ثالثا: تصرفات النقاد في مصنفاتهم
١١٢ فقرة، ج ٢ ص ٤٧٥
الصفحة ١ من ٣
- ج ٢ ص ٤٧٥
ما لم يتبين خلاف ذلك.
-
وهذا الجواب فيه قوة، لكن الذي يظهر لي أنه لا بد من قرينة تدل على أن الناقل مستروح للرأي الذي نقله عن شيخه، أو من تقدمه، لكي تصح نسبته إليه، وإلا فالأصل أنه مجرد ناقل.
-
والباحث حين يعتمد على إشارة الناقد في الصور السابقة يجمل به أن يوضح الأمر الذي اعتمد عليه، لئلا يظن القارئ أن الناقد صرح بذلك، فيقول الباحث مثلا: وهذا قول ابن معين -فيما يظهر-، فإنه سئل عن هذا الاختلاف، فأجاب بأن فلانا أحفظ، أو يقول الباحث: وهذا قول يحيى القطان، نص عليه، وكذا أحمد -فيما يظهر-، فقد نقل قول القطان حين سأله ابنه عبدالله عن هذا الاختلاف ... ، وهكذا.
-
ويغتفر للباحث أن يدرج الناقد مع غيره من النقاد، إذا كثروا، وصار الترجيح ظاهرا، كأن يقول: وإلى هذا ذهب ابن المديني، وأحمد، وأبو حاتم، والعقيلي، وابن عدي، مع أن العقيلي لم ينص على هذا الرأي، لكن الباحث استنبط رأيه من نقله لقول ابن المديني.
-
ومما تستفاد منه آراء النقاد -بالإضافة إلى التصريح، والإشارة- ما يعرف بتصرفات النقاد في مصنفاتهم، وذلك في مصنفات لم توضع في الأساس للنقد، وإنما وضعت لجمع السنة، وربما الاستنباط منها أيضا، مثل الكتب الستة، و «صحيح ابن خزيمة» ، و «شعب الإيمان» للبيهقي، ففيها أحاديث كثيرة جدا مما وقع فيه اختلاف، ولا إشكال فيما صرح به المؤلف من اختياره، كأن يقول: هذا
ج ٢ ص ٤٧٦هو الصواب، والذي قبله خطأ، أو وهم فلان في كذا، وكذلك فيما أشار فيه إلى الصواب إشارة، على ما تقدم آنفا.
-
والكلام الآن فيما يورده هؤلاء من اختلاف، ولا يصرحون برأيهم، أو يشيرون إليه إشارة، بل يكتفون بسوق الاختلاف، وربما وضع بعضهم عنوانا له، كما يقول النسائي: ذكر الاختلاف على فلان، ويسوق عنه أوجها.
-
وقد تكلم العلائي على هذه القضية، فقال: «إذا اقتصر على الإشارة إلى العلة فقط، بأن يقول -مثلا- في الموصول: رواه فلان مرسلا، ونحو ذلك، ولا يتبين أي الروايتين أرجح، فهذا هو الموجود كثيرا في كلامهم، ولا يلزم منه رجحان الإرسال على الوصل» (١) .
- (١)«النكت على كتاب ابن الصلاح» ٢: ٧١١، ٧٧٧، وانظر أمثلة ذلك: «العلل الكبير» ١: ٢٧٢ - ٢٧٣.
-
ومما يساعد ما ذهب إليه العلائي أن الناقد في كتب السؤالات حين يورد وجها آخر في مقابل وجه ذكر له، أو هو يورد ابتداء وجهين أو أكثر، ربما سأله التلميذ عن رأيه في هذا الاختلاف، وقد يصححهما جميعا، أو يضعفهما جميعا، أو يرجح فيهما، وهذا كثير (٢) ، فسؤال التلميذ دال على أن مجرد ذكر الاختلاف، أو الوجه المخالف ليس اختيارا.
- (٢)ينظر مثلا: «علل ابن أبي حاتم» (١٠)، (١٢)، (٤٨٧)، (٩٧٠)، (٩٧٦).
