من جوانب اهتمام النقاد بتمييز أحاديث الرواة ما يلي
٤٢ فقرة، ج ١ ص ١٩٢
الصفحة ١ من ٢
- ج ١ ص ١٩٢
أئمة النقد لقوة وسعة حفظهم، وكثرة ممارستهم لأحاديث الرواة، ومذاكرة بعضهم بعضا، يعرفون أن فلانا قد روى عن هذا الراوي شيئا، أو لم يرو عنه، وإذا كان قد روى عنه فكم روى عنه من الأحاديث؟ كما يدركون صفة ونوع الأحاديث الأليق بالراوي.
-
فإذا جاء الاسم مبهما في الإسناد يشترك فيه اثنان أو أكثر فبإمكان الناقد أن يرجح هل هو من حديث فلان، أو من حديث فلان؟ وإذا وقع تحريف في اسم راو، فانتقل الاسم إلى غيره، ميزوا هذا وعرفوه.
-
وإذا أخطأ بعض الرواة فنقل حديث راو إلى آخر أدرك الناقد هذا، لمعرفته بصفة ونوع الأحاديث التي يرويها كل منهما.
-
وإذا تفرد راو عن آخر، عن شيخ له بحديث، قالوا في نقدهم للمتفرد: شيخك لم يرو عن شيخه سوى ثلاثة أحاديث -مثلا-، فما جئت به خطأ منك.
-
وربما حدث الراوي بحديث فقالوا له: ليس هذا من حديثك، هذا من حديث فلان.
-
والقارئ في كتب النقد يرى بوضوح اهتمام النقاد بعدد من الجوانب تخدم هذا الغرض النبيل، منها أنهم ينصون على من روى عن الراوي، فيقولون: فلان
ج ١ ص ١٩٣روى عنه فلان، وفلان، أو فلان لم يرو عنه سوى فلان، وفلان، كما ينصون على شيوخ الراوي إثباتا، ونفيا، فيقولون: فلان روى عن فلان وفلان، أو فلان لم يرو عن فلان، وربما عقدوا فصولا للمقارنة بين روايين مشهورين، بذكر من روى عنه أحدهما، ولم يرو عنه الآخر (١) .
- (١)ينظر: «العلل ومعرفة الرجال» ١: ٤٧١ - ٤٧٧.
-
ومن الجوانب كذلك النص على عدد الأحاديث التي عند الراوي، إما بإطلاق، أو عن شيخ معين، وقد يكون هذا منقولا عن الراوي نفسه، وهذا أيضا كثير جدا.
-
ومن ذلك قول أحمد: «سمع شعبة من يزيد بن البراء بن عازب حديثا واحدا» (٢) .
وقال عبدالله بن أحمد لأبيه: «طلحة الأعلم؟ قال: روى عنه الثوري، قلت: كيف حديثه؟ قال: وكم حديثه؟ حديث واحد» (٣) .
وقال أحمد أيضا: «عبدالله بن السائب الذي روى عنه هارون بن عنترة، هو الذي روى عنه الأعمش، وسمع منه الثوري ثلاثة أحاديث» (٤) .
وقال أيضا: «ابن علية سمع من أبي التياح حديثا واحدا» (٥) .
- (٢)«العلل ومعرفة الرجال» ٢: ٩٩، و «مسائل صالح» ص ٢٥٨.
- (٣)«العلل ومعرفة الرجال» ٢: ٥٢٩.
- (٤)«مسائل أبي داود» ص ٤٢٦.
- (٥)«مسائل أبي داود» ص ٤٢٦، وانظر النصين التاليين لهذا النص في هذا المصدر.
- ج ١ ص ١٩٤
وقال أيضا بعد أن روى عن عبدالله بن نمير، عن الحارث بن حصيرة حديثا
-ولم يسق متنه-: «لم يسمع منه ابن نمير إلا حديثا واحدا -يعني هذا الحديث-» (١) .
- (١)«العلل ومعرفة الرجال» ١: ٣٣٩.
-
وقال أحمد بعد أن ساق حديثين من حديث شعبة، عن عباس الجريري: «لا أعلم شعبة حدث عن عباس الجريري إلا هذين الحديثين» (٢) .
