أمران مهمان في قضية الاضطراب

١٥ فقرة، ج ٢ ص ٣٩٢

  1. الأمر الأول: نجد في تناول بعض الباحثين للاختلافات حالات من الحكم بالاضطراب يعود الباحث فينفي بعدها الاضطراب عن الحديث، وأشهرها في صنيعهم حالتان، الأولى: إذا كان الاضطراب في وجهين بإسنادين مختلفين، في راو أو أكثر، وكان الإسنادان بالنسبة للرواة وسماع بعضهم من بعض صحيحين، أو في حكم الصحيح, تجدهم يسعون إلى نفي تأثير الاضطراب عليهما، فيكثر منهم أن يقول أحدهم: وهو انتقال من ثقة إلى ثقة فلا يضر، أو غاية ما في الأمر إبدال إسناد بآخر، وكلاهما صحيح، فلا تأثير, والحديث صحيح، ونحو ذلك.

    ج ٢ ص ٣٩٢
  2. ولا تردد في أن هذا المسلك مخالف لطريقة أئمة النقد، وهو في النهاية يؤدي إلى الخلط بين منهجين في التطبيق، وقد حذرت منه مرارا فيما سبق، إذ المفترض في الباحث أن يكون طويل النفس في تطبيق منهج النقاد، شديد الانتباه، لا يغفو فيدعه بقصد أو دون قصد.

  3. ومنهج النقاد في هذه المسألة واضح لاخفاء فيه، فالاضطراب مشعر في الجملة بعدم الضبط، وكون الراوي تردد بين إسنادين لا يمنع الاحتمال أن يكون هناك إسناد ثالث هو الصواب, لكن الراوي لم يضبط.

  4. ثم إن القول بأن التردد بين إسنادين متساويين لا يضر - يعود بالنقض على أحكام النقاد على الرواة, فإن الثبات أو التردد من أهم وسائل أحكامهم التي

    ج ٢ ص ٣٩٣يصدرونها على الرواة، كما تقدم في «الجرح والتعديل» (١) ، ومن أمثلته أيضا، عاصم بن أبي النجود، فقد تكلم النقاد في حفظه، ومن الكلام فيه تردده في الحديث الواحد عن شيوخه, قال حماد بن سلمة: «كان عاصم يحدثنا بالحديث الغداة عن زر، وبالعشي، عن أبي وائل» (٢) ، وقال العجلي: «وكان ثقة في الحديث، ولكن يختلف عنه في حديث زر، وأبي وائل» ، ثم ضرب أمثلة لذلك (٣) .

    1. (١)«الجرح والتعديل» ص ٩٠ - ٩٥.
    2. (٢)«شرح علل الترمذي» ٢: ٧٨٨.
    3. (٣)«الثقات» ٢: ٦.
  5. الثانية: إذا كان الاختلاف على وجهين، وكان أحدهما تاما والآخر ناقصا، كالوصل والإرسال، والرفع والوقف، وزيادة راو وحذفه، ونحو ذلك، وكانت النتيجة التي وصل إليها الناظر في الاختلاف هي الاضطراب, فبعض الباحثين يقرر أنه لا مانع في مثل هذه الحالة أن يوقف مع الناقص منهما، ففي الرفع والوقف يحكم للوقف، وفي الوصل والإرسال يحكم للإرسال، وفي زيادة راو وحذفه يحكم للناقص منهما، فإن كانت زيادته تؤدي إلى ضعف الإسناد لضعفه هو حكم بذلك، وإن كان ثقة وحذفه يؤدي إلى انقطاع الإسناد، حكم لهذا الوجه، وهكذا.

  6. ومن حججهم في هذا المقام أن الأدنى هو المتيقن، والأعلى مشكوك فيه، فنلقي الشك، ونبقى مع الأدنى.

  7. وكذلك ما يؤثر عن النقاد في التحذير من الزيادة في الحديث، والتسامح في

    ج ٢ ص ٣٩٤النقص منه، كقولهم: انقص من الحديث، ولا تزد فيه، ومرادهم أن الخطأ في النقص أهون من الخطأ في الزيادة.

