قضية إدخال حديث أو أكثر على راو قد يلجأ الناقد إليها لتبرئة ذلك الراوي من عهدة النكارة فيما يرويه

١٧ فقرة، ج ١ ص ٢٣٠

  1. ذلك ذكرها أبو زرعة، قال البرذعي وقد ذكر عددا من الأحاديث يرويها جعفر بن عبدالواحد الهاشمي، فبين أبو زرعة أنها موضوعة لا أصل لها: «ثم قال أبو زرعة: إنا لله وإنا إليه راجعون، لقد كنت أرى جعفرا هذا، وأشتهي أن أكلمه، لما كان عليه من السكينة والوقار، ونسبه في العنقاء، رجل تصلح له الخلافة، من ولد العباس، يرجع إلى حفظ وفقه، قد خرج إلى مثل هذا! ! نسأل الله الستر والعافية.

    ثم قال لي: ما أخوفني أن تكون دعوة الشيخ الصالح أدركته، قلت: أي شيخ؟ قال: القعنبي، بلغني أنه دعا عليه، فقال: اللهم افضحه، لا أحسب ما بلي به إلا بدعوة الشيخ، قلت: كيف دعا عليه؟ قال: بلغني أنه أدخل عليه حديثا -أحسبه عن ثابت، جعله عن أنس- فلما فارقه رجع الشيخ إلى أصله فلم يجده، فاتهمه، فدعا عليه» (١) .

    1. (١)«أسئلة البرذعي لأبي زرعة» ٢: ٥٧٠ - ٥٧٥، و «تاريخ بغداد» ٧: ١٧٣ - ١٧٤، والحديث المشار إليه أورده ابن أبي حاتم في «العلل» ٢: ١٩٣، المسألة (٢٠٧٤)، ونقل عن أبيه القصة.
    ج ١ ص ٢٣٠
  2. وقضية إدخال حديث أو أكثر على راو قد يلجأ الناقد إليها لتبرئة ذلك الراوي من عهدة النكارة فيما يرويه، فهي إذن -في بعض صورها- دفاع عن الرواة، وقد تقدم مثله في رمي بعض الرواة بالتدليس (٢) ، ومن لم يدرك هذا قلب المراد، فأبى إلا أن يتحمل ذلك الراوي العهدة، وصار عمله جناية على الراوي من حيث أراد الدفاع عنه.

    1. (٢)«الاتصال والانقطاع» ص ٢١٢ - ٢١٤.
  3. ومن أمثلة ذلك -وفيه أيضا النقد بكتاب الراوي- قول ابن عدي: «حدثنا أحمد بن الحسين الصوفي، ثنا محمد بن سهل بن عسكر أبو بكر البخاري، حدثنا عبدالرزاق بن همام، قال: سألت مالك بن أنس عن المواقيت، فقال: «وقت النبي - صلى الله عليه وسلم - لأهل العراق ذات عرق» ، قال: قلت: عمن يا أبا عبدالله؟ قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك.

    ج ١ ص ٢٣١
  4. سمعت ابن صاعد يقول: قرأ علينا ابن عسكر كتاب «المناسك» عن عبدالرزاق فليس فيه هذا الحديث، فذكره ابن صاعد مرسلا عن إسحاق بن راهويه، عن عبدالرزاق، وهذا الحديث يعرف بابن راهويه، عن عبدالرزاق ...

  5. وحكى ابن صاعد أن هذا الحديث ليس عند ابن عسكر، عن عبدالرزاق، وكان الصوفي لا بأس به، ولكن قال لي عبدان الأهوازي: إن البغداديين يلقنون المشايخ، ويرفعون أحاديث موقوفة، ويصلون أحاديث مراسيل، ويلقنون الشيوخ ... ، فلا آمن أن يكون هذا الحديث الذي حدثناه الصوفي، عن ابن عسكر، من تلك الأحاديث، لأن ابن صاعد قد نفى أن يكون هذا الحديث عند ابن عسكر» (١) .

