أشد خطورة من العبارات الموهمة أن يخطئ الباحث في التعبير عن مراده

٨ فقرات، ج ٢ ص ٥٣٤

  1. أيضا في المقصود بها من هذه الاختلافات، مميزة لنتيجة النظر فيه عن نتيجة النظر في الاختلاف الآخر.

    ج ٢ ص ٥٣٤
  2. ولا يمكن بحال أن يرشد الباحث إلى عبارات معينة يقولها، فكل حديث له عباراته اللائقة به، بحسب تعدد المدارات، وتنوع الاختلافات.

  3. والمهم هنا أنه لا يليق بالباحث بعد طول عناء أن يستعجل في إثبات العبارة التي لخص بها نتيجة نظره في اختلاف معين، فلا يطلق -مثلا- فيقول: والمحفوظ هو كون الحديث عن فلان، ويترك القارئ هكذا، وغرضه بالحفظ هنا أي عن المدار، ولكن المدار قد خولف، فالمحفوظ في النهاية خلاف هذا، بل عليه أن يحدد مراده بالحفظ هنا، وإذا قال: أصح الوجهين هو كذا، لثقة رواته وجلالتهم، ومقصوده أنه أصح الوجهين إلى مداره، لكنه بعده لا يصح، لضعف في الرواة، أو غير ذلك، فالعبارة موهمة إذن.

  4. وأشد خطورة من العبارات الموهمة أن يخطئ الباحث في التعبير عن مراده، ويظهر من عبارته التناقض، وأذكر في هذا المقام حالة قَلَّ أن قرأت لباحث في ابتداء أمره -الماجستير أو الدكتوراه مثلا- إلا ويخطئ فيها، وهي ما إذا صح عن المدار وجهان، وهو يخطئ في واحد منهما، إما لكونه حدث به من حفظه، أو في حال تغيره، ونحو ذلك، أو كان يتعمد ذلك كما في التدليس، فيقول الباحث في حديث اختلف فيه على أبي إسحاق السبيعي: والمحفوظ عن أبي إسحاق الوجه الأول، فإن الوجه الثاني يرويه زهير بن معاوية، وهو إن كان ثقة ثبتا غير أنه سمع من أبي إسحاق بعد تغيره، ونحو هذه العبارة.

  5. فهذه العبارة متناقضة، فإذا كان زهير بن معاوية ثقة ثبتا، وسمع من أبي إسحاق بعد تغيره، فالوجه الذي يرويه محفوظ عن أبي إسحاق أيضا ولا بد، وإلا تناقضت العبارة، وما يوجد في كلام النقاد في مثل هذا، كأن يقول الناقد: والصحيح الوجه الأول، فسماع زهير من أبي إسحاق متأخر، يريد به الناقد أن الصحيح من روايتي أبي إسحاق -وكلاهما محفوظ عنه- ما حَدَّث به قبل تغيره، وأما ما حَدَّث به بعد تغيره فهو خطأ منه، وإن كان محفوظا عنه.

    ذكر أحد الباحثين ما رواه عبدالرزاق، ومحمد بن جعفر، عن معمر، عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله، عن أم قيس بنت محصن، قالت: «دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بابن لي ... » الحديث (١) .

    1. (١)«مسند أحمد» ٦: ٣٥٦.
    ج ٢ ص ٥٣٥
  6. ورواه يزيد بن زريع، عن معمر، عن الزهري، عن عبيدالله مرسلا (٢) .

    قال الباحث في النظر بين الروايتين: «والذي يظهر أن هذه الرواية (يعني رواية يزيد بن زريع المرسلة) غير محفوظة عن معمر، وذلك لأن راويها -مع كونه ثقة ثبتا- إلا أنه بصري، ومعمر مضعف في حديثه بالبصرة، خاصة وأن يزيد لم يتابع على روايته هذه، فترجح الرواية الأولى عليها بالكثرة، وكون أحد راوييها عبدالرزاق، وهو صنعاني، وعُدَّ من أثبت أصحاب معمر».

    1. (٢)«الطب النبوي» لأبي نعيم (٣٤٥)، و «علل الدارقطني» ١٥: ٤٢٢.
  7. فهذا الكلام من الباحث في تلخيص نتيجة النظر بين الروايتين، وقرائن

    ج ٢ ص ٥٣٦ذلك، مضطرب جدا غير مستقيم، ذلك أن يزيد بن زريع ثقة ثبت، ومعمر مضعف فيما حدث به بالبصرة، كما يقرره الباحث، وعليه فلا بد أن تكون الرواية هذه محفوظة عن معمر، فيكون قد حدث بالوجهين، فالوجه الصواب حدث به باليمن، وهو الذي رواه عنه عبدالرزاق، والوجه الثاني الذي قصر به معمر حدث به بالبصرة، وهو الذي رواه عنه يزيد بن زريع.

  8. وهناك أمر لم يشر إليه الباحث، وهو أن معمرا قد حدَّث بالصواب أيضا في البصرة، فقد رواه عنه مع عبدالرزاق محمد بن جعفر المعروف بغندر، وهو بصري، ولا رحلة له إلى اليمن، وقد سمع من معمر بالبصرة، فيكون معمر قد اضطرب في روايته للحديث بالبصرة، والوجهان محفوظان عنه، وهو يخطئ في أحدهما، يقصر بالحديث فيرسله.