أحوال الاختلافات العليا وأمثلتها
١٣ فقرة، ج ٢ ص ٣٠٧
- ج ٢ ص ٣٠٧
الاختلاف لم يكن في الاختلاف الأول، وربما ترجح حفظ أكثر من وجه كلها لم تكن في الاختلاف الأول، وربما لم يصح شيء منها ألبتة.
-
ثم الاختلاف فوق طبقة المدار قد يقع في طبقة واحدة، وقد يوجد أيضا في طبقة فوقها أو أكثر.
-
والأئمة النقاد لا يغفلون شيئا من هذا، لكن لا يلزم -كما تقدم شرح ذلك في المبحث الأول- أن يكون نظرهم في جميع هذه الاختلافات في سياق واحد في مكان واحد، فهم يتكلمون في كل مكان بحسبه، فقد يحكم الناقد في اختلاف على مدار، وفوقه اختلافات سكت عنها هنا، وتكلم عليها -هو أو غيره- في مناسبة أخرى.
-
وأول ما يبدأ به الباحث من الاختلافات العليا ما استفاد منه حين نظره في الاختلاف على مداره، فقد يكون أكد ترجيحه للوجه الراجح بمتابعة للمدار أو من فوقه عليه، ويكون في هذه المتابعة نفسها مخالفة للوجه الراجح من جهة أخرى، فالاستعانة بهذه المتابعة تم وفق ما يعرف بالترجيح بالقدر المشترك، وقد مضى شرح ذلك في المبحث الأول من الفصل الثالث من هذا الباب.
-
ومن أمثلة ذلك حديث عمر بن الخطاب: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا، خير له من أن يمتلئ شعرا» ، وقد تقدم هناك بيان الاختلاف فيه على إسماعيل بن أبي خالد، حيث قيل عنه، عن عمرو بن حريث، عن عمر مرفوعا، وقيل عنه، عن عمرو بن حريث , عن عمر موقوفا، والراجح عن إسماعيل وقف الحديث، وتأيد الوجه الراجح برواية عبدالملك بن عمير، عن عمرو بن حريث، عن سعيد
ج ٢ ص ٣٠٨بن زيد، عن عمر موقوفا.
-
فهذه المتابعة للمدار -وهو إسماعيل بن أبي خالد- على الوجه الراجح عنه وهو الوقف، فيها مخالفة لإسماعيل بزيادة سعيد بن زيد في الإسناد، فلا بد من النظر بين هاتين الروايتين -ذكر سعيد وإسقاطه- لمعرفة المحفوظ منهما، والذي يظهر أنهما جميعا محفوظتان عنه، وأنه تارة يرسله عن عمر، وتارة يذكر الواسطة بينهما.
وكذلك الحديث الماضي هناك أيضا، وهو ما رواه سعيد بن عامر، عن شعبة، عن عبدالعزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من وجد تمرا فليفطر عليه ... » الحديث.
-
وقد خالف سعيد بن عامر الجماعة من أصحاب شعبة، حيث رووه عنه، عن عاصم الأحول، عن حفصة بنت سيرين، عن سلمان بن عامر، وبعضهم
-وهو مرجوح عن شعبة- ذكر الرباب بنت صليع بين حفصة، وسلمان.
-
وقول سعيد بن عامر مرجوح، فالصواب رواية الجماعة عن شعبة، وقد أمكن تأييد الوجه الراجح عن شعبة بمتابعات كثيرة لشعبة, وفي رواتها حفاظ ثقات، منهم الثوري، وابن عيينة، وحماد بن زيد، رووه عن عاصم الأحول، عن حفصة بنت سيرين، عن الرباب، عن سلمان بن عامر.
-
ورواه كذلك عن حفصة بنت سيرين: عبدالله بن عون، وهشام بن حسان، وخالد الحذاء، إلا أن هشام بن حسان اختلف عليه في ذكر الرباب وحذفها، وفي رفع الحديث ووقفه، وخالد الحذاء لم يذكر الرباب.
- ج ٢ ص ٣٠٩
فاستفدنا من كل هذا أن الحديث معروف عن سلمان بن عامر، وأما من حديث أنس فلا يعرف إلا من رواية سعيد بن عامر، عن شعبة، عن عبدالعزيز بن صهيب، عن أنس، فدل على خطأ سعيد، وقد تقدم شرح هذا كله هناك.
-
والشاهد هنا أن حديث سلمان بن عامر لم ينته النظر فيه، فرواية شعبة الراجحة عنه، وهي روايته للحديث عن عاصم الأحول، عن حفصة، عن سلمان بن عامر، لا بد من النظر بينها وبين ما رواه الجماعة عن عاصم، بذكر الرباب بنت صليع، بين حفصة، وسلمان.
-
قال الترمذي في النظر في الاختلاف على شعبة، مرجحا رواية الجماعة عنه على رواية سعيد بن عامر، ثم في النظر في الاختلاف الذي فوقه على عاصم الأحول، بذكر الرباب وحذفها، مرجحا رواية الجماعة بذكرها على رواية شعبة بحذفها، قال بعد أن أخرج رواية سعيد بن عامر: «حديث أنس لا نعلم رواه عن شعبة مثل هذا غير سعيد بن عامر، وهو حديث غير محفوظ, لا نعلم له أصلا من حديث عبدالعزيز بن صهيب، عن أنس، وقد روى أصحاب شعبة هذا الحديث عن شعبة، عن عاصم الأحول، عن حفصة بنت سيرين، عن سلمان بن عامر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو أصح من حديث سعيد بن عامر.
-
وهكذا رووا عن شعبة، عن عاصم، عن حفصة بنت سيرين، عن سلمان، ولم يذكر فيه شعبة: عن الرباب، والصحيح ما رواه سفيان الثوري، وابن عيينة، وغير واحد، عن عاصم الأحول، عن حفصة بنت سيرين، عن الرباب، عن سلمان بن عامر.