    1. (١)«الكامل» ٥: ١٩٥٠، وانظر أمثلة أخرى في: «علل ابن أبي حاتم» (١١٦٠)، (١٤١٠)، (١٦٢٧)، (١٧٧٥)، (١٨٢٢)، (٢٠٧٤)، (٢٣٤٦)، (٢٣٥٢)، (٢٥٦٤) , و «الجرح والتعديل» ٣: ٣٥٥، ٥: ٨٧، و «أسئلة البرذعي لأبي زرعة» ١: ٤١٧، و «المجروحين» ٢: ٤٠، و «تاريخ بغداد» ١٤: ٣٥، و «تاريخ دمشق» ٥٦: ٣٣٥، و «ميزان الاعتدال» ١: ١٥٢، ٤: ٢٨٢، ٣: ٦٥٦.
  6. وذكر أحد المشايخ حديث سفيان بن عيينة، عن سعيد بن أبي عروبة،

    ج ١ ص ٢٣٢في تخليل اللحية، الماضي في المبحث الثاني، وتعليل أبي حاتم له بأنه ليس في مصنفات ابن أبي عروبة، فرد الشيخ هذا بأنها علة غير قادحة، وصحح الإسناد، مع أن أبا حاتم قد ذكر علتين أخريين، إحداهما تفرد سفيان بالحديث عن سعيد، وسفيان ليس من أصحاب سعيد المعروفين، والثانية أنه لم يصرح بالتحديث عن سعيد، وهو معروف بالتدليس، فنقد أبي حاتم إذن من عالي النقد وجليله.

  7. وذكر الشيخ أيضا حديث جرير بن حازم، عن ثابت، عن أنس مرفوعا: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني» الماضي في المبحث الرابع، وقد أطبق النقاد على تعليله، وأنه لا يصح بهذا الإسناد، ويذكرون في نقده قول حماد بن زيد إنهم كانوا في مجلس ثابت، فحدث حجاج الصواف، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبدالله بن أبي قتادة، عن أبيه، بهذا الحديث، فظن جرير أنه سمعه من ثابت، عن أنس، فحدث به هكذا، ثم قال الشيخ في رد كلام النقاد: «حفظه إياه عن ثابت، عن أنس، لا ينفيه أن يرويه حجاج الصواف، من حديث أبي قتادة» .

  8. كذا قال الشيخ، وقصة حماد بن زيد ليست هي الدليل الوحيد على خطأ جرير، ولو كانت هي الدليل الوحيد لكان كافيا، فقد انضم إليها تفرد جرير به عن ثابت، وجرير متكلم في حفظه، وفي روايته عن ثابت خاصة، والحديث معروف من حديث أبي قتادة، فهو من حديث أنس منكر جدا، ولهذا ضرب أبو الوليد الطيالسي على هذا الحديث (١) .

    1. (١)«سؤالات الآجري لأبي داود» ١: ٤٣٨.
  9. ومر أحد المشايخ بالحديث الماضي في المبحث الثاني، وهو ما رواه مجاهد بن موسى، عن محمد بن عبيد، عن مسعر، عن يزيد الفقير، عن جابر، قال: «أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - بواكي ... » الحديث، وقول أحمد في نقده: «أعطانا محمد بن عبيد كتابه عن مسعر، فنسخناه، فلم يكن هذا الحديث فيه، ليس هذا بشيء ... » ، فقال الشيخ: «إسناده صحيح بظاهره، وتعليل الإمام أنه ليس في كتاب محمد بن عبيد، عن مسعر، لا يوجب -فيما يظهر لنا- تضعيف الرواية، فإن الثقة قد يروي الحديث عن حفظه، وهو ضابط له، ولم يدخله في كتابه لسبب من الأسباب، منها تأخر سماعه عن باقي مسموعات الشيخ» .

    ج ١ ص ٢٣٣
  10. كذا قال الشيخ، وهو كلام لا معنى له أبدا، وأحمد لم يكتف بهذا، بل ذكر أنه سمعه من يعلى بن عبيد أخي محمد، عن مسعر، عن يزيد الفقير، مرسلا، فهذا دليل آخر غير كون الحديث ليس في كتاب محمد بن عبيد.

  11. وذكر أبو الفضل بن عمار الشهيد في الأحاديث التي انتقدها وهي في «صحيح مسلم» ما رواه يحيى بن حسان، عن سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: «لا يجوع أهل بيت عندهم التمر» (١) ، وبهذا الإسناد حديث: «نعم الإدام الخل» (٢) .

