التحريف والسقط داء قديم شكى منه الأولون وذكر أمثلة له في المصادر الأصلية
١٩ فقرة، ج ١ ص ٩٦
- ج ١ ص ٩٦
أبي بردة، وأما طريق أبي إسحاق فهو في (٧/ ٣٧٢ ح ٢٩٧٠) .
-
ووقوع الباحثين في مثل هذا -وهو كثير جدا- يقودنا إلى التنبيه على مثل ما تقدم في الفصل الذي قبل هذا، وهو استفادة الباحث من جهود السابقين في جمع الطرق غير أنه لا يعتمد عليهم في استقصائها، فقد يفوتهم شيء يقف عليه هو، فكذلك هنا، يستفيد من جهود من سبقه في العزو والتخريج، لكن لا يركن إلى عزوهم وتخريجهم، ووصفهم للروايات، وتصنيفها، وعليه أن يراجع المصادر، وينقل منها مباشرة.
-
ويوصى الباحث كذلك إذا رجع إلى المصدر -أيا كانت السبيل التي وصل بها إليه- أن يتأنى كثيرا، ويدقق في الإسناد الذي فيه، ويقرأه مرات عديدة، ويتأكد من رواته، ومن صفة الرواية فيه، قبل أن يلحقه برسمه التوضيحي.
-
وبهذا المنهج تقل الأخطاء عند الباحث، فليس المطلوب منه أن لا يخطئ أبدا، فهذا من تكليف ما لا يطاق، وإنما المطلوب أن لا تكثر منه الأخطاء، وتتراكم عليه مع أخطاء غيره.
-
تاسعا: يكثر في المصادر التحريف والسقط، في الأسانيد والمتون، ويهمنا هنا ما يتعلق بالأسانيد، فتتحرف الأسماء، وصيغ التحديث، وربما سقط بعض الإسناد فتداخل مع غيره، وقد يجتمع هذا كله.
-
وهذا داء قديم، شكى منه الأولون، ومن طالع كتاب أبي علي الجياني «تقييد المهمل وتمييز المشكل» رأى قدرا كبيرا مما وقع لبعض النسخ والروايات لـ «صحيحي البخاري ومسلم» ، مع شدة الاعتناء بهما.
- ج ١ ص ٩٧
ثم استفحل هذا الداء في الوقت الراهن بصفة مفزعة، لانتشار الطباعة، وطباعة الكتب دون تحقيق، أو بتحقيق غير جيد -وما أكثر ذلك-.
-
ومن أمثلة هذا الإسناد الماضي في الفقرة سادسا، فقد وقع في «مسند أحمد» هكذا: حدثنا أبو معاوية، ووكيع، قالا: حدثنا الأعمش، ومجاهد ... ، وفيه خطأ، فأبو معاوية، ووكيع، لا يرويانه عن الأعمش، ومجاهد، وإنما يرويانه عن الأعمش، عن مجاهد.
-
ومر بعض الباحثين وهو يحقق كتابا مشهورا من كتب السنة بحديث محمد بن فضيل، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كلمتان خفيفتان على اللسان ... » الحديث، فقال الباحث في تخريجه بعد أن خرجه من مصادر عديدة من طريق محمد بن فضيل: «وأخرجه أبو نعيم في «الحلية» ١٠/ ٤٠٠ من طريق العباس بن يزيد بن فضيل، عن عمارة، به».
-
كذا صنع الباحث، والسقط ظاهر في هذا الإسناد، وليس في الرواة من اسمه العباس بن يزيد بن فضيل، وهذا الحديث يتفرد به محمد بن فضيل، عن عمارة بن القعقاع، لا يعرف إلا من طريقه، كما تقدم في المبحث الثاني من الفصل الأول، ولعل الصواب: العباس بن يزيد، عن ابن فضيل، والعباس بن يزيد هو البحراني، يروي عن محمد بن فضيل.
-
وروى مسلم بإسناده عن إسماعيل بن علية، عن حميد الطويل، عن أبي
ج ١ ص ٩٨رافع، عن أبي هريرة: «أنه لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - في طريق من طرق المدينة وهو جنب ... » الحديث (١) .
- (١)«صحيح مسلم» حديث (٣٧١).
-
كذا وقع في النسخة، وفيها سقط، فحميد يرويه عن بكر بن عبدالله المزني، عن أبي رافع، قال ابن حجر: «سقط بكر بن عبدالله من السند في أكثر النسخ من «صحيح مسلم» ، وثبت في بعضها من رواية بعض المغاربة، وكذا هي عندي بخط أبي الحسن المرادي الراوي عن الفراوي» (٢) .
وروى عبدالرزاق، عن ابن جريج، وعمرو بن دينار، أن حسن بن محمد أخبره: «أن فاطمة بنت النبي - صلى الله عليه وسلم - دفنت بالليل ... » الحديث (٣) .
