام برفع مدار الاختلاف وهو لا يمكنه ذلك اضطرب في عرضه للاختلاف وفي دراسته.
-
فمن ذلك أن إماما سئل عن حديث رواه مروان الفزاري، عن سَعَّاد الكوفي، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: «اختلفنا
ج ٢ ص ٢٧٢في الشجرة التي اجتثت من الأرض، قال بعضنا: هي الكمأ، فخرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» الحديث ... , فقال الإمام: «إنما هو: جعفر بن إياس، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -» .
-
فمدار الاختلاف في السؤال والجواب جعفر بن إياس، يروى الحديث عنه على وجهين، أحدهما الذي في السؤال، والآخر الذي في الجواب، فجاء أحد الباحثين وهو يحقق هذا النص ويخرجه، فترك مدار الإمام، وارتقى إلى شهر بن حوشب، وعقد عليه الاختلاف، فأدى عمله هذا إلى إخراج الوجه الأول، إذ هو لا يمر بشهر بن حوشب.
-
وليته حين رفع المدار إلى شهر بن حوشب أتقن عرض الأوجه عنه، بذكر صفة كل وجه جاء عن شهر، ومن رواه عنه، ولكنه عوضا عن ذلك أخطأ أيضا في استخدام مصطلح (الوجه) الذي هو في باب الاختلاف يقصد به صفة في الرواية جاءت عن المدار، فاستخدمه بمعنى الطريق، فذكر الطرق عن شهر بن حوشب، وسماها أوجها، ثم في كل طريق ذكر الاختلافات على راوي ذلك الطريق، عن شهر بن حوشب، والاختلافات على من دونه أيضا، وبعض أجه الاختلافات هذه لا تمر بشهر أصلا، وهذا اضطراب ليس وراءه اضطراب، وصار مراد الإمام نقطة في بحر في خضم هذه الاختلافات، وطريقة عرضها، وقد استغرق عنده بضع عشرة صفحة، في حين أنه كان يمكنه أن يتناول الاختلاف الذي قصده الإمام بالتخريج والدراسة في صفحتين أو أقل من ذلك.
-
والملاحظ أن الباحث لم يبخل على الحديث بجهد ولا وقت، غير أنه أخطأ
ج ٢ ص ٢٧٣في الخطوتين الأوليين، وهما تحديد المدار، وإمكانية رفعه من عدمها، وهما أهم خطوتين في تناول أي اختلاف، إذا لم يتقنهما الباحث تراكمت الأخطاء في عمله، وشق على نفسه، وعلى قارئه.
-
والخلاصة أن رفع المدار إنما يكون حيث لا يؤدي رفعه إلى ترك بعض الأوجه عن المدار الأساس، ولهذا فإنه في حال كون الناقد صاحب النص هو الذي ذكر مدارين، أدنى وأعلى، واعتماد المدار الأعلى يؤدي إلى ترك بعض الأوجه عن المدار الأدنى، فالباحث ملزم بأن يقسم الاختلاف على المدارين, فيذكر الأوجه عن المدار الأدنى, ويخرجها كلها، ثم ينتقل إلى الأعلى كذلك، والقاعدة مطردة في ذلك، فمهما ذكر الناقد من المدارات، واعتماد بعضها يؤدي إلى ترك بعض الأوجه عن غيره، فلا بد من توزيع التخريج على المدارات كلها.
-
مثال ذلك قول الترمذي: «حدثنا هناد، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عبدالله بن عبدالله، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب، قال: «سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الوضوء من لحوم الإبل، فقال: توضؤوا منها، وسئل عن لحوم الغنم، فقال: لا توضؤوا منها ... » الحديث.
-
وروى الحجاج بن أرطاة، عن عبدالله بن عبدالله الرازي هذا الحديث، فقال: عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن أسيد بن حضير، وحديث الأعمش، عن عبدالله بن عبدالله، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن البراء، أصح.
-
وقال حماد بن سلمة، عن حجاج، عن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه، عن أسيد بن حضير، فخالف حماد بن سلمة أصحاب الحجاج، وأخطأ فيه.
- ج ٢ ص ٢٧٤
وروى عبيدة الضبي هذا الحديث عن عبدالله بن عبدالله، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن ذي الغرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وذو الغرة لا يدرى من هو؟ وحديث الأعمش أصح» (١) .
- (١)«العلل الكبير» ١: ١٥١.
-
فذكر الترمذي اختلافا على عبدالله بن عبدالله الرازي في تسمية صحابي الحديث، بين الأعمش، وحجاج بن أرطاة، وعبيدة الضبي، وذكر أيضا اختلافا على الحجاج بن أرطاة في تسمية شيخه، فقيل عنه عن عبدالله بن عبدالله، وقيل عنه عن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي ليلى.
-
فإذا جعلنا المدار عبدالله بن عبدالله لم ينتظم هذا أحد الوجهين عن الحجاج، فأحد الوجهين فيه تسمية شيخه عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي ليلى، ولو جعلنا المدار الحجاج بن أرطاة لم ينتظم هذا الاختلاف الأكبر على عبدالله بن عبدالله في تسمية الصحابي، والمخرج من هذا كله أن نجعل للاختلاف مدارين، فنقول: هذا الحديث يرويه الحجاج بن أرطاة، وعبدالله بن عبدالله، وقد اختلف على كل منها، أما الحجاج فاختلف عنه على وجهين، ثم يذكران ويخرجان، ثم عبدالله بن عبدالله كذلك، ويكون أحد الأوجه على عبدالله قد تقدم في الاختلاف على الحجاج فيذكر ولا يعاد تخريجه (٢) .
