مناقشة وإعادة النظر-وربما رفض- ما ورد عن النقاد مخالف للمنهج العلمي
٨ فقرات، ج ١ ص ٢٢٧
- ج ١ ص ٢٢٧
يشاركهم تطبيقها من جهة قبولها والاحتفاء بها، والتسليم لهم فيما ورد عنهم من هذا القبيل، واعتماده في جملة ما يعتمده الباحث من وسائل أخرى للنظر في الحديث، فإذا قال الناقد: هو في كتاب فلان على صفة كذا، أو قال: سألت عنه فلانا فقال كذا، اعتمد الباحث هذا، وضمه إلى ما لديه من دلائل أخرى في الحديث.
-
وكذلك البناء على أقوالهم ونصوصهم في هذا الشأن، مما يمكن البناء عليه، فإذا نص الراوي على أنه لم يسمع من فلان إلا حديثا واحدا، أو حديثين -مثلا-، أو جاء ذلك عن غير الراوي ممن هو في عصر الرواية، فبإمكان الباحث الاستفادة من هذا حين يقف على حديث يزيد على ما نص عليه، فيعله بذلك، أو يرجح غيره عليه، إن كان قد خولف فيه راويه، ويشبه هذا ما تقدم في التدليس, في الحكم بانقطاع ما هذا شأنه (١) .
- (١)انظر: «الاتصال والانقطاع» ص ٢٣٥.
-
ومثله ما إذا أطلق الناقد كلمة في عموم أحاديث راو عن آخر، وأنها تشبه أحاديثه عن فلان، فبإمكان الباحث أن يطبق هذا على أعيان الأحاديث، ويدرج نص هذا الناقد في جملة ما ينظر فيه من دلائل.
-
وأما ما يسلكه بعض الأئمة المتأخرين، وكذلك يكثر منه بعض الباحثين، من إعادة النظر فيما ورد عن النقاد في عصر الرواية، ومناقشته، ورفضه أحيانا، وربما التشديد في العبارة على أئمة النقد، فكل هذا خلاف المنهج العلمي الصحيح، فهو إهمال لجهود عظيمة قام بها أولئك النقاد، مع ما فيه من قصور
ج ١ ص ٢٢٨في تصور المنهج الذي تنقد بواسطته المرويات.
-
وأمثلة ما ذكرته كثيرة جدا، لا يمكن حصرها، فمن ذلك حديث قتيبة بن سعيد الماضي في المبحث الرابع، وقول البخاري لقتيبة بن سعيد: مع من كتبت حديث الليث، عن يزيد بن أبي حبيب؟ فأجاب قتيبة بأنه كتبه مع خالد المدائني، فذكر البخاري أنه يدخل الأحاديث على الشيوخ.
-
تكلم على هذا الحديث جماعة من الأئمة المتأخرين، والمشايخ المعاصرين، فرفضوا هذا النقد، وصححوا الحديث، وغاية ما أجابوا به أن قتيبة ثقة مأمون.
-
والبخاري يعلم علم اليقين أن قتيبة ثقة مأمون، لكنه يعلم أيضا أن هذا الحديث الذي رواه بذلك الإسناد، باللفظ المذكور، منكر جدا لا يصح، وقد قامت قرائن أخرى -ذكرتها هناك- على هذا، فاستنكار البخاري للحديث ليس مبنيا على سؤاله وجواب قتيبة، وإنما هو يبحث عن سبب وقوع قتيبة في رواية هذا المنكر، فوجده في جواب قتيبة.
-
وقصة البخاري مع قتيبة بن سعيد وردت بعدة ألفاظ، أسوق الآن أحد ألفاظها، ومنه يتضح مستند البخاري في إنكاره الحديث، وسؤاله لقتيبة بن سعيد، وفيها أيضا إقرار قتيبة للبخاري، ورجوعه إلى رأيه، قال محمد بن يوسف الفربري: «سأل أبو عبدالله (يعني البخاري) أبا رجاء -يعني قتيبة- إخراج أحاديث ابن عيينة، فقال: منذ كتبتها ما عرضتها على أحد، فإن احتسبت ونظرت فيها، وعلمت على الخطأ منها - فعلت، وإلا لم أحدث بها، لأني لا آمن