على الباحث أن يفحص إسناد الوجه الراجح جيدا قبل إصدار حكمه عليه

١٢ فقرة، ج ٢ ص ٣٣٨

  1. بين أبو حاتم في جوابه الثاني أنه مرسل، وذلك لأن الشعبي لم يسمع من عائشة (١) .

    1. (١)«تاريخ الدوري عن ابن معين» ٢: ٢٨٦، و «المراسيل» ص ١٥٩، وانظر مثالين آخرين في «علل ابن أبي حاتم» (١٦٤٣)، و «الضعفاء الكبير» ١: ٢٨.
    ج ٢ ص ٣٣٨
  2. والباحث قبل نظره في الاختلافات قد منع من إصدار الحكم على الإسناد المفرد الذي أمامه قبل أن ينظر في الطرق الأخرى، ويعالج الاختلافات إن وجدت، كما تقدم شرح هذا في «الاتصال والانقطاع» (٢) ، أما الآن فهو ملزم بذلك، لأنه فرغ من النظر في الطرق الأخرى، ووازن بين الطرق إن كان بينها اختلاف، وترقى في الاختلافات درجة درجة، إن كانت الاختلافات في الحديث الذي يبحث فيه لها مدارات متعددة، وقد بقي عليه من رواة الإسناد من يحتاج إلى بيان حاله، وسماعه ممن فوقه، وقد يكون هذا الباقي جزءا من إسناده الأصل الذي ابتدأ النظر فيه مبدئيا قبل أن ينظر في الطرق الأخرى، فهو الراجح عنده، وقد يكون غيره، فالإسناد الأصل مرجوح.

    1. (٢)«الاتصال والانقطاع» ص ٤٦٦، ٤٩٩.
  3. والذي ينبه عليه الباحث هنا أن يفحص الإسناد للوجه الراجح جيدا قبل أن يصدر حكمه عليه، ويتأنى في ذلك، وينظر في كل ما هو مجال للنظر في هذا الإسناد، ليكون حكمه صوابا، أو قريبا من الصواب، ومن غير اللائق أن يتعب الباحث في جمع الطرق، وتلخيص الأوجه، والموازنة بينها، ثم يفتر في الخطوة النهائية للحكم على الإسناد.

  4. وقد أشرت في مناسبة سابقة إلى أن الخلل في نقد الأسانيد لا يأتي فقط من

    ج ٢ ص ٣٣٩إغفال النظر في الاختلافات، وعلل الأحاديث، بل يأتي أيضا من نقد الإسناد المفرد، والاستعجال في ذلك.

  5. ومن أمثلة الخلل في الحكم على إسناد الوجه الراجح أنه قد وقع اختلاف على الزهري في روايته لقصة زواج النبي - صلى الله عليه وسلم - بأم حبيبة، وهي بأرض الحبشة، وذلك على أربعة أوجه: الزهري، عن عروة، عن أم حبيبة، والزهري، عن عروة، عن عائشة، والزهري، عن عروة مرسلا، والزهري مرسلا (١) .

    1. (١)«سنن أبي داود» حديث (٢٠٨٦)، (٢١٠٧ - ٢١٠٨)، و «سنن النسائي» حديث (٣٣٥٠)، و «مسند أحمد» ٦: ٤٢٧، و «طبقات ابن سعد» ٨: ٩٩، و «المعجم الكبير» ٢٣، حديث (٤٠٣)، و «المستدرك» ٤: ٢٠، و «سنن البيهقي» ٧: ٢٣٤، و «تاريخ دمشق» ٦٩: ١٣٨ - ١٤٢.
  6. وذكر أحد النقاد وجهين من الاختلاف على الزهري وهما: عن عروة، عن أم حبيبة، وعن عروة مرسلا، ورجح الوجه المرسل.

  7. ثم زاد عليه أحد الإخوة الفضلاء وجها ثالثا، وهو: عن عروة، عن عائشة، عن أم حبيبة، ولم يذكر الوجه الرابع، وهو: عن الزهري مرسلا، ولعل ذلك لكون الرواية فيه جاءت مختصرة جدا ببعض الحديث, ثم نظر الباحث في الأوجه الثلاثة التي ذكرها, ورجح كونه عن عروة, عن أم حبيبة.

  8. ولست الآن بصدد مناقشة هذا الترجيح، فهو اجتهاد للباحث، وإنما الغرض هنا أن الباحث قال في حكمه على إسناد الوجه الراجح، وهو: الزهري، عن عروة، عن أم حبيبة: «الحديث من وجهه الراجح صحيح الإسناد ... » ، ثم شرح ذلك من جهة الرواة.

  9. وهذا التصحيح لم يتمعن فيه الباحث، فعروة بن الزبير لم يسمع من أم حبيبة كما يظهر من ترجمتيهما، وليس له في الكتب عنها سوى هذا الحديث، وقد جاءت صيغة روايته في الوجه الموصول هكذا: عن أم حبيبة: «أنها كانت تحت عبيدالله بن جحش، وكان أتى النجاشي، فمات, وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تزوج أم حبيبة، وأنها بأرض الحبشة ... » الحديث، فهذا السياق يدل على أن قوله في الإسناد: عن أم حبيبة، لا يقصد به الرواية عنها، وإنما يقصد به حكاية قصتها، وهذا يفعله بعض الرواة تجوزا، كما تقدم شرحه في «الاتصال والانقطاع» (١) .

    1. (١)«الاتصال والانقطاع» ص ٣١ - ٤٥.
    ج ٢ ص ٣٤٠
  10. فإذا اجتمعت صيغة الرواية، وكون عروة لم يسمع منها، ومجيء الحديث من طرق أخرى عن الزهري مرسلا, صار الوجهان -المرسل، والموصول في الظاهر- بمعنى واحد، ووقع الباحث بسبب عدم تدقيقه في الإسناد في إشكالين، مخالفة الإمام الذي رجح المرسل، مع أن الموصول بمعناه، فهو راجع إلى الإرسال، وتصحيح إسناد غير متصل.

  11. ٦ - إذا فرغ الباحث من النظر في إسناد الوجه الراجح, من جهة رواته, وسماع بعضهم من بعض, عليه أن يعود مرة أخرى إلى نتيجة النظر التي وصل إليها, في الاختلاف, ورجحان هذا الوجه عنده.

  12. وأعني بذلك أن الترجيح في الاختلاف ليس على درجة واحدة، فهو يخضع للقرائن التي تم الترجيح بها كثرة وقلة, ووجود ما يعارضها, وما يتبع ذلك من من جزم الباحث بالترجيح, أو تردده, كما تقدم شرحه في المبحث