نقد الوجه المرجوح بالرواة قبل المدار
١٦ فقرة، ج ٢ ص ٢٧٨
- ج ٢ ص ٢٧٨
يمكن القول إن هذا هو الغالب في الاختلافات، يترجح وجه واحد، ويسقط ما عداه من الأوجه، وملاحظة هذا في كتب النقد أمر سهل، فالأقل فيها يذهب الناقد إلى صحة وجهين أو أكثر عن المدار، أو يضعفها جميعا عن المدار.
-
فإذا وقع هذا للباحث، وترجح عنده أحد الأوجه فعليه أن يحسن التعامل مع الوجه المرجوح، ومع الوجه الراجح.
-
أما الوجه المرجوح فالحديث عنه يتضمن عددا من الأمور، تعين على حسن التعامل مع هذا الوجه، وهي:
١ - إذا اعتمد الباحث كون هذا الوجه مرجوحا ضم هذه النتيجة إلى النقد الذي حرره في إسناد هذا الوجه إلى المدار, من حيث عدالة رواته وضبطهم وسماع بعضهم من بعض، وهي الشروط الثلاثة من شروط صحة الحديث، فإذا كان هناك خلل في هذه الشروط أو في بعضها ضم إليه كون الوجه لم يصح عن المدار أصلا، فقد خولف راويه، وترجح قول مخالفه، فلم يتحقق شرط عدم العلة، وصار معلولا، وازداد بذلك ضعفا, اللهم إلا إذا كان الأصل منكرا, ثم رفعت العلة شيئا من نكارته, فمن هذه الجهة اكتسب قوة مع بقاء ضعفه، على ما تقدم شرحه في الفصل الأول من الباب الثاني.
-
وأمثلة نقد الوجه المرجوح بالرواة قبل المدار, وبالمخالفة، كثيرة جدا، تقدم
ج ٢ ص ٢٧٩شيء منها في الفصول السابقة, فقد يكون الترجيح مبنيا على حال رواة الوجه الراجح ورواة الوجه المرجوح.
-
ومن ذلك ما تقدم في المبحث الثاني من الفصل الثاني من هذا الباب، وهو الحديث الذي يرويه محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، مرفوعا: «إن للصلاة أولا وآخرا ... » الحديث، فمحمد بن فضيل ثقة معروف، ولكن في روايته عن الأعمش كلام يسير، وبعد النظر في الطرق الأخرى تبين أنه قد غلط على الأعمش، وأن الأعمش لا يرويه عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وإنما يرويه عن مجاهد مرسلا، قال: «كان يقال: إن للصلاة أولا وآخرا ... » الحديث، هكذا رواه الجماعة من أصحاب الأعمش.
-
فنقول عن إسناد حديث أبي هريرة: فيه محمد بن فضيل، وفي روايته عن الأعمش كلام يسير لبعض النقاد، وقد خالفه الجماعة من أصحاب الأعمش، فحديثه معلول.
-
ومثاله أيضا ما ذكره ابن أبي حاتم، قال: «سألت أبي، وأبا زرعة، عن حديث رواه بقية، عن سعيد بن أبي سعيد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يحتجم وهو صائم» .
-
فقالا: هو سعيد بن عبدالجبار، عن أبي جزي، عن هشام، والحديث حديث هشام، عن أبيه: «أنه كان يحتجم وهو صائم» ، وأبو جزي ضعيف الحديث» (١) .
- (١)«علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٥٢, وحديث هشام , عن أبيه من فعله أخرجه ابن أبي شيبة ٣: ٥٣, عن عبيدالله بن موسى, وأبي أسامة, عن هشام بن عروة.
- ج ٢ ص ٢٨٠
فنلاحظ أن أبا حاتم، وأبا زرعة، نقدا إسناد حديث عائشة بتدليس بقية بن الوليد، فقد ارتكب هنا تدليس التسوية، فأسقط شيخ شيخه أبا جزي نصر بن طريف, ودلس أيضا تدليس الشيوخ, فسعيد بن أبي سعيد هو سعيد بن عبدالجبار, وهو مشهور بالضعف, وذكرا أن نصر بن طريف ضعيف الحديث، ومرادهما الضعف المطلق، وإلا فهو دون ذلك, فقد رمي بوضع الحديث، وقد قال فيه أبو حاتم مرة: «متروك الحديث» (١) .
- (١)«الجرح والتعديل» ٨: ٤٦٨.
-
فهذا النقد في الإسناد نفسه إلى هشام بن عروة، ونقداه أيضا بأن الصواب عن هشام، عن أبيه من فعله، ليس فيه عائشة، ولا النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهذا نقد بالمخالفة (٢) .
- (٢)وانظر أمثلة أخرى في «العلل الكبير» ١: ١٤٨ , ٢١٩, ٢٢٠, ٢٤٠, ٢٧٩, ٣٠٨, و «علل ابن أبي حاتم» (٧) , (٩٨) , (٧٠٧) , (٩٠٦) , (١٣٠٩).
-
وإن لم يكن هناك خلل في الشروط الثلاثة الأولى، فالرواة إلى المدار عدول ضابطون، والإسناد متصل، ثم تبين بعد جمع الطرق أن أحد رواة الإسناد قد خولف في الرواية عن شيخه، وبعد النظر في الاختلاف ترجح ما رواه الغير، وصار ما رواه مرجوحا، فيكون حينئذ قد اختل شرط عدم العلة، وضعف الإسناد من هذه الجهة، وصار معلولا، فيقول الباحث في نقده: إسناد الحديث إلى فلان رواته ثقات، وهو متصل، ولكن خولف فلان، ثم يذكر المخالفة، وأن الإسناد معلول.
- ج ٢ ص ٢٨١
ومثاله الحديث الماضي في المبحث الثالث من الفصل الثاني من هذا الباب، وهو ما رواه سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم بن عبدالله بن عمر، عن أبيه: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأبا بكر، وعمر، كانوا يمشون أمام الجنازة» .
-
فسفيان بن عيينة من كبار أصحاب الزهري، والرواة عن سفيان ثقات، ولكن بعد جمع الطرق تبين أن سفيان خولف في هذا الحديث، خالفه الجماعة، فرووه عن الزهري مرسلا، فصار حديث ابن عمر معلولا، وعلته أن الصواب فيه الإرسال.
-
وهكذا لو كان الوجه الراجح والوجه المرجوح تامين، كأن يكون الاختلاف في تسمية الصحابي، فالوجه الراجح يكون علة مؤثرة للوجه المرجوح, ويصير الوجه المرجوح معلولا، فلا يصح الحديث إلا عن أحد الصحابيين.
-
أما إذا كان الوجه الراجح هو التام, والوجه المرجوح هو الناقص, كأن يترجح الرفع على الوقف، أو الوصل على الإرسال، فيبقى الوجه التام على تمامه، ولا يؤثر فيه وجود الناقص، ويقال في مثل هذا الإسناد: له علة، لكنها غير مؤثرة.
-
ومثاله الحديث الماضي أيضا في المبحث الأول من الفصل الأول من هذا الباب، وهو ما رواه الجماعة، عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة، عن ابن عباس: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - شرب لبنا، ثم تمضمض، وقال: إن له دسما» ، فقد رواه ابن أبي شيبة، عن سفيان بن عيينة، عن عبدالله بن أبي بكر، عن الزهري، عن عبيدالله مرسلا، ليس فيه ابن عباس، وبلفظ الأمر بدون قصة (١) .
- (١)«مصنف ابن أبي شيبة» ١: ٥٧.