-
وعلى هذا يمكن القول بأن الناقد حين يورد وجهين لا يؤخذ من مجرد ذلك رأي له، ما لم يظهر من الناقد إشارة لاختياره، فإن ظهر من كلامه إشارة عمل بها على ما تقدم آنفا، وكذلك إذا أمكن معرفة رأيه من تصرفه، وهذا
ج ٢ ص ٤٧٧موضع الحديث هنا، إذ يمكن أن يعرف اختيار الناقد بسبر طريقته في كتابه، وهذا هو المقصود بالتصرف، كما قال ابن رجب في كلامه على «سنن الترمذي» : «وقد اعترض على الترمذي -رحمه الله- بأنه في غالب الأبواب يبدأ بالأحاديث الغريبة الإسناد غالبا، وليس ذلك بعيب، فإنه -رحمه الله- يبين ما فيها من العلل، ثم يبين الصحيح في الإسناد، وكان مقصده -رحمه الله- ذكر العلل، ولهذا تجد النسائي إذا استوعب طرق الحديث بدأ بما هو غلط، ثم يذكر بعد ذلك الصواب المخالف له.
-
وأما أبو داود -رحمه الله- فكانت عنايته بالمتون أكثر، ولهذا يذكر الطرق واختلاف ألفاظها، والزيادات المذكورة في بعضها دون بعض، فكانت عنايته بفقه الحديث أكثر من عنايته بالأسانيد، فلهذا يبدأ بالصحيح من الأسانيد، وربما لم يذكر الإسناد المعلل بالكلية ... » (١) .
- (١)«شرح علل الترمذي» ٢: ٦٢٥.
-
وأشار السخاوي في كلام له على حديث إلى أن أبا داود إذا قدم الوجه المرسل فهو مشعر بترجيحه (٢) ، وذكر هذا عن السخاوي الباحث تركي الغميز، ثم قال: «وهذا الذي أشار إليه السخاوي لحظته في الأحاديث التي بهذه المثابة» (٣) .
- (٢)«المقاصد الحسنة» ص ٣٦.
- (٣)«الأحاديث التي أشار أبو داود في سننه إلى تعارض الوصل والإرسال فيها» ص ٥٣.
-
وكذا ذكر الباحث محمد الفراج في الأحاديث التي يسند أبو داود فيها المرفوع، والموقوف، فقال: «والأكثر هنا أن يقدم الموقوف على المرفوع، وإذا قدم
ج ٢ ص ٤٧٨الموقوف فهو أصح في الغالب، ولم يخالف هذه القاعدة إلا حديث واحد، وهو محتمل، وقد يكون اختيار أبي داود أيضا وقفه» (١) .
- (١)«الأحاديث التي بين أبو داود في سننه تعارض الرفع والوقف فيها» ص ٥٦.
-
وأجدني هنا مضطرا للحديث بشيء من التفصيل عن «صحيحي البخاري ومسلم» ، فكثير من الناس لا يدرك أنهما من أهم كتب نقد المرويات، وهذا ظاهر جدا فيما أعرضا عن إخراجه من أحاديث هي أصول في أبوابها، إذ لا مناص من القول إنهما تركاها لعلة فيها، وكثير منها وقع في أسانيدها اختلاف، ولهذا ينص العلماء في كلامهم على بعض الأحاديث، أو على بعض الأسانيد لها، على أنهما تركاها للاختلاف على فلان، مثل أبي عوانة في «مستخرجه على مسلم» (٢) ، والحاكم في «المستدرك» (٣) ، وابن حجر في «فتح الباري» (٤) ، وهذا شأن تقدم التنبيه عليه في مواضع، منها في «الاتصال والانقطاع» (٥) .
- (٢)«مسند أبي عوانة» ٢: ٤٦٩ طبعة دار المعرفة، و «إتحاف المهرة» ١٤: ٥٠٤.
- (٣)انظر مثلا: ١: ٧٧، ٢٧٩، ٢: ٥١، ٣: ٣٣٦، ٤: ٥٢٧.