وقال ابن معين: «كان أبو أسامة يروي عن عبيدالله بن عمر خمسمئة حديث إلا عشرين، كتبتها كلها عنه، وكان ابن نمير يروي عنه أربعمئة حديث أو أكثر، كتبتها كلها عنه، وروى عنه عبدة نحوا من مئتين، كتبتها عنه» (٣) .
- (٢)«مسائل صالح» ص ٢٢٧، وفيه فصل عن عدد ما روى شعبة عن بعض شيوخه، مما هو في كتاب غندر، عن شعبة، انظر: ص ٤٢٣ - ٤٢٤، ٢٢٧ - ٢٢٩، وانظر أيضا: «العلل ومعرفة الرجال» ٢: ١٧٦، فقرة (١٩١٩)، و «مسائل أبي داود» ص ٤١١، ٤٢٨.
- (٣)«تاريخ الدوري عن ابن معين» ٢: ٦٥٤.
-
وهناك جانب آخر بالغ الأهمية في هذا المقام، وهو معرفة شهرة الراوي بحديث معين، فيقول النقاد إنه يعرف بحديث كذا، ينبه النقاد بذلك على خطأ من نقله إلى غيره، عن قصد أو غير قصد، والحديث كذلك يشتهر عن راو بعينه فإذا جاء عن غيره توقفوا فيه, وقد شحنت كتب النقد بهذا، خاصة كتاب العقيلي «الضعفاء» ، وكتاب ابن عدي «الكامل» ، وكتاب الخليلي «الإرشاد» .
-
ومن الجوانب كذلك صفة ونوعية الأحاديث التي يرويها الراوي، بمعرفة
ج ١ ص ١٩٥متونها، أو أسانيدها، فإذا نقلت إلى غيره ميزوا ذلك، وقالوا: تشبه أحاديث فلان، ولا تشبه أحاديث فلان، قال الآجري: «سمعت أبا داود يقول: إسماعيل بن سالم سمع من أبي صالح ذكوان، ومن أبي صالح باذام، قيل: هذا يشتبه؟ قال: إن حديث هذا لا يخفى من حديث هذا» (١) .
- (١)«سؤالات الآجري لأبي داود» ١: ٢١٨.
-
فهذه المعارف -وغيرها مما يلتحق بها- سخرها النقاد لكشف أخطاء الرواة، فكان هذا غرضا مهما جدا من هذا السبر، وهذا الجهد العظيم الذي قام به هؤلاء، فهو يندرج تحت وصية شعبة في قوله: «ما سمعت من علي بن بذيمة إلا حديثين، فمن حدثكم بثلاثة فكذبوه» (٢) .
- (٢)«الكامل» ١: ٩١، والنص في «المعرفة والتاريخ» ٣: ١٨٢، بجزئه الأول.
-
وسأذكر الآن عددا من النصوص، تتضمن تطبيقات النقاد في تسخيرهم هذه المعارف لنقد الأحاديث نفسها.
-
فمن النصوص فيما تقدم ما رواه عبدالله بن أحمد، قال: «حدثني أبو معمر، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: كنت عند سفيان، فحدثه زائدة، عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير: {فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} ، قال: «هم الشهداء» ، فقال له سفيان: إنك لثقة، وإنك لتحدثنا عن ثقة، وما يقبل قلبي أن هذا من حديث سلمة.
-
فدعا بكتاب، فكتب: من سفيان بن سعيد، إلى شعبة، وجاء كتاب شعبة:
ج ١ ص ١٩٦من شعبة، إلى سفيان: إني لم أحدث بهذا عن سلمة، ولكن حدثني عمارة بن أبي حفصة، عن حجر الهجري، عن سعيد بن جبير» (١) .
وقال أحمد: «لم يكن جرير الرازي بالذكي في الحديث، ... ، كان اختلط عليه حديث أشعث، وعاصم الأحول، حتى قدم عليه بهز بن أسد، فقال له: هذا حديث عاصم، وهذا حديث أشعث، فعرفها، فحدث بها الناس» (٢) .
- (١)«العلل ومعرفة الرجال» ٢: ٤٥٤، وانظر: «التاريخ الكبير» ٣: ٧٣، و «تفسير ابن جرير» ٢٤: ٢٠.
- (٢)«العلل ومعرفة الرجال» ١: ٥٤٣.
-
وقد جاء هذا عن جرير نفسه، قال جرير: «اضطرب علي حديث أشعث، وعاصم، فقلت لبهز بن أسد البصري، فخلصها لي، وكانت في دفتر واحد» (٣) .
