ثانيا: إشارات النقاد، وهي تقوم مقام التصريح، ولها صور منها
١٦ فقرة، ج ٢ ص ٤٧٢
- ج ٢ ص ٤٧٢
ما جزم به الناقد دون تردد.
-
ومثل هذا إذا ترجح عنده حفظ وجهين أو أكثر، كأن يقول: كلاهما صحيح، أو هما محفوظان، أو لعله -يعني أحد رواة الإسناد- سمع منهما جميعا، وكذا إذا لم يترجح شيء منها عنده، إما لتوقفه، كأن يقول: لا أدري أيهما الصحيح، أو لا أقضي فيه بشيء، أو لضعفهما جميعا، كأن يقول: كلاهما منكر، أو لا يصح هذا ولا هذا، أو لا يصح شيء منهما.
-
فهذه كلها ألفاظ صدرت من الناقد دالة صراحة على رأيه واختياره.
-
ويلي ذلك -وهو داخل في التصريح- ما ينقله التلميذ عن شيخه أو من فوقه، بعبارته هو، كأن يقول: سألته فصححه من حديث فلان، أو فرجحه موصولا، أو مرسلا، أو موقوفا، أو لم يعد حديث فلان محفوظا، أو لم يعرف حديث فلان، أو لم يقض فيه بشيء، أو لم يقل: أيهما أصح، ونحو هذه العبارات.
-
ويقوم مقام التصريح ما يعرف بإشارات النقاد، فإنها دالة أيضا على اختيارهم، ولها صور عديدة.
-
منها أن يسأل الناقد فيذكر قرينة أو أكثر للترجيح، إما في الوجه الراجح، أو في الوجه المرجوح، وقد يجمع بينهما، كأن يقول: فلان أحفظ، أو فلان أحفظهم، أو رواه الجماعة فأرسلوه، أو ووصلوه، أو الناس يروونه مرسلا، أو لا أعرفه مرفوعا إلا من حديث فلان، أو لم يسنده إلا فلان، أو فلان سلك الطريق السهل، أو فلان ضعيف.
- ج ٢ ص ٤٧٣
ويوجد هذا أيضا في ترجيح الناقد عدم حفظهما جميعا، كأن يقول لراوي أحد الوجهين عن المدار: إنه ضعيف، ويقول في راوي الوجه الآخر: لم يسمع منه.
-
فهذا الصنيع يقوم مقام التصريح بالاختيار، إذ الظاهر أن ذكره القرينة الغرض منه الترجيح.
-
ومما يشكل على الباحث في هذه الصورة أن يذكر الناقد قرينة لحفظ وجه، ويذكر قرينة لحفظ وجه آخر، كأن يقول: فلان أحفظ، وأهل كذا أعرف بحديث فلان، أو فلان حافظ، ورواية فلان لها أصل، ونحو ذلك، فهل الناقد يشير بهذا إلى تردده، أو إلى حفظ الوجهين جميعا؟ فيحتاج الباحث في مثل هذا إلى إنعام النظر، لترجيح مراد الناقد، وقد يستعين بآراء غيره من النقاد.
-
ومن الصور كذلك أن يسأل الناقد عن اختلاف، فيذكر أنه سأل شيخا له عنه فأجاب بكذا، أو يروي الجواب بإسناده عمن فوق شيخه، ويسكت الناقد بعد ذلك، لا يتعقبه بشيء، فالظاهر أن هذا اختياره، فكأنه يقول: وما أجاب به ظاهر، أو صحيح.
-
وأظهر منه في الاختيار أن لا يسمي صاحب القول، فيقول مثلا: يرون أن فلانا وهم فيه، أو أن فلانا حفظه، أو يُرى أن قول فلان وهم، أو هو الصواب.
-
ويلتحق بذلك ما يورده المؤلفون في كتب السنة التي وضعت للنقد، سواء منها كتب الرجال، مثل كتب البخاري، والعقيلي، وابن عدي، أو كتب الأحاديث، مثل «مسند ابن المديني» ، و «مسند يعقوب بن شيبة» ، و «مسند البزار» ، فما يذكرونه
ج ٢ ص ٤٧٤عمن تقدمهم، سواء كان من شيوخهم، أو ممن فوق شيوخهم، هو قول لهم أيضا، لأن هذا هو الظاهر من سياقه لكلام من تقدمه، وأنه يوافقه عليه، ما لم يصرح بخلاف ذلك.
-
والظاهر أنه يلتحق بذلك أيضا ما وضع من مصنفات وإن لم يكن غرضها الأساس هو النقد، بل الجمع والاستنباط، مثل «السنن الأربع» ، فما ينقله أبو داود عن أحمد، أو ما ينقله الترمذي عن البخاري، إنما نقله في الحديث المعين بغرض نقده، فهو رأي له أيضا.
-
ومما يشكل في هذه الصورة ما كتبه تلامذة النقاد من أجوبة النقاد، فالتلميذ ناقد أيضا، فهل يقال مثلا إن قول أحمد في سؤالات أبي داود له قول لأبي داود أيضا، وكذلك الترمذي في «العلل الكبير» مع البخاري، أو ابن أبي حاتم في «علل الحديث» مع أبيه وأبي زرعة؟
-
ومثله ما يورده الناقد ابتداء، فليس في سياق جواب سؤال، مثل ما يذكره أحمد لابنه عبدالله، عن شيخه يحيى القطان، أو ما يرويه يحيى، عن شعبة، ونحو ذلك.
-
وفي الجواب عن هذا الإشكال يمكن أن يقال إننا نرى التلاميذ يعترضون على كلام شيوخهم، ومن تقدمهم، إذا تبين لهم خلاف ما ذكره الشيخ، وهذا كثير، فسكوتهم دال على أنهم موافقون له فيما أجاب به، وكذلك فإن التلميذ يزيد كلام شيخه إيضاحا، حين يرى أن في جوابه عوزا، وينص على ذلك، وعليه فإن الأصل موافقة التلميذ لما ذكره عن شيخه أو من فوقه في هذه الحالة،