- (٢)وانظر مثالا آخر في «الضعفاء الكبير» ١: ١١٠.
-
وتمر بالباحث حالات يكون الاختيار له فيها في رفع المدار، أو اعتماد مدارين، حسب منهجه الذي التزمه في بحثه في مثل هذه الحالات، منها أن يذكر
ج ٢ ص ٢٧٥الناقد اختلافا على مدار، ثم يذكر اختلافا آخر مغايرا له على مدار أعلى منه، ولكن يمكن إدراج أحد الاختلافين في الآخر، ويعقد الاختلاف على المدار الأعلى، كما يمكن فصلهما.
-
مثال ذلك قول البزار: «حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو معاوية، عن إسماعيل، عن قيس، عن سعد: «أنه صلى، فنهض في الركعتين، فسبح الناس به، فمضى في صلاته ولم يجلس، ثم قال حين انصرف: أتروني كنت أجلس؟ إنما صنعت كما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صنع» ، وهذا الحديث قد رواه غير واحد عن إسماعيل، عن قيس، عن سعد موقوفا، ورواه المغيرة بن شبيل، عن قيس، عن المغيرة بن شعبة» (١) .
- (١)«مسند البزار» حديث (١٢١٧).
-
فقد ذكر البزار أولا الاختلاف على إسماعيل بن أبي خالد في رفع الحديث ووقفه، ثم ذكر الاختلاف على قيس بن أبي حازم في جعله عن سعد بن أبي وقاص، أو المغيرة بن شعبة.
-
فالباحث يمكنه في هذا النص أن يرفع المدار إلى قيس، ويجعل الاختلاف عليه على ثلاثة أوجه، قيس، عن سعد مرفوعا، وقيس، عن سعد موقوفا، وقيس، عن المغيرة بن شعبة مرفوعا.
-
ويمكنه أيضا -في حال رفعه للمدار- أن يجعل الاختلاف على وجهين: قيس، عن سعد بن أبي وقاص، وقيس، عن المغيرة بن شعبة، وفي الوجه الأول
ج ٢ ص ٢٧٦منهما يتعرض للاختلاف الواقع فيه على إسماعيل بن أبي خالد رفعا ووقفا، ويعالجه، وذلك في حال احتياجه إلى ذلك للترجيح، أو يؤخر النظر فيه بعد الفراغ من دراسة الاختلاف الأعلى، وذلك في حال كون الحديث عن سعد هو الراجح.
-
وللباحث أن يعتمد مدارين، فيعقد أولا اختلافا على إسماعيل بن أبي خالد، في رفع الحديث ووقفه، ثم يعقد اختلافا على قيس في إبدال الصحابي، ويوزع التخريج عليهما، ويعالجهما واحدا بعد الآخر.
-
وغير خاف أن الأمور التي تحدثت عنها هنا في هذا الباب -مثل تحديد المدار، واستيفاء الأوجه عنه، ورفع المدار والقضايا المتعلقة به- لا تؤخذ بالدراسة النظرية فقط، فعمدتها التطبيق العملي، والممارسة الطويلة، ويواجه الباحث من القضايا في حديث غير ما واجهه في الحديث الذي قبله.
-
وأيضا فدراستها النظرية مستوفاة لا يتسع لها المقام هنا، فهناك أمور أخرى كثيرة، تتعلق بتنظيم وترتيب وتخريج الاختلاف، وكذلك دراسته، أسأل الله تعالى أن ييسر لي كتابة دراسة مستقلة لاحقة، أشرح فيها تنوع النص الذي أمام الباحث، والخيارات التي يمكن للباحث أن يسلكها في تخريج كل نوع، ودراسته، موضحا طرق الباحثين في التخريج والدراسة، وما هو الأنسب منها لكل نوع؟ وكذلك قضايا المدار، ودرجاته، وكيفية التعامل مع كل درجة في التخريج والدراسة، والسبل المتوافرة لاختصار التخريج، ودمج بعض الأوجه ببعضها الآخر، وغير ذلك.
- ج ٢ ص ٢٧٧
وقد ألجأتني الضرورة للحديث في هذا المبحث عن قضايا المدار, للحاجة إليها في شرح قضية المبحث الأساس, وهي أن الباحث إذا كان قصده وفي منهجه أن يصدر حكما على الحديث كله، ولا يكتفي بنتيجة النظر في الاختلاف الذي استقر على مدار فيه، فإنه يلزمه أن ينظر في الإسناد، ابتداء من المدار نفسه، فمن فوقه، من جهة درجات الرواة، وسماع بعضهم من بعض، ومن جهة النظر في الطرق الأخرى الموازية للمدار، ومن فوقه، إلى صحابي الحديث، هل فيها مخالفة للنتيجة التي انتهى إليها النظر في الاختلاف عن المدار أو لا؟ وإن كان هناك مخالفة أنشأ الباحث نظرا في اختلاف جديد، وهكذا أبدا حتى يصل إلى الصحابي، ولا يستثنى من ذلك شيء، اللهم إلا في حال كون الاختلاف الذي فرغ منه كان مداره الصحابي نفسه، كأن يختلف عليه في الرفع والوقف، أو يكون الاختلاف في متن الحديث، ففي هذه الحالة لم يبق إسناد ينظر فيه، ولا طرق أخرى للحديث.
-
وتحت الجملة السابقة تفاصيل، وقضايا فرعية مهمة، وقد رأيت أن أقسم الحديث عنها بحسب النتيجة التي وصل إليها الناظر في الاختلاف على مداره الأساس، وهي في -الجملة- لا تخلو من ثلاثة أحوال، سأتناول كل حال منها في مبحث خاص.