وقال يحيى بن معين: «حدث أبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر: «نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن القزع» ، وقد حدث به شبابة، وأخرجه في كتابه، فلما حدث به أبو داود، قيل له: يا أبا داود، إنما هذا حديث شبابة، فقال أبو داود: دعوه، دعوه»، ثم قال يحيى: «وحديث شبابة ليس يحدث به غيره» (٤) .
وقال أبو داود: «سمعت أحمد قيل له: شعبة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على أم سعد» ؟ فقال: إنما هو قتادة، عن سعيد، قيل لأحمد: حدث به سويد، عن يزيد بن زريع (يعني عن شعبة) ، قال: يزيد
ج ١ ص ١٩٧لا يحدث بمثل هذا» (١) .
وقال أبو داود أيضا: «قلت لأحمد: حديث سليمان بن حيان، عن ابن عجلان، ويحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر: «ألحد للنبي - صلى الله عليه وسلم -، ولأبي بكر، وعمر» ؟ فقال: ليس هذا من حديث يحيى، وابن عجلان» (٢) .
- (٣)«معرفة الرجال» ١: ١١٤.
- (٤)«تاريخ الدوري عن ابن معين» ٢: ٢٢٩، وانظر: «الإرشاد» ٢: ٤٩١، و «الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ٤٤ - ٤٥.
- (١)«مسائل أبي داود» ص ٣٨٤، ومراد أحمد أن الصواب فيه: عن قتادة، عن سعيد بن المسيب مرسلا.
- (٢)«مسائل أبي داود» ص ٤١١، والحديث -دون ذكر أبي بكر وعمر- معروف من رواية العمري عبدالله بن عمر، عن نافع، رواه عنه وكيع بن الجراح، انظر: «مسند أحمد» ٢: ٢٤، ٦: ١٣٦، و «طبقات ابن سعد» ٢: ٢٩٥، و «مسند إسحاق بن راهويه» حديث (١١٢٩). وانظر أمثلة أخرى لأحمد، وابنه عبدالله: «العلل ومعرفة الرجال» (١٧٢٤ - ١٧٢٥)، (٢٧٣٨)، (٣٠٨٠ - ٣٠٨١).
-
وسئل أبو حاتم عن حديث رواه عبدالله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أتى عرافا ... » الحديث (٣) ، فذكر أن الصواب ما رواه عبدالعزيز الدراوردي، عن أبي بكر بن نافع، عن أبيه، عن صفية بنت أبي عبيد، قالت: سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول ...
ثم قال أبو حاتم: «وكان أحمد بن حنبل يقول: تشبه أحاديث الدراوردي، عن عبيدالله، أحاديث عبدالله بن عمر، وقد بان مصداق ما قال أحمد في هذا الحديث، لأن الدراوردي روى عن أبي بكر بن نافع كما وصفنا، ثم أردف: عن عبيدالله، عن نافع، عن ابن عمر مثله، وليس يشبه حديث عبيدالله، إذ كان غلطا،
ج ١ ص ١٩٨والناس يروون عن عبدالله العمري كما وصفنا» (١) .
- (٣)حديث ابن عمر علقه أيضا ابن حبان في «المجروحين» ٢: ٧.
- (١)«علل ابن أبي حاتم» ٢: ٢٦٩، وروايتا الدراوردي أخرجهما البخاري في «التاريخ الصغير» ٢: ٥٩، والطبراني في «الأوسط» حديث (٩١٧٢)، والضياء في «المختارة» حديث (١٣٨)، على الصفة التي ذكر أبو حاتم معطوفتين، وقد تقدم كلام أحمد في قلب الدراوردي أحاديث عبدالله بن عمر، وجعلها عن أخيه عبيدالله بن عمر في «الجرح والتعديل» ص ١٠٣. وقد وقع لعبدالرزاق في روايته عن عبدالله بن عمر، وأخيه عبيدالله بن عمر، مثل ما وقع للدراوردي، ووقع له أيضا أنه روى عن الثوري، عن عبيدالله بن عمر أحاديث هي من رواية أخيه عبدالله بن عمر، انظر: «الكامل» ٥: ١٩٤٨، و «شرح علل الترمذي» ٢: ٧٧٠، ٨٠٩.
