المبحث الرابع: عبارات الترجيح والتصحيح
٨ فقرات، ج ٢ ص ٥٠٧
- ج ٢ ص ٥٠٧
ظهر جليا من مباحث الفصل السابق قبل هذا أن النظر في حديث وقع فيه اختلاف قد يحتاج معه الناظر لإصدار حكم نهائي على الحديث بالصحة أو الضعف إلى الوقوف في عدد من المنازل، وهو في الطريق إلى الحكم النهائي، وهو في كل منزلة منها ملزم بإصدار حكمه في تلك المنزلة، ثم الصعود إلى ما فوقها من منازل.
-
فإذا كان مع الناظر مدار أساس وقع عليه اختلاف، قد يكون في الطريق إلى هذا المدار مدارات أخرى وقع عليها اختلاف أيضا، فالناظر عليه تحرير هذه الاختلافات، وإصدار أحكامه عليها، ثم استصحاب هذا الحكم وتسخيره للحكم في الاختلاف في مداره الأساس، ثم بعد ذلك عليه النظر في الطرق فوق مداره، وإصدار أحكامه عليها، وإن وجد اختلافا على مدار أعلى من مداره الأساس وجب عليه الانتقال إلى هذا الاختلاف، والحكم عليه كذلك، وقد يجد هذا في طبقات متعددة، فعليه التنقل فيها منزلة منزلة، حتى يصل إلى نهايتها، ويصدر بعد ذلك حكمه على آخر إسناد يصفو معه.
-
وإن كان في الحديث الواحد أنواع من الاختلافات على مدار واحد، أو على مدارات متعددة، ميز بينها، ونظر في كل منها.
-
وظهر أيضا أنه لا تلازم مطلقا بين نتيجة في منزلة، ونتيجة في منزلة دونها
ج ٢ ص ٥٠٨أو فوقها، ولا بين نتيجة نهائية للاختلافات، وبين حال الإسناد بعدها.
-
وظهر أيضا -وهو أمر بالغ الأهمية هنا- أن الاختلاف قد يتحمل عهدته الرواة عن المدار، وقد يكون سببه المدار نفسه، وإذا كان سببه المدار نفسه فالأوجه قد تكون بعده محفوظة كلها، وقد لا يحفظ منها شيء أبدا، وقد يتحرر حفظ واحد منها أو أكثر.
-
وظهر أيضا أن النقاد قد ينصون على نتيجة النظر في اختلاف على راو، ويفصلون ذلك عن نتيجة اختلاف على راو أعلى منه، وقد تكون النتيجتان مختلفتين، فينص الناقد على أن المحفوظ عن فلان كذا، لكن المحفوظ عن شيخه أو من فوقه هو كذا، أو أن الوجهين محفوظان عن فلان، لكن المحفوظ عن شيخه الوجه الفلاني فقط، غير أنهم يفعلون هذا في الغالب عند الحاجة إليه، كأن يسأل الناقد عن اختلاف، ثم يعاد عليه السؤال عن اختلاف أعلى منه، أو يسأل عنهما جميعا.
-
وكذا إذا استخدم الناقد لفظ الصحة عن المدار، ربما بين مقصوده بالصحة، إن كان الوجه الصحيح عن المدار لا يصح بعده، لضعف المدار مثلا، أو لضعف راو في الإسناد بعد المدار، أو لانقطاع فيه، ونحو ذلك.
-
والمتأمل في صنيع النقاد يراهم لم يلتزموا هذا دائما، بل الغالب ترك النص على مقصودهم بالترجيح والتصحيح، وذلك لأسباب تقدم شرحها، وخلاصتها أن كلامهم في الغالب يخرج مخرج الجواب عن سؤال محدد، فالجواب يأتي على وفقه، والاختلاف الأدنى أو الأعلى يأتي عندهم الحديث عنه في مناسبته،