- (٤)انظر مثلاً: «فتح الباري» ١: ١٣٨، ٥٢١.
- (٥)«الاتصال والانقطاع» ص ٤٥٥ - ٤٥٩.
-
وأشير هنا إلى أن من دقائق النقد لما تركاه، أن يخرج الواحد منهما حديثا بإسناده، ثم يدع من متن هذا الحديث جملة طويلة أو قصيرة، لعلة فيها، حسب اجتهاده، ويحضرني من هذا الضرب مواضع في الكتابين، وبعضها نبه عليه الشراح، ويخطر في بالي أنها عند البخاري أكثر منها عند مسلم.
- ج ٢ ص ٤٧٩
والذي يهمنا هنا ما يتعلق بنقد ما أورداه في كتابيهما، تصريحا، أو إشارة، أو تصرفا، فهذا موجود في الكتابين بكثرة، وما يوردانه من علل على أصل حديث عندهما، فالظاهر أن غرضهما أن تلك العلة غير مؤثرة، إما لرجحان الوجه التام، أو لترجيح حفظ الوجهين، فكأن مرادهما الإشارة إلى اطلاعهما على الاختلاف وأنه غير مؤثر أصلا، أو هو مؤثر على معنى نزول الحديث عن المرتبة العليا من الصحة، وليس مؤثرا على أصل الصحة، وقد تقدمت الإشارة إلى شيء من هذا في الكلام على الوجه الراجح في المبحث الثاني من الفصل الرابع.
-
ومن ذلك أيضا حديث عمر بن أبي سلمة في قصة أكله مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقد أخرجه البخاري من طريق الوليد بن كثير، ومحمد بن عمرو بن حلحلة، عن وهب بن كيسان، عن عمر بن أبي سلمة بالقصة، ثم ساق رواية مالك، عن وهب بن كيسان بالقصة مرسلة (١) .
- (١)«صحيح البخاري» حديث (٥٣٧٦ - ٥٣٧٨)، وانظر مثالا آخر في «صحيح البخاري» حديث (٢٣٥٩ - ٢٣٦٢)، (٢٧٠٨)، (٤٥٨٥)، و «العلل الكبير» ١: ٥٥٩.
-
والكتابان موضوعان للحديث الصحيح، وما فيه علة توجب ضعفه قد تركاه ابتداء، ولهذا قال الترمذي في كلامه على الاختلاف على أبي إسحاق السبيعي، في تسمية من فوقه، في حديث عبدالله بن مسعود في الاستنجاء بالأحجار: «فسألت محمدا عن هذا الحديث، فقلت: أي الروايات عندك أصح في هذا الباب؟ فلم يقض فيه بشيء، وكأنه رأى حديث زهير أصح، ووضع حديث زهير في
ج ٢ ص ٤٨٠كتاب «الجامع» ، » (١) .
- (١)«العلل الكبير» ١: ١٠٠، ورواية زهير هي عن أبي إسحاق، عن عبدالرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن ابن مسعود، وهي في «صحيح البخاري» حديث (١٥٦).
-
ولا يخرج عن هذا الظاهر إلا بدلالة قوية ترجح أن الواحد منهما أخرج الحديث الذي فيه اختلاف، مع ترجيحه للوجه الناقص الذي لم يستوف شروط الصحة، كأن يرجح كونه مرسلا، فيكون قد تسامح في النزول عن الشرط لسبب.
-
وأما ما يوردانه من علل وبيان اختلاف يتعلق ببعض الإسناد أو المتن، فهذا كثير عندهما، وقد ذكر مسلم في مقدمة كتابه أنه سيذكر علل بعض الأحاديث، فقال بعد شرح منهجه في انتقاء أحاديثه: «قد شرحنا من مذهب الحديث وأهله بعض ما يتوجه به من أراد سبيل القوم، ووفق لها، وسنزيد -إن شاء الله تعالى- شرحا وإيضاحا في مواضع من الكتاب، عند ذكر الأخبار المعللة، إذا أتينا عليها في الأماكن التي يليق بها الشرح والإيضاح، إن شاء الله تعالى» (٢) .