  8. وكذلك ما جاء عن بعض الرواة من تعمد وقف الحديث، أو إرساله، إذا توقف الراوي في شيء منه في متنه أو إسناده، أو كان شيخه ضعيفا، ونحو ذلك, كما تقدم هذا في المبحث الأول من الفصل الثاني من هذا الباب.

  9. وهذه الحجج ترجع إلى أصل عظيم من أصول النقد عليه أدلة كثيرة، وهو البراءة الأصلية، فالأصل أن الحديث لم يرد عمن نسب إليه، ورفع هذا الأصل يحتاج إلى دعامة قوية، هي شروط الحديث الصحيح عند النقاد، فإذا ترددنا في شيء، يبقى مع البراءة الأصلية، أو يرفعها، فالحكم لمن يبقيها.

  10. غير أن هذه الحجج إنما تفيد منع ترجيح التام عند الاضطراب، وأما البقاء مع الأدنى فلا تفيده، وبين المسألتين فرق، فنحتاج للبقاء مع الأدنى إلى دليل آخر، يمنع من قيام احتمال أن يكون هناك وجه خارج أوجه الاضطراب، وهو أدنى مما ورد إلينا، إذ وقوع الاضطراب يفتح باب هذا الاحتمال ويقربه.

  11. وهذا الدليل الآخر -فيما أرى- يتعلق بدرجة الراوي الذي وقع منه الاضطراب، فإن كان الراوي ثقة وقع منه الاضطراب في هذا الحديث المعين، قرب جدا أن يقال إن الظاهر عدم وجود وجه لم يرد في الرواية، وأن تردده كان بين هذين الوجهين: التام، والناقص، وأما إن كان الراوي ضعيفا، أو موصوفا بكثرة الاضطراب في حديثه، فاحتمال وجود وجه ثالث، قد يكون أدنى مما ورد في الوجهين هو احتمال قوي, والقضية تحتاج مزيد تأمل وبحث.

  12. الأمر الثاني: يحكم الناقد على الحديث الذي وقع فيه اختلاف بعد نظره في أمور كثيرة، منها ما هو في الطرق إلى المدار، وصفة روايتهم، ومنها ما هو في المدار نفسه، وروايته، ومنها ما هو في الطرق فوقه، وكل ما يمر به هو محل اجتهاد ونظر للناقد، فهي أحكام مبنية على قرائن قد تتعاضد، فيصير الحكم على الناقد سهلا، وقد تتعارض إما تعارضا ضعيفا، أو قويا.

    ج ٢ ص ٣٩٥
  13. والحكم بالاضطراب لا يخرج عن هذا، فهو إحدى النتائج التي يصل إليها الناظر في الاختلاف بناء على ما أمامه من قرائن وأدلة.

  14. وهذه مسألة مفروغ منها ليست خاصة بقضية الاضطراب، وتقريرها هنا من أجل بيان أن الحكم بالاضطراب قد يكون ظاهرا لا خفاء فيه، كأن تكون الطرق إلى المدار فيها ضعف ما، ولا مرجح بينها، والمدار فوق أن يوصف بالاضطراب، وكأن يكون المدار نفسه موصوفا بالاضطراب، بصفة عامة, أو عن بعض شيوخه، وهو يروي الحديث عن واحد منهم، والطرق مع ذلك إلى المدار قوية، فيحمل الاضطراب.

  15. وقد يكون الحكم بالاضطراب فيه خفاء، فقرائنه ليست قوية، كأن يكون المدار ثقة لم يوصف بالاضطراب، ولكن الطرق إليه أيضا قوية، وما شابه ذلك, وبناء على هذا فلا يستغرب أن يكون للناقد الواحد في الحديث رأيان، رأي يصرح فيه بالتوقف، أو يحكم بالاضطراب، ورأي يرجح فيه وجها واحدا، أو وجهين، ولا يستغرب أن يحكم ناقد بالاضطراب، وناقد آخر يرجح أحد الأوجه، وقد تقدمت أمثلة هذا في مبحث تعارض القرائن وهو المبحث الرابع