اعتراض: وجدنا النقاد في عدة نصوص توقفوا في قبول التعليل ببعض الأمور المذكورة مثل إنكار الراوي ما حدث به عنه، ونظر الناقد في كتاب الراوي
١٢ فقرة، ج ١ ص ٢٣٨
- ج ١ ص ٢٣٨
والحديث له علة أخرى، فقد رواه أبو صخر حميد بن زياد، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة موقوفا عليه (١) .
- (١)«سنن البيهقي» ٣: ٣٧٥.
-
ورب قائل يقول: وجدنا في عدة نصوص توقف النقاد في قبول التعليل بهذه الأمور المذكورة، مثل إنكار الراوي ما حدث به عنه، ونظر الناقد في كتاب الراوي، وكون فلان لم يرو عن فلان، ونحو ذلك.
-
فمن النصوص في هذا أن يحيى بن سعيد القطان ذكر له حديث أبي عوانة، عن منصور، عن إبراهيم النخعي، في المرأة الموسرة تريد أن تحج فيمنعها زوجها، قال: «تحج مع ذي محرم من أهلها، ولا تطيعه» ، قيل ليحيى: إن هذا لم يوجد في كتابه، فقال يحيى: «إن أبا عوانة كان مأمونا» (٢) .
وروى ابن جريج عن سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا نكحت المرأة بغير إذن وليها فنكاحها باطل ... » الحديث (٣) .
وروى إسماعيل بن علية، عن ابن جريج قوله: «فلقيت الزهري، فسألته عن هذا الحديث، فلم يعرفه ... » (٤) .
- (٢)«تاريخ بغداد» ١٣: ٤٦١.
- (٣)«سنن أبي داود» حديث (٢٠٨٣)، و «سنن الترمذي» حديث (١١٠٢)، و «سنن النسائي الكبرى» حديث (٥٣٩٤)، و «سنن ابن ماجه» حديث (١٨٧٩)، و «مسند أحمد» ٦: ٤٧.
- (٤)«مسند أحمد» ٦: ٤٧.
- ج ١ ص ٢٣٩
وقد رد رواية ابن علية هذه جماعة من النقاد، فقال أحمد وقد سئل عنها: «كتب ابن جريج مدونة، فيها أحاديثه، من حدث عنهم: ثم لقيت عطاء، ثم لقيت فلانا، فلو كان محفوظا عنه لكان هذا في كتبه ومراجعاته» (١) .
وقال ابن معين: «ليس يقول هذا إلا ابن علية، وابن علية عرض كتب ابن جريج على عبدالمجيد بن عبدالعزيز بن أبي رواد، فأصلحها له» (٢) .
وقال ابن أبي حاتم: «سمعت أبي يقول: سألت يحيى بن معين، وقلت له: حدثنا أحمد بن حنبل بحديث إسحاق الأزرق، عن شريك، عن بيان، عن قيس، عن المغيرة بن شعبة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أبردوا بالظهر» ، وذكرته للحسن بن شاذان الواسطي، فحدثنا به، وحدثنا أيضا عن إسحاق، عن شريك، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، بمثله، قال يحيى: ليس له أصل، إنما نظرت في كتاب إسحاق، فليس فيه هذا.
قلت لأبي: فما قولك في حديث عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، الذي أنكره يحيى؟ قال: هو عندي صحيح، وحدثنا
ج ١ ص ٢٤٠أحمد بن حنبل رحمه الله بالحديثين جميعا عن إسحاق الأزرق.
قلت لأبي: فما بال يحيى نظر في كتاب إسحاق فلم يجده؟ قال: كيف! نظر في كتابه كله! ، إنما نظر في بعض، وربما كان في موضع آخر» (١) .
- (١)«علل ابن أبي حاتم» ١: ٤٠٨. وعن أحمد رواية أخرى أنه اعتمد على إنكار الزهري له في تضعيف هذا الحديث، قال حرب في «مسائله» ص ٤٦٣: «قيل لأحمد: سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، عن النبي عليه السلام: «أيما امرأة نكحت بغير ولي فنكاحها باطل»، قال: هذا لا يصح، لأن الزهري سئل عنه فأنكره، وعائشة زوجت حفصة بنت عبدالرحمن -بنت أخيها-، والحديث عنها، فهذا لا يصح».
- (٢)«تاريخ الدوري عن ابن معين» ٣: ٨٦، و «سنن الترمذي» حديث (١١٠٢)، و «سنن البيهقي» ٧: ١٠٦.
- (١)«علل ابن أبي حاتم» ١: ١٣٦، وحديث المغيرة أخرجه ابن ماجه حديث (٦٨٠)، وأحمد ٤: ٢٥٠، وحديث أبي هريرة أخرجه البخاري في «التاريخ الكبير» ٨: ٢٤٣، و «التاريخ الصغير» ١: ٢٣٤. وانظر مثالا آخر لأبي حاتم في «علل ابن أبي حاتم» (٢٢٠٨).