-
وتأيد ما قاله أبو حاتم بأن يحيى القطان، وعبدالله بن رجاء، روياه عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن بعض أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - (٢) ، وهو أيضا علة لحديث أبي بكر بن نافع في جعله الحديث لعمر بن الخطاب، فالصواب ما رواه عبيدالله بن عمر (٣) .
- (٢)«صحيح مسلم» حديث (٢٢٣٠)، و «مسند أحمد» ٤: ٦٨، و «التاريخ الصغير» ٢: ٥٩.
- (٣)انظر: «التاريخ الصغير» ٢: ٥٩، و «شرح علل الترمذي» ٢: ٨١١.
-
وقال أحمد أيضا في أحاديث معقل بن عبيدالله الجزري، عن أبي الزبير: «يشبه حديثه حديث ابن لهيعة» -يعني حديث ابن لهيعة، عن أبي الزبير-.
قال ابن رجب بعد أن ذكر هذا عن أحمد: «ومن أراد حقيقة الوقوف على ذلك فلينظر إلى أحاديثه عن أبي الزبير، فإنه يجدها عند ابن لهيعة، عن أبي الزبير، كما يرويها معقل سواء» ، ثم ذكر أمثلة لهذا (٤) .
- (٤)«شرح علل الترمذي» ٢: ٧٩٣، ٨٦٦.
- ج ١ ص ١٩٩
ومما ذكر حديث معقل، عن أبي الزبير، عن جابر، عن عمر مرفوعا في قصة الرجل الذي توضأ وترك لمعة لم يصبها الماء (١) .
- (١)«صحيح مسلم» حديث (٢٤٣).
-
وهذا الحديث ذكره أبو الفضل بن عمار المعروف بالشهيد فيما انتقده على مسلم، وقال: «وهذا الحديث إنما يعرف من حديث ابن لهيعة، عن أبي الزبير، وابن لهيعة لا يحتج به، وهو خطأ عندي، لأن الأعمش رواه عن أبي سفيان، عن جابر، فجعله من قول عمر» (٢) .
- (٢)«علل الأحاديث في صحيح مسلم» ص ٥٥، وحديث ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، أخرجه ابن ماجه حديث (٦٦٦)، وأحمد ١: ٢١، ٢٣، وأما حديث الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، فأخرجه ابن أبي شيبة ١: ٤٢.
-
وحديث معقل، عن أبي الزبير، عن جابر، عن عمر مرفوعا، أعله كثير من النقاد بما رواه الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن عمر موقوفا (٣) ، وهذا يؤيد قول من قال إن حديث معقل يرجع إلى حديث ابن لهيعة.
وقال الآجري: «سمعت أبا داود يحدث عن وهب بن جرير، عن أبيه، سمع يحيى بن أيوب، عن أبي وهب الجيشاني، قال أبو داود: جرير بن حازم روى هذا عن ابن لهيعة، طلبتها بمصر فما وجدت منها حديثا واحدا عند يحيى بن أيوب، وما فقدت منها حديثا واحدا من حديث ابن لهيعة، أراها صحيفة اشتبهت على وهب بن جرير» (٤) .
ج ١ ص ٢٠٠وقال عثمان بن سعيد البرذعي: «شهدت أبا زرعة، وذكر له صالح جزرة رجلا سماه له -أنسيت اسمه-، فقال له صالح: روى عن شعبة، عن أبي جمرة، عن ابن عباس: «أبردوها بماء زمزم» ، فوقع على أبي زرعة الضحك العظيم مما قال، وذاك أن هذا ليس من حديث شعبة، إنما رواه همام ... » (١) .
وقال البرذعي أيضا: «ذكرت لأبي زرعة، عن مسدد، عن محمد بن حمران، عن سلم بن عبدالرحمن، عن سوادة بن الربيع: «الخيل معقود في نواصيها ... » ، فقال لي: راوي هذا كان ينبغي لك أن تكبر عليه، ليس هذا من حديث مسدد، كتبت عن مسدد أكثر من سبعة آلاف، وأكثر من ثمانية آلاف، وأكثر من تسعة آلاف، ما سمعته قط ذكر محمد بن حمران.