- (٢)«صحيح مسلم» ١: ٨.
-
وقد وفى مسلم بما وعد به، فأكثر من تعليل زيادات ألفاظ في المتون، أو تغيير في متن الحديث، وكذلك في الإسناد، من زيادة راو، أو تغيير في اسمه، ونحو ذلك، وكذا صنع البخاري، فساق كثيرا من أوجه الاختلاف بغرض تعليلها، وهذا ظاهر لمن تأمل الكتابين.
-
ولا يظن ظان أن هذا فيه تجن على صاحبي الصحيح، بوجود أحاديث معللة في الكتابين، بل هو دفاع عنهما، فإن بعض ما انتقد عليهما لا عتب عليهما
ج ٢ ص ٤٨١في إخراجه، إذ غرضهما تعليله فيما يظهر، وقد ذكر أبو الفضل بن عمار الشهيد عدة أحاديث في كتابه «علل الأحاديث في كتاب الصحيح لمسلم بن الحجاج» فيها علل في متونها، ويظهر جدا من سوق مسلم لأسانيدها ومتونها أن غرضه كان بيان ما فيها من علل (١) ، وكذلك الحال بالنسبة للدارقطني مع مسلم (٢) .
- (١)«علل الأحاديث في كتاب الصحيح لمسلم بن الحجاج» الحديث (١)، (٩)، (١١).
- (٢)انظر: «الأجوبة عما أشكل الدارقطني على صحيح مسلم» لأبي مسعود الدمشقي الحديث رقم (٢).
-
ويبقى النظر في طريقة معرفة كون الشيخين أرادا بيان العلة وأنها مؤثرة أو غير مؤثرة، إذ هما في النادر ينصان على ذلك، لكن النص عليه موجود في الكتابين، فمن ذلك قول البخاري بعد أن روى عن أزهر بن جميل، عن عبدالوهاب الثقفي، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قصة ثابت بن قيس وزوجه: «لا يتابع فيه عن ابن عباس» ، ثم أخرجه من طريق خالد الواسطي، عن خالد الحذاء، عن عكرمة مرسلا، وعلقه أيضا عن إبراهيم بن طهمان، عن خالد الحذاء مرسلا كذلك.
-
فمراد البخاري بيان علة إسناد أزهر بن جميل، فإن ذكر ابن عباس في رواية خالد الحذاء لا يصح، غير أن أصل الحديث ثابت عند البخاري من طريق أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، وقد ساقه البخاري بعد طريق خالد الحذاء، وبين الاختلاف فيه على أيوب أيضا وصلا وإرسالا، لكنه يرجح هنا وصل الحديث من طريق أيوب (٣) .
- (٣)«صحيح البخاري» حديث (٥٢٧٣ - ٥٢٧٧)، وانظر أمثلة أخرى: حديث (٢٥٣)، (٩٣٦)، (١٣٩٦)، (١٥٩٠)، (١٥٩٣)، (٢١٤٨)، (٢٧١٨)، (٢٨٣٩)، (٣٤٢٤)، (٥٠٦١)، (٥٩٩٠)، (٦٤٠٤)، (٦٨٤٠)، (٧٢٨٤ - ٧٢٨٥)، (٧٠١٧).
- ج ٢ ص ٤٨٢
وأخرج مسلم عدة أحاديث في قصة الإسراء والمعراج، وذكر منها حديث أنس بن مالك، من رواية شريك بن أبي نمر، عن أنس، وساق طرفا منه، وأحال باقيه على رواية ثابت، عن أنس، ثم قال في نقد رواية شريك: «وقدم فيه شيئا وأخر، وزاد ونقص» (١) .
قال ابن القيم: «وقد غلط الحفاظ شريكا في ألفاظ من حديث الإسراء، ومسلم أورد المسند منه، ثم قال: فقدم وأخر، وزاد ونقص، ولم يسرد الحديث، فأجاد رحمه الله» (٢) .