كذا وقع في النسخة، وصوابه: ... عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار ... ، فعبدالرزاق لم يدرك عمرو بن دينار، وإنما يروي الحديث عنه بواسطة ابن جريج، ورواه مرة أخرى عن ابن عيينة، عن عمرو (٤) .
ومن ذلك ما وقع في بعض طبعات «تفسير الطبري» ... عن عمرو بن الحارث، عن أبي الشيخ، عن عبدالرحمن بن جبير، عن عبدالله بن عمرو بن العاص، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} : «الرؤيا الصالحة
ج ١ ص ٩٩يبشر بها العبد ... » (١) .
- (٢)«النكت الظراف» ١٠: ٣٨٥، وانظر: «تقييد المهمل» ٣: ٧٩٧.
- (٣)«مصنف عبدالرزاق» حديث (٦٥٥٤).
- (٤)«مصنف عبدالرزاق» حديث (٦٥٥٥).
- (١)«تفسير الطبري» ١١: ١٣٥.
-
فقوله: عن أبي الشيخ، صوابه: عن أبي السمح، واسمه دراج (٢) ، وقد خرج أحد المشايخ الفضلاء في تحقيقه لكتاب من كتب السنة هذا الحديث، فنقل هذا الإسناد من «تفسير الطبري» كما هو، وجعل أبا الشيخ متابعا لأبي السمح، وهو هو وقع فيه تحريف.
- (٢)«مسند أحمد» ٢: ٢١٩، و «تفسير الطبري» ١١: ١٣٧، و «شعب الإيمان» حديث (٤٤٣٢).
-
ومن ذلك ما وقع في «تفسير الطبري» أيضا: حدثنا أبو هشام الرفاعي، حدثنا أبو فضيل، قال: حدثنا أبي، عن عمارة بن القعقاع الضبي، عن أبي زرعة، عن عمرو بن حمزة البجلي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن من عباد الله عبادا يغبطهم الأنبياء والشهداء ... » (٣) .
- (٣)«تفسير الطبري» ١١: ١٣٢.
-
والصواب في هذا الإسناد هكذا: حدثنا أبو هشام الرفاعي، حدثنا ابن فضيل، قال: حدثنا أبي، وعمارة بن القعقاع الضبي، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير البجلي، عن أبي هريرة (٤) .
- (٤)«سنن النسائي الكبرى» حديث (١١٢٣٦)، و «شعب الإيمان» حديث (٨٥٨٤)، لكن وقع فيه: «عن أبيه، عن عمارة بن القعقاع» وهو خطأ، وفي تخريج محققه ما يدل على أنه اعتمد هذا الخطأ، وانظر: «الإخوان» لابن أبي الدنيا حديث
-
وقد قيل في هذا الإسناد عن «عمر» مكان «أبي هريرة» ، خرجه جماعة منهم
ج ١ ص ١٠٠أبو نعيم في «الحلية» ، ووقع فيه أيضا تحريف، لكنه أخف مما وقع في تفسير الطبري، فوقع فيه هكذا: ... عن قيس بن الربيع، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن عمرو بن جرير، عن عمر (١) .
- (٥)، و «مسند أبي يعلى» حديث (٦١١٠)، و «صحيح ابن حبان» حديث (٥٧٣).
- (١)«حلية الأولياء» ١: ٥.
-
وذكره الشيخ أيضا في تحقيقه للكتاب المشار إليه، شاهدا لحديث أبي هريرة، ثم قال: «وهذا إسناد جيد» .
وصواب الإسناد: ... عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن عمر (٢) ، وأبو زرعة هذا لم يدرك عمر بن الخطاب (٣) .
- (٢)«سنن أبي داود» حديث (٣٥٢٧)، و «شعب الإيمان» حديث (٨٥٨٥ - ٨٥٨٦)، و «تفسير الواحدي» ٢: ٥٥٢، و «تفسير الطبري» ١١: ١٣٢، و «تفسير ابن أبي حاتم» حديث (١٠٤٥٣).
- (٣)«شعب الإيمان» بعد حديث (٨٥٨٤)، و «تهذيب التهذيب» ١٢: ٩٩.
-
وسئل الدارقطني عن حديث حفص بن عاصم، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يحسر الفرات عن جبل من ذهب» ، فقال: «يرويه خبيب بن عبدالرحمن، واختلف عنه، فرواه عبيدالله بن عمر، عن خبيب مرفوعا، واختلف عن شعبة، فرفعه الحميدي، عن شعبة، ووقفه غيره، والصحيح عن شعبة الموقوف، والصحيح عن عبيدالله المرفوع» (٤) .
- (٤)«علل الدارقطني» ١٠: ٢٧٧.
-
كذا في النسخة: الحميدي، عن شعبة، والحميدي لم يدرك شعبة، ففي العبارة تصحيف أو سقط، ولا بد (٥) .
- (٥)وهو في الطبعة الجديدة بتحقيق الشيخ محمد الدباسي (٥/ ١٩٢) على الصواب: «فرفعه الجُدِّي عن شعبة»، وذكر المحقق أنها في إحدى النسختين هكذا.