قلت له: روى هذا الحديث يحيى بن عبدك، عن مسدد، فقال: يحيى صدوق، وليس هذا من حديث مسدد، فكتبت إلى يحيى، فكتب إلي: لا جزى الله الوراق عني خيرا، أدخل لي أحاديث المعلى بن أسد، في أحاديث مسدد، ولم أميزها منذ عشرين سنة، حتى ورد كتابك، وأنا أرجع عنه، فقرأت كتابه على
ج ١ ص ٢٠١أبي زرعة، فقال: هذا كتاب أهل الصدق» (١) .
وقال ابن أبي حاتم: «سمعت أبا زرعة يقول: سمعت من بعض المشايخ أحاديث، فسألني رجل من أصحاب الحديث، فأعطيته كتابي، فرد علي الكتاب بعد ستة أشهر، فأنظر في الكتاب فإذا أنه قد غَيَّر في سبعة مواضع، فأخذت الكتاب وصرت إلى عنده، فقلت: ألا تتقي الله، تفعل مثل هذا! ! ، فأوقفته على موضع موضع، وأخبرته، وقلت له: أما هذا الذي غيرت فإنه هذا الذي جعلت عن ابن أبي فديك فإنه عن أبي ضمرة مشهور، وليس هذا من حديث ابن أبي فديك، وأما هذا فإنه كذا وكذا فإنه لا يجيء عن فلان، وإنما هذا كذا، فلم أزل أخبره حتى أوقفته على كله، ثم قلت له: فإني حفظت جميع ما فيه في الوقت الذي انتخبت على الشيخ، ولو لم أحفظه لكان لا يخفى علي مثل هذا ... » (٢) .
وقال أبو زرعة أيضا: «حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة مرة عن وكيع، عن مسعر، عن عاصم بن عبيدالله، قال: «رأيت سالما توضأ مرة» ، فقلت: إنما هو وكيع، عن سفيان، فقال: لا، حدثنا وكيع، عن مسعر، عن عاصم بن عبيدالله، فقلت: ليس هذا من حديث مسعر، حدثنا أبو نعيم، ومحمد بن كثير، عن سفيان، عن عاصم، ولم يسمع مسعر من عاصم بن عبيدالله شيئا، قال: بلى، مسعر، عن
ج ١ ص ٢٠٢عاصم، عن الشعبي، فقلت: هذا عاصم -وذكر عاصما آخر- إنما قلت لك: عاصم بن عبيدالله لم يسمع مسعر منه شيئا، فسكت، فلما كان بالعشي قال: قد أصبته، هو كما قلت أنت، حدثنا وكيع، والفضل بن دكين، عن سفيان» (١) .
- (٣)«مسند البزار» حديث (٢٣٢)، و «سنن البيهقي» ١: ٨٤، و «النكت الظراف» ٨: ١٦.
- (٤)«سؤالات الآجري لأبي داود» ٢: ١٢٨. وانظر أمثلة أخرى عن النقاد في تعليلهم الأحاديث بأنها تشبه أحاديث فلان، ولا تشبه أحاديث فلان، أو لا تشبه البلد الفلاني، ونحو ذلك: «شرح علل الترمذي» ٢: ٨٦١ - ٨٧٢، فقد ذكر أمثلة، وانظر: «مسائل أبي داود» (١٨٦١) , و «علل ابن أبي حاتم» (١٥٣١)، (١٨٦٨)، (١٨٧٩)، (٢٠١١).
- (١)«أسئلة البرذعي لأبي زرعة» ٢: ٥٧٧، وحديث همام أخرجه البخاري حديث (٣٢٦١)، والنسائي في «السنن الكبرى» حديث (٧٦١٤)، و «أحمد» ١: ٢٩١.
- (١)«أسئلة البرذعي لأبي زرعة» ٢: ٥٧٩، والحديث أخرجه البخاري في «التاريخ الكبير» ٤: ١٨٤، والبزار كما في «كشف الأستار» حديث (١٦٨٨)، عن أبي كامل الجحدري، عن محمد بن حمران به.
- (٢)«الجرح والتعديل» ١: ٣٣٢، وبعدها قصة أخرى مختصرة بنحو هذه القصة.
- (١)«الجرح والتعديل» ١: ٣٣٨، وانظر أيضا: ١: ٣٣٦.
-
وروى قيس بن الربيع، عن أبي هاشم الرماني، عن زاذان، عن سلمان، قال: قرأت في التوراة أن بركة الطعام الوضوء قبله، فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «بركة الطعام: الوضوء قبله، والوضوء بعده» (٢) .
