النظر في الوجه الراجح، والكلام على إسناده، وأمثلة من تطبيقات النقاد في ذلك
٢٩ فقرة، ج ٢ ص ٣٣١
- ج ٢ ص ٣٣١
على أبي مجلز- وجهان, الإرسال، وجعله عن أبي ذر, وإذا ترجح عند الباحث في النهاية حفظ وجهين أو أكثر فهذا له نظر خاص, سيأتي -كما أسلفت- في المبحث التالي.
-
وأعود الآن مرة أخرى إلى التأكيد على الباحث إذا فرغ من النظر في اختلافه الأساس وترجح لديه وجه واحد أن يقوم بالنظر في الطرق الأخرى إلى شيخ المدار، ومن فوقه، قبل أن يصدر حكمه على إسناد الوجه الراجح, وذلك خشية أن يكون المدار أو من فوقه قد خولف، فيلزمه حينئذ النظر في الاختلاف الجديد، فإذا لم يفعل ذلك خرج إلى المنهج الآخر الذي لا ينظر في الاختلاف، واعتماده على الأسانيد مفردة، وصار نظره في الاختلاف الأول كأنه لا وجود له، بل صنيعه هذا أشد خطورة من صنيع من لا ينظر أساسا في الاختلافات، لأن القارئ له إذا رآه قد عالج الاختلاف، ووصل فيه إلى نتيجة، ثم حكم على الإسناد للوجه الراجح، اطمأن إليه، وإلى حكمه، استرواحا منه إلى أنه وقد نظر في الاختلاف قد استوعبه، والحال أنه لم يفعل ذلك.
-
٥ - بعد إكمال الباحث النظر في آخر اختلاف وجده على أحد رواة الإسناد، وترجح لديه وجه من وجوه الاختلاف, وكان قد بقي بعد هذا المدار من رواة إسناد الوجه الراجح أحد دون الصحابي، ينصب نظره حينئذ على من فوق المدار من جهة درجة كل راو، وسماع بعضهم من بعض، ثم يصدر حكمه النهائي على إسناد الوجه الراجح.
- ج ٢ ص ٣٣٢
وقد كان النقاد يفعلون هذا أحيانا, يحكمون في الاختلاف، ويرجحون، ثم يتكلمون على إسناد الوجه الراجح بعد مداره، من جهة رواته واتصاله.
-
فمن ذلك الحديث الماضي في المبحث الأول من الفصل الثالث من هذا الباب , وهو ما رواه همام بن يحيى، وحجاج الأحول، وسعيد بن بشير -في بعض الطرق إليه-، عن قتادة، عن قدامة بن وبرة، عن سمرة بن جندب، مرفوعا: «من ترك الجمعة من غير عذر، فليتصدق بدينار ... » الحديث.
-
ورواه أيوب أبو العلاء، وسعيد بن بشير -في بعض الطرق إليه-، عن قتادة، عن قدامة بن وبرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ...
-
ورواه خالد بن قيس الحداني، عن قتادة، عن الحسن البصري، عن سمرة بن جندب.
-
والراجح عند كافة النقاد الوجه الأول، وهو جعله عن قتادة، عن قدامة بن وبرة، عن سمرة، منهم أحمد، والبخاري، وأبو داود، وأبو حاتم، وغيرهم، وذلك حين تعرضوا للموازنة بين الأوجه الثلاثة كلها، أو بين الوجه الأول، وأحد الوجهين الآخرين (١) .
- (١)«سنن أبي داود» حديث (١٠٥٣ - ١٠٥٤)، و «مسائل أبي داود» ص ٣٩٤، و «العلل ومعرفة الرجال» ١: ٢٥٦، و «التاريخ الكبير» ٤: ١٧٦، و «علل ابن أبي حاتم» ١: ١٩٦، ٢٠٠، و «سنن البيهقي» ٣: ٢٤٨.
-
ثم عاد النقاد إلى نقد الوجه الراجح، فأشار أبو حاتم إلى ضعف فيه، ولم
ج ٢ ص ٣٣٣يبينه، فقال عنه: «له إسناد صالح ... ، هو حديث صالح الإسناد» (١) .
وأما أحمد فضعفه بقدامة بن وبرة، قال عبدالله: «سألت أبي قلت: يصح حديث سمرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ... ؟ فقال: قدامة بن وبرة يرويه، لا يعرف» (٢) .
