الغرض من شرح الوسائل الخاصة بالنقاد يمكن إجماله بأمور
١٢ فقرة، ج ١ ص ٢٢٤
- ج ١ ص ٢٢٤
وغرضي من شرح هذه الوسائل وإبرازها يمكن إجماله في عدة أمور:
الأمر الأول: معرفة هذه الوسائل بمثابة التوطئة والتمهيد للدخول في الأبواب اللاحقة، وما فيها من قضايا تتعلق بممارسة الباحث للنقد، والقواعد التي يسير عليها في ذلك، ولهذا السبب سأحيل على فصلنا هذا في عدد من المناسبات ليس بالقليل.
-
الأمر الثاني: ظهر من عرض هذه الوسائل أنها خاصة بالنقد في عصر الرواية، بوجود الرواة، وكتبهم، ومجالسهم، ووجود النقاد بينهم، وعلى هذا فمن غير الممكن بالنسبة للباحث المتأخر أن يمارس النقد بواسطتها، وهذا ظاهر جدا في مناقشة الرواة، والنظر في كتبهم، وحضور مجالس التحديث، فمن غير الممكن بالنسبة للباحث أن يقول مثلا: سألت فلانا، أو لقيت فلانا، أو كنت في مجلس فلان، أو نظرت في كتاب فلان، وكذلك الحال بالنسبة لتمييز أحاديث الرواة، فليس بالإمكان أن يقول الباحث إن فلانا لم يرو عن فلان، أو أن عدد أحاديث فلان عن فلان كذا، أو أن أحاديث فلان عن فلان تشبه أحاديثه عن فلان.
-
وأخطر ما يكون محاولة التشبه بالنقاد من بعض الباحثين، فبعض الباحثين إذا رأى -مثلا- رواية عن عبدالرزاق خارج «المصنف» من رواية أحمد في «المسند» ، أو من رواية محمود بن غيلان عند الترمذي في «السنن» ، تخالف ما في «المصنف» ، رجح ما في «المصنف» ، باعتباره كتابا لعبدالرزاق، ومثله ابن أبي شيبة في «المصنف» ، مع ما يوجد من روايات عنه خارج «المصنف» ، مثل «صحيح مسلم» ، و «سنن ابن ماجه» ، وغيرهما.
- ج ١ ص ٢٢٥
وهذا مزلق خطير، فمصنف الراوي الذي كتبه وألفه لعامة الناس سبقه كتابات للراوي أصح من هذا «المصنف» ، فقبله أصوله العتيقة، ونسخه التي يحدث منها، وقد تقدم أنها أصح بسبب ما يقع للراوي أثناء تحويل الحديث منها إلى مؤلف له من وهم أو سبق نظر ونحو ذلك، بالإضافة إلى أن وضع الحديث في مؤلف قصد به إفادة عامة الناس، مصنف على الموضوعات، قد يتطلب من المؤلف أن يتصرف في الإسناد أو المتن، فيختصرهما، أو يروي الحديث بالمعنى، ونحو ذلك.
-
والرواة -في الغالب- سمعوا من الراوي إما من أصوله العتيقة، أو من فرع عنها، التي هي النسخة، وعليه فسماع أحمد -مثلا- من عبدالرزاق، أقرب إلى الصواب من رواية عبدالرزاق التي في «المصنف» ، وهكذا يقال في رواية عبدالرزاق في «المصنف» مع رواية محمود بن غيلان عند الترمذي.
-
ثم ههنا أمر آخر، وهو أن بعض مصنفات الأئمة أملاها من حفظه، فمرجعها إلى الحفظ إذن، وليس إلى كتاب، مثل «مسند الطيالسي» ، هو مجالس مما أملاه أبو داود الطيالسي في زيارته لأصبهان، وقد أملى تلك المجالس من حفظه، وكذلك «مسند البزار» ، أملاه البزار بمصر من حفظه، ومثله «علل الدارقطني» ، كان يسأل عن الحديث فيجيب من حفظه.
-
وليس معنى ذلك ترجيح ما هو خارج «المصنف» على ما يوجد في «المصنف» دائما، ذلك أن رواية الترمذي هي أيضا قد وضعها الترمذي في مصنف له، الذي هو «السنن» ، فقد يكون الخلل أتى من جهة المصنف الجديد،
ج ١ ص ٢٢٦حيث أراد التحويل من أصوله، أو من نسخه، إلى مصنفه هو.
-
والخلاصة أن قضية استفادة الباحث من النظر في كتب الرواة استقلالا أراه مزلة قدم، مع أن هذا الموطن -فيما أرى- يحتاج إلى مزيد بحث وتحرير.
-
ويشبه ما تقدم أن بعض الباحثين حين نظره في إسناد وقع فيه تفرد، أو وقع فيه اختلاف على راو من الرواة، يرجح أحد الوجهين بكون الوجه الآخر إسناده غريب، فاحتمال خطأ راويه أقرب، ويعتمد الباحث في ذلك على مطالعته في «تحفة الأشراف» ، فيقول -مثلا-: وهذا الإسناد غريب، لم يخرج بواسطته في الكتب الستة شيئا، ورأيت بعض الباحثين يكثر من هذا.
-
وفي رأيي أن في هذا الصنيع شيئا من الجرأة، فالحكم بأن هذا الإسناد غريب، أو أنه مركب، أو أن رواية فلان عن فلان لا تجيء، إنما هو خاص بالنقاد، وإلا فما يدرينا أن رواية المطعم بن المقدام، عن الحسن البصري، ليس لها معنى، وأن رواية الحسن، عن سهل بن الحنظلية، لا تجيء؟ أرجح أنه لو وقف بعض المتأخرين على مثل هذا لذهب يقيم الدليل على ثبوت السماع.
-
ويتأكد هذا إذا عرفنا أن غرابة الإسناد ووعورته ربما تكون دليلا على ترجيح رواية من أتى بهذا الإسناد، كما سيأتي في الفصل الثاني من الباب الثالث، فبين الموطنين تشابه شديد.
-
الأمر الثالث: إذا قيل إن هذه الوسائل خاصة بأئمة النقد فالمقصود أنهم يختصون بتطبيقها استقلالا، وأما من تأخر عنهم فليس بمقدوره هذا، غير أنه