- (٢)«سنن أبي داود» حديث (٣٧٦١)، و «سنن الترمذي» حديث (١٨٤٦)، و «مسند أحمد» ٥: ٤٤١.
-
سئل عنه أبو حاتم، فقال: «هذا حديث منكر، لو كان هذا الحديث صحيحا كان حديثا، وأبو هاشم الرماني ليس هو، ويشبه هذا الحديث أحاديث أبي خالد الواسطي عمرو بن خالد، عنده من هذا النحو أحاديث موضوعة عن أبي هاشم، وعن حبيب بن أبي ثابت.
-
روى عمرو بن خالد، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحاديث موضوعة، خمسة، ستة، ومن لم يفهم ورأى تلك الأحاديث التي يروي عنه ابن جريج، وحسين المعلم، يظن أن أبا خالد هذا هو الدالاني، والدالاني ثقة، وهذا ذاهب الحديث، ومن يفهم لم يخف عليه هذا» (٣) .
- (٣)«علل ابن أبي حاتم» ٢: ١٠.
-
وقد توارد النقاد على استنكار هذا الحديث وتضعيفه، منهم أحمد،
ج ١ ص ٢٠٣وابن المديني، وغيرهما، ونص ابن المديني على أن هذا الحديث مما أدخله ابن قيس بن الربيع على أبيه (١) .
وروى جماعة عن محمد بن فضيل، عن أبي حيان، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر، قال: «كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر، فأقبل أعرابي ... » الحديث (٢) .
- (١)«سنن أبي داود» حديث (٣٧٦١)، و «سنن الترمذي» حديث (١٨٤٦)، و «الكامل» ٦: ٢٠٦٨، ٢٠٦٩، و «سنن البيهقي» ٧: ٢٧٦، و «تهذيب السنن» ٥: ٢٩٧، وحاشية «علل ابن أبي حاتم» ص ١٠٦٩، تحقيق سعد الحميد وآخرين.
- (٢)«سنن الدارمي» حديث (١٦)، و «أخبار مكة» حديث (٢٣٢٨)، و «كشف الأستار» حديث (٢٤١١)، و «مسند أبي يعلى» حديث (٥٦٦٢)، و «صحيح ابن حبان» حديث (٦٥٠٥)، و «المعجم الكبير» حديث (١٣٥٨٢)، و «الغرائب والأفراد» (أطرافه حديث ٣١٢٨)، و «دلائل النبوة» ٦: ١٤.
-
وأبو حيان هو يحيى بن سعيد بن حيان الكوفي، وهو ثقة.
-
ذكر أبو حاتم هذا الحديث، ثم قال: «حدثنا علي الطنافسي، وعبدالمؤمن بن علي، عن ابن فضيل هكذا، وأنا أنكر هذا، لأن أبا حيان لم يسمع من عطاء، ولم يرو عنه، وليس هذا الحديث من حديث عطاء» .
قال ابن أبي حاتم: «قلت: من تراه؟ قال: بحديث أبي جناب أشبه» (٣) .
- (٣)«علل ابن أبي حاتم» ٢: ٣٩٢.
-
وأبو جناب هو يحيى بن أبي حية، وهو ضعيف.
وقال ابن أبي حاتم: «سمعنا من محمد بن عزيز الأيلي الجزء السادس من
ج ١ ص ٢٠٤مشايخ عقيل، فنظر أبي في كتابي، فأخذ القلم فعلم على أربعة وعشرين حديثا، خمسة عشر حديثا منها متصلة بعضها ببعض، وتسعة أحاديث في آخر الجزء متصلة، فسمعته يقول: ليست هذه الأحاديث من حديث عقيل عن هذه المشيخة، إنما ذلك من حديث محمد بن إسحاق عن هؤلاء المشيخة.
-
ونظر إلى أحاديث عن عقيل، عن الزهري، وعقيل، عن يحيى بن أبي كثير، وعقيل، عن عمرو بن شعيب، ومكحول، وعقيل، عن أسامة بن زيد الليثي، فقال: هذه الأحاديث كلها من حديث الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، والأوزاعي، عن نافع، والأوزاعي، عن أسامة بن زيد، والأوزاعي، عن مكحول، وأن عقيلا لم يسمع من هؤلاء المشيخة هذه الأحاديث» (١) .