وضعفه البخاري بعدم سماع قدامة، من سمرة، فقال: «ولا يصح حديث قدامة في الجمعة» (٣) ، وقال مرة: «قدامة بن وبرة ... ، ولم يصح سماعه من سمرة» (٤) .
- (١)«علل ابن أبي حاتم» ١: ١٩٦.
- (٢)«العلل ومعرفة الرجال» ١: ٢٥٦.
- (٣)«التاريخ الكبير» ٤: ١٧٧.
- (٤)«الضعفاء الكبير» ٣: ٤٨٤، و «الكامل» ٦: ٢٠٧٤.
-
وكذلك الحديث الماضي في المبحث الثاني من الفصل الثاني من هذا الباب، وهو الحديث الذي رواه شعبة، عن عبد ربه بن سعيد، عن أنس بن أبي أنس، عن عبدالله بن نافع بن العمياء، عن عبدالله بن الحارث، عن المطلب، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الصلاة مثنى، مثنى, وتشهد في كل ركعتين ... » الحديث.
-
ورواه الليث بن سعد وغيره، عن عبد ربه بن سعيد، عن عمران بن أبي أنس، عن عبدالله بن نافع، عن ربيعة بن الحارث، عن الفضل بن عباس.
-
وقد توارد النقاد على تخطئه شعبة في سياقه للإسناد، وتصويب رواية الليث بن سعد، كما تقدم بيانه هناك، ثم عاد بعضهم إلى الوجه الراجح فحكموا عليه، فذكر البخاري الحديث في ترجمة ربيعة بن الحارث، وقال: «وهو حديث لا يتابع
ج ٢ ص ٣٣٤عليه، ولا يعرف سماع هؤلاء بعضهم من بعض» (١) .
وقال ابن أبي حاتم: «قلت لأبي: هذا الإسناد عندك صحيح؟ قال: حسن، قلت لأبي: من ربيعة بن الحارث؟ قال: هو ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب، قلت: سمع من الفضل؟ قال: أدركه، قلت: يحتج بحديث ربيعة بن الحارث؟ قال: حسن، فكررت عليه مرارا فلم يزدني على قوله: حسن، ثم قال: الحجة سفيان، وشعبة ... » (٢) .
وروى جماعة عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا عدوى، ولا هامة، ولا صفر ... » (٣) .
- (١)«التاريخ الكبير» ٣: ٢٨٤.
- (٢)«علل ابن أبي حاتم» ١: ١٣٢.
- (٣)«التاريخ الكبير» ١: ١٣٩، و «التاريخ الصغير» ٢: ٨١، و «الكامل» ٦: ٢٢٢٣، ٢٣٥٥، و «علل الدارقطني» ١٠: ٣٠٧، و «سنن البيهقي» ٧: ٢١٨، و «تاريخ بغداد» ٢: ٣٠٧.
-
ورواه عبدالرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن مشيخه لهم من أهل الصلاح، ممن حدثوه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (٤) .
- (٤)«جامع ابن وهب» حديث (٦٣٤)، و «التاريخ الكبير» ١: ١٣٩، و «التاريخ الصغير» ٢: ٨٢، و «الكامل» ٦: ٢٢٢٤.
-
والصواب رواية عبدالرحمن، وقد ذكر البخاري رواية عبدالرحمن، وذكر معها أحد طرق الوجه الأول، وهو طريق محمد بن عبدالرحمن بن عمرو بن عثمان بن عفان، المعروف بالدبياج، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة،
ج ٢ ص ٣٣٥ثم قال عن الوجه الثاني: «وهذا أصح، مرسل» (١) ، وقال مرة: «وهذا بانقطاعه أصح» (٢) .
- (١)«التاريخ الكبير» ١: ١٣٩.
- (٢)«التاريخ الصغير» ٢: ٨٢.
-
فالوجه الراجح عن أبي الزناد بعد أن رجحه البخاري عاد فضعفه بالإرسال، فإن شيوخ أبي الزناد من التابعين، فقد جاء في بعض طرقه: حدثني رجال أهل رضا وقناعة من أبناء الصحابة.
وترجم البخاري لمحمد بن عبدالله بن علاثة، وقال في ترجمته: «في حفظه نظر ... ، قال الأويسي: حدثنا ابن علاثة، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» .
وقال عبدالقاهر: عن هشام، عن عمر بن محمد بن المنكدر، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا أصح، وهو مرسل.
وقال بكر بن بكار: حدثنا محمد بن ثابت البناني، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبدالله، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا يصح فيه جابر، ولا ابن سيرين ... » (٣) .