-
وروى أبو داود الحفري، عن سفيان الثوري، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مسلم البطين، عن أبي عبدالرحمن السلمي، عن عبدالله، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم تغير وجهه، ثم قال: نحوا من ذا، أو قريبا من ذا (٢) .
- (٢)«مسند أحمد» ١: ٣٨٧، و «المعجم الكبير» حديث (٨٦١٨)، و «موضح أوهام الجمع والتفريق» ١: ٢٩٧.
-
وقيل عن سفيان الثوري، عن إبراهيم بن أبي حفصة، عن مسلم البطين به (٣) .
- (٣)«موضح أوهام الجمع والتفريق» ١: ٢٩٧، و «تاريخ دمشق» ٣٣: ١٦٣، من طريق قبيصة بن عقبة، عن الثوري.
-
سأل ابن أبي حاتم أباه، وأبا زرعة عن هذا الحديث، فأجاب أبو زرعة بأن الصحيح الوجه الثاني، وأنه قد رواه جماعة عن الثوري، ثم قال ابن أبي حاتم: «ثم ذاكرت به أبي، فقال: الصحيح عندي: عن إبراهيم بن مهاجر، ولا أعلم روى الثوري عن إبراهيم بن أبي حفصة إلا حديثا واحدا، عن سعيد بن جبير،
ج ١ ص ٢٤١قال: «الخال يعطى من الزكاة» .
وقال أبو زرعة: ولا أعلم روى إبراهيم بن مهاجر، عن مسلم البطين شيئا.
فذكرت ذلك لأبي، فقال: هذا مما روى عنه، ولا أعلم إبراهيم بن أبي حفصة روى عن مسلم البطين ... » (١) .
- (١)«علل ابن أبي حاتم» ٢: ٢٤٥، وقد نقل الخطيب في «موضح أوهام الجمع والتفريق» ١: ٢٩٨، عن الحفاظ من أهل العلم بالحديث أن الصواب رواية قبيصة، وأن رواية أبي داود الحفري وهم، وهذا يوافق اختيار أبي زرعة.
-
والجواب عن هذه النصوص وأمثالها سهل جدا، ذلك أن الاعتراض على دليل معين، لا يعني رفض الأصل الذي يندرج تحته هذا الدليل، وإلا لم يبق أصل يستدل به، فالسنة النبوية -مثلا- الأصل الثاني في التشريع بعد كتاب الله تعالى، ولو استدل مستدل بحديث، ثم اعترض عليه بأن الحديث لا يثبت، أو ليس فيه دلالة، لم يكن في هذا الاعتراض من قائله ذهاب إلى عدم الاستدلال بهذا الأصل كله، وهذا ظاهر جدا.
-
والاعتراض على أفراد الأدلة متضمن عند التأمل للإقرار بالأصل الذي تنتمي إليه، فالنصوص المذكورة تحمل في طياتها تأكيدا للأصول التي استخدمها النقاد في نقدهم للأحاديث، التي مضى الحديث عنها في المباحث الأربعة السابقة، فاعتراض أحمد على حكاية ابن علية، عن ابن جريج، متضمن لقبول أحمد بأن الراوي إذا أنكر ما نسب إليه ونفاه فذلك موجب للتوقف في روايته، لكن أحمد
ج ١ ص ٢٤٢اعترض على ثبوت ذلك عن ابن جريج، فأعل الحكاية بتفرد ابن علية بها، وبأنها غير موجودة في كتب ابن جريج، ومثله يقال في كلام ابن معين.
-
ونلحظ في جواب أحمد أمرا آخر، وهو استناده في تضعيف الحكاية إلى كونها غير موجودة في كتب ابن جريج، وهذا أحد الأصول التي سبق الحديث عنها.
-
وكذلك الحال في قول أبي حاتم في رده على إنكار ابن معين لحديث إسحاق الأزرق، ففي جواب أبي حاتم اعتماده أصل أن الحديث يتوقف فيه إذا لم يكن في كتاب الراوي، وإنما اعترض باحتمال أن يكون ابن معين نظر في بعض الكتاب، ولم يتمعنه جيدا، فكأن أبا حاتم يقول: لو تأكدت أن الحديث ليس في كتاب إسحاق لكان هناك كلام آخر.
-
ومن نافلة القول التنبيه إلى أن الوسيلة التي يستخدمها الناقد في نقده ليست بمعزل عن الوسائل الأخرى، فمناقشة الناقد للراوي، أو نظره في كتابه، أو معرفة الناقد بأحاديث الراوي، أو معرفته بشيء ما حدث في مجلس التحديث، هي وسائل مضمومة عند الناقد إلى وسائل أخر، سيأتي الحديث عنها في الأبواب اللاحقة، فربما تتعاضد الوسائل، وتقود إلى أمر واحد، فتتضح الصورة للناقد، وربما تتعارض الوسائل، فيحتاج إلى مزيد نظر وتأمل، بل ربما يتعارض تطبيق الوسيلة الواحدة، فيزداد الأمر غموضا، كما تقدم آنفا في حوار أبي حاتم، وأبي زرعة، ويأتي أيضا مزيد شرح وتوضيح لتعارض الوسائل في الأبواب اللاحقة.