- (١)«صحيح مسلم» حديث (١٦٢ - ١٦٨).
- (٢)«زاد المعاد» ٣: ٤٢، وانظر أيضا في نقد رواية شريك: «الجمع بين الصحيحين» لعبدالحق ١: ١٢٧، و «تفسير ابن كثير» ٣: ٣، و «فتح الباري» ١٣: ٤٨٠ - ٤٨٦.
-
ولما أخرج مسلم طرق حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، في قصة استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش، قال: «في حديث حماد بن زيد حرف تركنا ذكره» ، يعني به الأمر بالوضوء لكل صلاة (٣) .
- (٣)«صحيح مسلم» حديث (٣٣٣)، و «سنن النسائي» حديث (٢١٧)، (٣٦٢)، و «سنن ابن ماجه» حديث (٦٢١)، و «سنن البيهقي» ١: ١١٦، ٣٤٣، وانظر أمثلة أخرى في «صحيح مسلم» حديث (٧١١)، (١١٦٢)، (٢٧٣٩).
-
فإذا لم ينصا على ذلك فهذا موضع فيه غموض، وأرى أنه يمكن معرفة ذلك بأحد أمرين:
ج ٢ ص ٤٨٣أحدهما: أن يكون صاحب الصحيح قد جاء عنه قول في الرواية في غير الصحيح، تصحيحا أو تعليلا.
-
مثال ذلك عند البخاري رواية سماك بن عطية، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن أنس قال: «أمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة، إلا الإقامة» (١) ، فإن البخاري ذكر هذه الرواية في ترجمة سماك بن عطية في «التاريخ الكبير» (٢) ، فالظاهر أنه يرى أن فيها علة، فقوله في آخر الحديث: «إلا الإقامة» ، مدرج في الحديث من كلام أيوب السختياني (٣) .
- (١)«صحيح البخاري» حديث (٦٠٥).
- (٢)«التاريخ الكبير» ٤: ١٧٤.
- (٣)بينت ذلك بالتفصيل في تخريج كتاب «التحقيق» لابن الجوزي حديث (٤٠٩).
-
ومثاله عند مسلم رواية مالك، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، في حديث صلاته - صلى الله عليه وسلم - بالليل، وفيه: «فإذا فرغ منها اضطجع على شقه الأيمن، حتى يأتيه المؤذن، فيصلي ركعتين خفيفتين» ، وقد صدر بها مسلم أحاديث الباب (٤) .
- (٤)«صحيح مسلم» حديث (٧٣٦).
-
فهذا الحديث بهذا اللفظ انتقده مسلم في كتاب «التمييز» على مالك (٥) ، وسوقه لطرق الحديث في الصحيح عن الزهري يدل أيضا على توهيم مالك، وذلك في جعله ركعتي الفجر بعد الاضطجاع، والصواب أنه يركعهما قبل أن يضطجع (٦) .
- (٥)«أطراف الموطأ» للداني ٤: ٤٩.
- (٦)وانظر مثالين آخرين في «صحيح البخاري» حديث (٢٣٥٩ - ٢٣٦٢)، (٢٧٠٨)، (٤٥٨٥) مع «العلل الكبير» ١: ٥٩٥، و «صحيح البخاري» حديث (٥١٠٨) «العلل الكبير» ١: ٤٤٢، و «سنن البيهقي» ٧: ١٦٦، و «فتح الباري» ٩: ١٦١، ومثالا آخر أخرجاه على وجهين، وجاء عن البخاري تصحيحهما، وعن مسلم تصويب أحد الوجهين، في: «صحيح البخاري» حديث (٢٢٠٣ - ٢٢٠٤)، (٢٢٠٦)، (٢٣٧٩)، (٢٧١٦)، و «صحيح مسلم» حديث (١٥٤٣)، و «العلل الكبير» ١: ٤٩٨، و «سنن البيهقي» ٥: ٣٢٤.