    1. (١)«صحيح مسلم» حديث (٢٠٤٦)، و «سنن أبي داود» حديث (٣٨٣١)، و «سنن الترمذي» حديث (١٨٢٠)، و «سنن ابن ماجه» حديث (٣٣٢٧).
    2. (٢)«صحيح مسلم» حديث (١٦٢١)، و «سنن الترمذي» حديث (١٨٤٥)، و «سنن ابن ماجه» حديث (٣٣١٦).
  12. ثم روى بإسناده عن أحمد بن صالح المصري الحافظ قوله بعد أن رواهما عن يحيى بن حسان: «نظرت في كتب سليمان بن بلال، فلم أجد لهذين الحديثين أصلا، وحدثني ابن أبي أويس، قال: حدثني ابن أبي الزناد، عن هشام، عن رجل من الأنصار: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سأل قوما: ما إدامكم؟ قالوا: الخل، قال: نعم الإدام الخل» (١) .

    1. (١)«علل الأحاديث في صحيح مسلم» ص ١٠٩.
    ج ١ ص ٢٣٤
  13. عقب أحد الباحثين على كلام أحمد بن صالح ونظره في كتاب سليمان بن بلال بقوله: «فكان ماذا؟ فسليمان بن بلال ثقة، كبير القدر، كثير الحديث، فأن يكون عنده من الحديث ما هو من محفوظه دون أن يكون مكتوبا، فهذا لا يمكن رده في علم الرواية» .

  14. كذا قال الباحث، يُدَرِّس -بلا خجل- أئمة النقد أصول النقد، وأحمد بن صالح ثار الشك عنده في الحديثين بتفرد سليمان بن بلال بهما من بين أصحاب هشام على كثرتهم، ثم بعدم وجودهما في كتب سليمان بن بلال، وهذا أحد أصول النقد، والباحث لم يكن عنده به علم، ثم أكد أحمد بن صالح شكه برواية ابن أبي الزناد، عن هشام، فترجح وجود الخطأ (٢) .

    1. (٢)وانظر ما يأتي في الفصل الأول من الباب الثاني، فقد استنكرهما أيضا جمع من النقاد.
  15. وذكر أبو الفضل بن عمار الشهيد أيضا أن مسلما روى عن القواريري، عن أبي بكر الحنفي، عن عاصم بن محمد العمري، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري،

    ج ١ ص ٢٣٥عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «قال الله عز وجل: أبتلي عبدي المؤمن، فإن لم يشكني إلى عواده أطلقته من أسار علته، ثم أبدلته لحما خيرا من لحمه، ودما خيرا من دمه، ثم ليأتنف العمل» (١) .

    قال أبو الفضل في نقده: «هذا حديث منكر، وإنما رواه عاصم بن محمد، عن عبدالله بن سعيد المقبري، عن أبيه، وعبدالله بن سعيد شديد الضعف، قال يحيى بن سعيد القطان: ما رأيت أحدا أضعف من عبدالله بن سعيد.

    1. (١)كذا ذكره أبو الفضل بن عمار عن «صحيح مسلم»، لكن الحديث غير موجود في النسخ المشهورة من «صحيح مسلم»، ولم يذكره أصحاب الأطراف، انظر: «النكت الظراف» ١٠: ٣٠١، فيحتمل أن يكون في بعض الروايات عن مسلم، ويكون مسلم قد حذفه لما تبين له علته، والحديث أخرجه الحاكم ١: ٣٤٩، والبيهقي ٣: ٣٧٥، من طريق علي بن المديني، عن أبي بكر الحنفي به.
  16. ورواه معاذ بن معاذ، عن عاصم بن محمد، عن عبدالله بن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، وهو حديث يشبه أحاديث عبدالله بن سعيد» (٢) .

    1. (٢)«علل الأحاديث في صحيح مسلم» ص ١١٧.
  17. ذكر أحد المشايخ المعاصرين كلام أبي الفضل بن عمار ونقله من «شرح علل الترمذي» لابن رجب (٣) ، ثم اعترضه بقوله: «معاذ بن معاذ هو العنبري، وأبو بكر -واسمه عبدالكبير بن عبدالمجيد- كلاهما ثقة محتج به في «الصحيحين» ، فلا أرى استنكار هذا برواية ذاك بدون حجة ظاهرة، سوى دعوى أن حديثه

    1. (٣)«شرح علل الترمذي» ٢: ٨٦٨.