- (١)«الجرح والتعديل» ١: ٣٥٢.
-
وروى الخليلي من طريق ابن أبي حاتم، قال: «سمعت أبي يقول: دخلت قزوين سنة ثلاث عشرة ومئتين، مع خالي محمد بن يزيد، وداود العقيلي قاضيها، فدخلنا عليه، فدفع إلينا مَشْرسا فيه مسند أبي بكر، فأول حديث رأيته فيه: حدثنا شعبة، عن أبي التياح، عن المغيرة بن سبيع، عن أبي بكر الصديق، قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يخرج الدجال من أرض يقال لها: خراسان ... » ، فقلت: ليس هذا من حديث شعبة، عن أبي التياح، وإنما هو من حديث سعيد بن أبي عروبة، وعبدالله بن شوذب، عن أبي التياح.
فقلت لخالي: لا أكتب عنه إلا أن يرجع عن هذا، فقال خالي: أستحي أن
ج ١ ص ٢٠٥أقول، فخرجت ولم أسمع منه شيئا» (١) .
- (١)«الإرشاد» ٢: ٦٩٦، وقد ذكر الحكاية مختصرة ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» ٣: ٤٠٧، ونقل عن والده قوله في داود: «متروك الحديث، كان يكذب». والحديث أخرجه الترمذي حديث (٢٢٣٧)، وابن ماجه حديث (٤٠٧٢)، وأحمد ١: ٤، ٧، من طريق سعيد بن أبي عروبة به، وأخرجه البزار حديث (٤٦ - ٤٧)، وأبو يعلى حديث (٣٤ - ٣٦)، من طريق عبدالله بن شوذب به.
-
وروى أيوب بن سويد، عن أسامة بن زيد، أنه سمع سعيد بن المسيب يحدث عن سراقة بن مالك، قال: خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «خيركم المدافع عن عشيرته ما لم يأثم» (٢) .
- (٢)«سنن أبي داود» حديث (٥١٢٠)، وقال بعده: «أيوب بن سويد ضعيف».
-
سئل عنه أبو حاتم، فقال: «روى ابن وهب، عن أسامة بن زيد، قال: سمعت سعيد بن المسيب -ولم أسمع منه غيره- يقول: «لا ربا إلا فيما يكال ويوزن، مما يؤكل ويشرب» ، فقد أفسد هذا الحديث حديث أيوب، وقد كنت أسمع منذ حين يذكر عن يحيى بن معين أنه سئل عن أيوب بن سويد، فقال: «ليس بشيء» ، وسعيد بن المسيب، عن سراقة، لا يجيء، وهذا حديث موضوع، بابة حديث الواقدي» (٣) .
- (٣)«علل ابن أبي حاتم» ٢: ٢٠٩، وانظر: ٢: ٢٣١. وقول سعيد بن المسيب في الربا أخرجه يعقوب الفسوي في «المعرفة والتاريخ» ٣: ١٨١، عن أحمد بن عمرو أبي الطاهر بن السرح، عن ابن وهب به، وقال ابن وهب بعده: «لم يسمع أسامة إلا هذا الحديث وحده من سعيد بن المسيب».
- ج ١ ص ٢٠٦
وقد أكثر أبو حاتم من تطبيقات التعليل بكون الإسناد لا يعرف هكذا بتمامه، فهو إسناد مركب، وربما جرى التعبير عن ذلك بنفي السماع، فمن ذلك أيضا قول ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه يحيى بن حمزة، عن المطعم بن المقدام، عن الحسن بن أبي الحسن، أن معاوية قال لابن الحنظلية: حدثنا حديثا سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» .
قال أبي: هذا عندي وهم، رواه أبو إسحاق الفزاري، عن المطعم بن المقدام، عن جَسْر بن الحسن، عن يعلى بن شداد، عن سهل بن الحنظلية، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا أشبه.
قلت لأبي: فلم لم تحكم للحديث المرسل؟ فقال: المطعم، عن الحسن، ليس له معنى، لم يسمع منه، والحسن البصري، عن سهل بن الحنظلية، لا يجيء، وأبو إسحاق الفزاري أحفظ وأتقن من يحيى بن حمزة» (١) .