- (٣)«التاريخ الكبير» ١: ١٣٢.
-
فذكر البخاري أولا الاختلاف على هشام بن حسان, فمحمد بن عبدالله بن علاثة يرويه عنه، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة (٤) .
- (٤)وقد أخرج رواية ابن علاثة أيضا العقيلي ٤: ٩٢، وابن عدي ٦: ٢٢٢٨.
-
وعبدالقاهر بن شعيب يرويه عنه، عن عمر بن محمد بن المنكدر، عن أبيه،
ج ٢ ص ٣٣٦عن أبي هريرة، ورجح البخاري الوجه الذي يرويه عبدالقاهر، وأنه لا يصح فيه ابن سيرين.
-
وقد رواه مع عبدالقاهر: محمد بن بكر البرساني (١) .
- (١)«الضعفاء الكبير» ٤: ٩٢.
-
ثم ذكر البخاري اختلافا أعلى من هذا، وهو على محمد بن المنكدر، فولده عمر يرويه عنه، عن أبي هريرة، ومحمد بن ثابت البناني يرويه عنه، عن جابر (٢) .
- (٢)رواية محمد بن ثابت أخرجها أيضا أحمد ٣: ٣٢٥، ٣٣٤، والعقيلي ٤: ٤٠، وابن عدي ٦: ٢١٤٦، وقوام السنة في «الترغيب» حديث (١٠٤٧)، ولم ينسب محمد بن ثابت عند أحمد، وأما ابن عدي فجاء في إسناده: محمد بن ثابت العبدي، فوضع الحديث في ترجمته، والبناني، والعبدي، كلاهما بصري، من طبقة واحدة، والبناني أشد ضعفا من العبدي, والله أعلم.
-
ورجح البخاري رواية عمر بن محمد، وأنه لا يصح فيه جابر.
-
فالراجح النهائي في الاختلافين -النازل والعالي- هو: محمد بن المنكدر، عن أبي هريرة.
-
وقام البخاري ببيان حال هذا الوجه الراجح، فذكر أنه مرسل.
-
وكذا قال العقيلي، وقد ذكر الاختلاف على هشام بن حسان فقط: «وهذا أولى، مرسل، فيه نظر» (٣) .
- (٣)«الضعفاء الكبير» ٤: ٩٢.
-
ومرادهما بالإرسال أن محمد بن المنكدر لم يسمع من أبي هريرة، وقد توارد
ج ٢ ص ٣٣٧النقاد على أنه لم يسمع منه (١) .
وروى أبو معاوية، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن ابن أبي السائب -أو عن أبي السائب- عن عائشة أنها قالت للسائب: «ثلاث خصال فيك لتدعهن أو لأناجزنك: إياك والسجع في الدعاء ... » الحديث (٢) .
- (١)«المراسيل» ص ١٨٩، و «إكمال تهذيب الكمال» ١٠: ٣٦٧.
- (٢)«علل ابن أبي حاتم» ٢: ١٨٥، ٢٤٨، و «صحيح ابن حبان» حديث (٩٧٨).
-
ورواه حماد بن سلمة, عن داود, عن الشعبي, عن مسروق, عن عائشة.
-
ورواه إسماعيل بن علية، وسفيان بن عيينة، وعبدالأعلى بن عبدالأعلى، ووهيب، عن داود، عن الشعبي، أن عائشة قالت لابن أبي السائب قاص
أهل المدينة (٣) .
- (٣)«مسند أحمد» ٦: ٢١٧، و «تاريخ المدينة» ١: ١٣، و «مصنف ابن أبي شيبة» ١٠: ١٩٩، و «مسند إسحاق بن راهويه» حديث (١٦٣٤).
-
سأل ابن أبي حاتم أباه عن رواية أبي معاوية، ورواية وهيب أيهما أصح، فقال: «حديث وهيب أشبه، ووهيب أتقن وأوثق من أبي معاوية» (٤) .
- (٤)«علل ابن أبي حاتم» ٢: ١٨٥.
-
وسأله مرة أخرى عن رواية حماد بن سلمة، ورواية أبي معاوية، فقال: «إنما هو: الشعبي، عن عائشة مرسلا» (٥) .
- (٥)«علل ابن أبي حاتم» ٢: ٢٤٨.
-
فالراجح من الأوجه الثلاثة عن الشعبي، عن عائشة، ليس بينهما واسطة، وقد