٤ - الناظر في الاختلاف قد يبعد النجعة في معالجة الاختلاف، وكان يغنيه عن ذلك أن يقف على قول ناقد متقدم يحسم الأمر

٩ فقرات، ج ٢ ص ٤٢٧

  1. ومن الفوائد أيضا أن الناظر في الاختلاف -بعد أن يستقر رأيه على أنه اختلاف- قد يبعد النجعة في معالجته، وربما أكثر من فرض الاحتمالات، أو وقع في نزاع مع غيره حول نتيجة النظر فيه، وكان يغنيه عن ذلك كله أن يقف على قول ناقد متقدم يحسم الأمر، ويظهر ما قد خفي مما يتكأ عليه في الترجيح والموازنة.

    ج ٢ ص ٤٢٧
  2. ومن أمثلة ذلك أن جماعة من أصحاب ابن جريج رووا عنه، عن عبدالحميد بن جبير بن شيبة، عن محمد بن عباد بن جعفر، قال: «أتيت جابر بن عبدالله، فقلت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهي عن صوم يوم الجمعة؟ قال: إي ورب الكعبة» ، ورواه جماعة آخرون عن ابن جريج بإسقاط عبدالحميد، ومنهم يحيى بن سعيد القطان، وفي روايته تصريح ابن جريج بالإخبار عن محمد بن عباد (١) .

    1. (١)«صحيح البخاري» حديث (١٩٨٤)، و «صحيح مسلم» حديث (١١٤٣)، و «سنن النسائي الكبرى» حديث (٢٧٤٦ - ٢٧٤٩)، و «مسند أحمد» ٣: ٢٩٦، و «سنن البيهقي» ٤: ٣٠١.
  3. وقد تكلم جماعة من الأئمة على هذا الحديث، فأشار الإسماعيلي إلى أن الصواب رواية من أسقطه، ففيهم يحيى بن سعيد القطان، وذهب البيهقي إلى أن يحيى بن سعيد قَصَّر في روايته بإسقاطه لعبدالحميد بن جبير، والصواب ذكره في الإسناد، ونقل هذا عن الإمامين ابن حجر، ثم قال: «يحمل على أنه سمعه من عبدالحميد، عن محمد، ثم لقي محمدا فسمعه منه، أو سمعه من محمد، واستثبت من عبدالحميد، فكان يحدث به تارة عن هذا، وتارة عن هذا ... » (٢) .

    1. (٢)«فتح الباري» ٤: ٢٣٢.
  4. واستروح لكلام ابن حجر جمع من الباحثين، فصاروا ينصون على أن ابن جريج سمعه من عبدالحميد بن جبير، ثم سمعه من محمد بن عباد، فكان يحدث به على الوجهين، غير أن هؤلاء الباحثين زادوا الطين بلة، فوصفوا الإسناد الذي فيه عبدالحميد، ومحمد بن عباد، بأنه من المزيد في متصل الأسانيد، وهذا خطأ وتناقض، لأن من شرط المزيد في متصل الأسانيد أن تكون الزيادة خطأ، والإسناد متصل بدونها، وعليه فهذا الإسناد إن كان كلا الوجهين صوابا لم يكن من المزيد في متصل الأسانيد، وإن كان الإسناد من المزيد في متصل الأسانيد فالزيادة ليست صوابا، وهو متصل بدونها، فهذا تناقض.

    ج ٢ ص ٤٢٨
  5. فهذه ثلاثة آراء في الاختلاف على ابن جريج، تصويب من أسقط عبدالحميد، وتصويب من ذكره، وتصويب الطرفين.

  6. وبالوقوف على نص إمام متقدم قطعت جهيزة قول كل خطيب، فأمكن معرفة الصواب، وأنه خارج هذه الآراء كلها، ففيه تصويب الطرفين، فابن جريج حدث به هكذا، وهكذا، غير أنه لم يسمعه من الاثنين، وإنما سمعه من عبدالحميد بن جبير فقط، وأسقطه خطأ، وصرح بالتحديث من شيخ شيخه، وذلك حين حدث به من حفظه.

    روى عبدالله بن أحمد، عن أبي بكر بن خلاد، قال: «سمعت يحيى يقول: حدثني ابن جريج، عن محمد بن عباد بن جعفر، قال: أتيت جابر بن عبدالله ... ، قال يحيى: رفعه، قال فيه: حدثنا -يعني محمد بن عباد-، وهذا في الكتب: عن

    ج ٢ ص ٤٢٩عبدالحميد بن جبير بن شيبة، وإن لم يحدثك ابن جريج من كتابه لم تنتفع به» (١) .

    1. (١)«العلل ومعرفة الرجال» ٣: ٢٣٩.
  7. وذكر الحاكم ما رواه موسى بن عقبة، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبيه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مئة مرة» ، ثم قال: «وهذا لا ينظر فيه حديثي إلا علم أنه من شرط الصحيح، والمدنيون إذا رووا عن الكوفيين زلقوا» ، ثم ذكر أن المحفوظ جعله عن أبي بردة، عن الأغر المزني.

  8. تعرض لرواية موسى بن عقبة باحثان ينظران في الاختلافات الواقعة على أبي بردة في هذا الحديث، فأما أحدهما فلم يزد على أن نقل قول أبي حاتم في تعليلها برواية إسرائيل المرسلة، وأنه أحفظ.

    وأما الآخر فقال في تعليلها: «لا تصح لأمرين: أن موسى مدني، وأبو إسحاق كوفي، وهذه الرواية ونظائرها لا تخلو من ضعف، قال الحاكم ... ، والثاني: مخالفة إسرائيل، وهو كوفي مثل جده أبي إسحاق ... » .

  9. ولأبي حاتم كلمة في رواية موسى بن عقبة، عن أبي إسحاق، تقضي على هذه الرواية تماما، بين فيها أبو حاتم أن موسى بن عقبة يروي هذه الأحاديث عن أبي إسحاق بواسطة رجل مجهول، يقال له: عبدالله بن علي، يعني ويسقطه (٢) .

    1. (٢)سيأتي تخريج هذا الحديث بطرقه، وكلام النقاد فيه في المبحث الرابع من هذا الفصل، حيث ذكرته هناك لمناسبة أخرى.