- (١)«علل ابن أبي حاتم» ١: ٣٠٩، ورواية يحيى بن حمزة أخرجها ابن قانع في «معجم الصحابة» ١: ٢٦٨، والطبراني في «المعجم الكبير» حديث (٥٦٢٣)، و «مسند الشاميين» حديث (٩١٤)، وفي بعض الطرق إليه لم يذكر معاوية. وانظر أمثلة أخرى لأبي حاتم، وأبي زرعة في: «علل ابن أبي حاتم» (٥٦)، (١٢٢)، (٢٥٣)، (٣٧٩)، (٥٠٣)، (٥٩٦)، (٧١١)، (٧٩٥)، (٨٠٥)، (٨٣٩)، (٨٦٨)، (١٠٧٨)، (١٠٩٢)، (١١١٧)، (١٢٨٤)، (١٦١٠)، (١٦٨٦)، (١٧١٤)، (١٧٤٢)، (١٨٣٨)، (١٨٦٨)، (١٩٦٨)، (٢١١٧)، (٢٣٤٥)، (٢٣٥٠).
- ج ١ ص ٢٠٧
وروى إبراهيم بن بشار، عن سفيان بن عيينة، عن بريد بن عبدالله بن أبي بردة، عن جده أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، عن أبي موسى مرفوعا: «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته» (١) .
قال العقيلي: «ليس له أصل، ولم يتابعه عليه أحد عن ابن عيينة، وعند ابن عيينة، عن بريد أربعة أحاديث ... ، ليس عنده غيرها -أي غير الأربعة-» (٢) .
- (١)«سنن الترمذي» حديث (١٧٠٥).
- (٢)«الضعفاء الكبير» ١: ٤٧، وانظر: «التاريخ الكبير» ٢: ١٤٠، و «سنن الترمذي» حديث (١٧٠٥).
-
وروى العقيلي أيضا من طريق إبراهيم بن صرمة، عن يحيى بن سعيد، عن عبدالله بن خباب، عن أبي سعيد الخدري مرفوعا: «تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفرد خمسا وعشرين درجة» .
قال العقيلي: «ليس هذا الحديث بمحفوظ من حديث يحيى بن سعيد، وإنما يعرف من حديث يزيد بن الهاد، عن عبدالله بن خباب، عن أبي سعيد، وهذا الشيخ يحدث عن يحيى بأحاديث ليست بمحفوظة من حديث يحيى، فيها شيء يحفظ من حديث ابن الهاد، وفيها مناكير، وليس ممن يضبط الحديث» (٣) .
- (٣)«الضعفاء الكبير» ١: ٥٥.
-
ونقل ابن عدي عن يحيى بن محمد بن صاعد قوله: «انقلبت على إبراهيم بن صرمة نسخة ابن الهاد، فجعلها عن يحيى بن سعيد في الأحاديث كلها» (٤) .
- (٤)«الكامل» ١: ٢٥٢، وحديث يزيد بن الهاد أخرجه البخاري حديث (٦٤٦)، وأحمد ٣: ٥٥، من طريق حيوة بن شريح، وأحمد ٣: ٥٥، من طريق عبدالعزيز بن أبي حازم - كلاهما عن يزيد بن الهاد به.
- ج ١ ص ٢٠٨
وذكر أبو علي الحافظ تحديث عبدان الأهوازي لهم، عن القطعي، عن محمد بن بكر البرساني، عن ابن عون، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، في رفع اليدين في الصلاة إذا ركع ورفع.
قال الحاكم: «فقلت لأبي علي: ما علة هذا؟ قال: لا أدري، قلت: لعله: ابن جريج، بدل ابن عون، قال: ليس ذا عند البرساني، عن ابن جريج، ثم قال: وعبدان ثبت، وحدثنا به من أصل كتابه» (١) .
- (١)«سير أعلام النبلاء» ١٤: ١٧١.
-
وروى الخليلي عن أحمد بن عبدالرحمن الشيرازي الحافظ قوله: «سألت عبدالله بن عدي الجرجاني الحافظ، عن إبراهيم بن محمد بن يحيى بن منده الأصبهاني، فقال: كنا بالبصرة عند زكريا بن يحيى الساجي، فقرأ عليهم إبراهيم حديثين، عن أحمد بن عبدالرحمن -ابن أخي ابن وهب-، عن عمه، عن مالك، عن الزهري، فأصغيت إليه فقلت: هذان الحديثان من حديث ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، لا عن مالك.