- ج ٢ ص ٤٨٤
والثاني: أن يظهر من سوقه لطرق الحديث ترجيحه أن العلة مؤثرة أو غير مؤثرة، وقد تقدم شيء من هذا في الفصول السابقة.
-
ومن أمثلته أيضا أن البخاري أخرج من طريق شعيب، عن الزهري، عن أنس، قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي العصر والشمس مرتفعة حية، فيذهب الذاهب إلى العوالي، فيأتيهم والشمس مرتفعة» .
-
ثم أخرجه من طريق مالك، عن الزهري، عن أنس بن مالك، قال: «كنا نصلي العصر، ثم يذهب الذاهب إلى قباء، فيأتيهم والشمس مرتفعة» (١) .
قال ابن رجب: «إنما خرجه من هذين الوجهين، ليبين مخالفته (يعني مالكا) لأصحاب الزهري في هذا الحديث، وقد خالفهم فيه من وجهين، أحدهما: أنه لم يذكر فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - ... ، والثاني: أن مالكا قال في روايته: «ثم يذهب الذاهب إلى قباء» ... » (٢) .
- (١)«صحيح البخاري» حديث (٥٥٠ - ٥٥١)، وأخرجه أيضا من طريق صالح بن كيسان، عن الزهري، بمثل رواية شعيب، وكذا علقه عن يونس، عن الزهري، لكنه لم يسق لفظه: حديث (٧٣٢٩).
- (٢)«فتح الباري» ٤: ٢٨٣.
- ج ٢ ص ٤٨٥
وكذا صنع مسلم، فإنه أخرجه من طريق الليث بن سعد، وعمرو بن الحارث -مفرقين-، ثم أتبعهما برواية مالك (١) .
- (١)«صحيح مسلم» حديث (٦٢١).
-
ولما ذكر الدارقطني في «التتبع» رواية مالك، وانتقد الشيخين في تخريجهما، كأنه اعتذر لهما بأن غرضهما نقدها، فقال: «وقد أخرجا قول من خالف مالكا أيضا» (٢) .
- (٢)«التتبع» ص ٤٥٧، وانظر في الكلام على رواية مالك أيضا: «الأحاديث التي خولف فيها مالك بن أنس» للدارقطني حديث (١٦)، و «التمهيد» ٦: ١٧٨، و «فتح الباري» لابن حجر ٢: ٣٦.
-
وروى مسلم عن يحيى بن يحيى، عن مالك، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» .
ثم أخرجه عن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، وفيه: «من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام ... » .
-
ثم ساق طرقا كثيرة إلى الزهري، ومنها طريق يونس من رواية ابن المبارك عنه، ثم قال: «بمثل حديث يحيى، عن مالك، وليس في حديث أحد منهم «مع الإمام» ، » (٣) .
- (٣)«صحيح مسلم» حديث (٦٠٧).
-
وسياق مسلم لحديث الزهري بهذه الصفة يظهر منه جدا أن زيادة «مع
ج ٢ ص ٤٨٦الإمام» لا تصح عنده، فإن الحديث في إدراك الوقت، سواء كان مع الإمام أو منفردا، ولهذا ساق مسلم بعده طرقا أخرى إلى أبي هريرة، وفيها التصريح بأن المقصود به إدراك الوقت، وساق أيضا في أثنائها حديث عائشة (١) .
- (١)انظر: «هل يدرك المأموم الركعة بإدراكه الركوع مع الإمام؟ » للمعلمي ص ٤٤.
-
وأخرج مسلم من طريق مروان بن معاوية، عن عثمان بن حكيم، عن سعيد بن يسار، عن ابن عباس: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في ركعتي الفجر في الأولى منهما: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} ، وفي الآخرة منهما: {آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} ، » .
-
ثم أخرجه من طريق أبي خالد الأحمر، عن عثمان بن حكيم، لكنه ذكر الآية الثانية: {تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} .
-
ثم عاد فأخرجه من طريق عيسى بن يونس، عن عثمان بن حكيم، وذكر أنه بمثل حديث مروان (٢) .
- (٢)«صحيح مسلم» حديث (٧٢٧).