تفرد الراوي بشيء يستنكر عليه أعظم عند النقاد من روايته لشيء يخالفه غيره فيه، ويتبين غلطه

١٦ فقرة، ج ١ ص ٢٦٩

  1. والواقع أن الأمر عند أئمة النقد في الجملة بخلاف ذلك، فتفرد الراوي بشيء يستنكر عليه أعظم عندهم من روايته لشيء يخالفه غيره فيه، ويتبين غلطه، وذلك لأن من أخطأ على شيخه فرفع موقوفا، أو وصل مرسلا، قد تابعه في أصل الحديث غيره، إما واحد أو أكثر، وهذه تسمى متابعة، ومخالفته له بعد ذلك في بعض الحديث إسنادا أو متنا شأن آخر، فقد وجدت المتابعة في أصل الحديث، وأما من تفرد بجملة الإسناد عن الشيخ، وقد غلط في ذلك، فلم يتابع مطلقا.

    ج ١ ص ٢٦٩
  2. ثم إن القول بأنه لم يخالف غير دقيق، فهو قد خالف غيره ممن ترك رواية هذا الذي تفرد به، فهي إذن مخالفة بالترك، وهي عندهم أشد من المخالفة بالفعل، إذا تبين غلطها.

  3. ومن أمثلة ذلك ما رواه أبو داود قال: «سمعت أحمد يقول: عند أبي داود، عن هشام -يعني الدستوائي- حديث منكر، عن قتادة، عن أنس قال: «كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يحتجمون: سبع عشرة، وتسع عشرة، وإحدى وعشرين» ، قلت له: حدثنا به مسلم، عن هشام -أعني عن قتادة- مرسلا، فأعجبه، وقال: كان عند فلان -سماه أبو عبدالله- عن علي بن المبارك، عن قتادة مرسلا» (١) .

    1. (١)«مسائل أبي داود» ص ٣٩٧.
  4. فأحمد استنكر الحديث على أبي داود الطيالسي في روايته له عن هشام الدستوائي، فإنه لم يكن سمعه من أحد عن هشام، فلما أبلغه أبو داود أنه سمعه من مسلم بن إبراهيم، عن هشام مرسلا فرح به وأعجبه، إذ قد توبع أبو داود

    ج ١ ص ٢٧٠الطيالسي، غاية ما فيه أنه غلط فوصله بذكر أنس، ثم ذكر أحمد ما يؤيد رواية مسلم، عن هشام، وهو أن علي بن المبارك قد رواه عن قتادة أيضا مرسلا.

    وقال أبو داود أيضا: «سمعت أحمد بن حنبل سئل عن حديث علي بن عاصم، عن ابن سوقة، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبدالله، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من عزى مصابا فله مثل أجره» ، فقيل لأحمد: رواه غير علي بن عاصم؟ قال: لا نعلمه رواه غيره، قلت: ولا يوقف، قال: لا يرويه غيره، قيل له: محمد بن الفضل بن عطية، فلم يعبأ به» (١) .

    1. (١)«مسائل أبي داود» ص ٤١٠، وانظر مثالا آخر لأحمد في «العلل ومعرفة الرجال» ٢: ٢٠٣، و «مسائل أبي داود» ص ٤١٦، و «مسائل إسحاق بن هانئ» ٢: ٢١٦، ويحتمل أن يكون الكلام في هذ المثال ليحيى القطان.
  5. ونحو هذا جاء عن يعقوب بن شيبة، قال عن الحديث: «حديث كوفي منكر، يرون أنه لا أصل له مسندا ولا موقوفا ... ، ولا نعلم أحدا أسنده ولا وقفه غير علي بن عاصم، وقد رواه أبو بكر النهشلي -وهو صدوق ضعيف الحديث- رواه عن محمد بن سوقة فلم يجاوز به محمدا إلى أحد فوقه، وقال: يرفع الحديث، وهذا الحديث من أعظم ما أنكره الناس على علي بن عاصم، وتكلموا فيه، مع ما أنكر عليه سواه» (٢) .

    وقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه أحمد بن عبدة، عن يحيى بن كثير ... ، عن عطاء بن السائب، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر، عن

    ج ١ ص ٢٧١النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «توضئوا من لحوم الإبل، ولا توضئوا من لحوم الغنم» .

    1. (٢)«تاريخ بغداد» ١١: ٤٥٣.
  6. سمعت أبي يقول: كنت أنكر هذا الحديث لتفرده، فوجدت له أصلا، حدثنا ابن المصفى، عن بقية، قال: حدثني فلان -سماه-، عن عطاء بن السائب، عن محارب، عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحوه.

    قال: وحدثني عبيدالله بن سعد الزهري، قال: حدثنا عمي يعقوب، عن أبيه، عن ابن إسحاق، حدثني عطاء بن السائب الثقفي، أنه سمع محارب بن دثار يذكر عن ابن عمر نحو هذا، ولم يرفعه.

    قال أبي: حديث ابن إسحاق أشبه، موقوفا» (١) .

    1. (١)«علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٨، وبقية بن الوليد قد اختلف عليه في تسمية شيخه، انظر الحديث بطرقه في: «سنن ابن ماجه» حديث (٤٩٧)، و «الأوسط» لابن المنذر ١: ١٣٩، و «تاريخ جرجان» ص ٤٧٧.
  7. والشاهد هنا أن أبا حاتم أخرج الحديث عن حد التفرد والنكارة المطلقة بهذه المتابعات، ومنها -وهو الراجح عنده- ما يعل الحديث، وأنه موقوف على ابن عمر.

    وقال ابن أبي حاتم أيضا: «سألت أبي عن حديث رواه ابن أبي عمر، عن ابن عيينة، عن ابن أبي خداش، سمع ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المماليك: «ألبسوهم مما تلبسون، وأطعموهم مما تأكلون ... » الحديث.

    قال أبي: لم أجد هذا الحديث عند الحميدي في «مسنده» ، ولا عند علي بن

    ج ١ ص ٢٧٢المديني، فإن كان محفوظا فهو غريب، قلت: على ما يصنع؟ قال: لعله أن يكون عندهما موقوفا» (١) .

    1. (١)«علل ابن أبي حاتم» ٢: ٣٠٧.
  8. ويلحظ في السؤال والجواب أن أبا حاتم متوقف في رواية ابن أبي عمر، مستنكر لها، وكان يبحث عن متابع له يرفع الغرابة عن روايته، ويقصر النكارة على رفع الحديث فقط.

  9. ويظهر أنه حال إجابته عن هذا السؤال هنا لم يقف عليه موقوفا، وقد سئل عنه مرة أخرى فذكر أنه وقف عليه، لكنه لم يسم راوي الموقوف عن ابن عيينة، وفي الجواب الثاني يوضح أبو حاتم سبب استنكار المرفوع.

    قال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه ابن أبي عمر العدني ... ، قال أبي: لم يكن هذا الحديث عند الحميدي، ولا عند علي بن المديني، ولم نجده عند أحد من أصحاب ابن عيينة، ولم أزل أفتش عن هذا الحديث، وهمني جدا، حتى رأيت في موضع: عن ابن عيينة، عن إبراهيم بن أبي خداش، عن ابن عباس موقوفا، فقلت: إن رفعه ليس له معنى، والصحيح موقوف.

    وقد كان روى ابن جريج، عن إبراهيم بن أبي خداش، عن ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «نعم المقبرة هذه -يعني مقبرة مكة- ... »، فلم يعرف بذلك الإسناد إلا هذا وحده، حتى كتبت عن ابن أبي عمر ذاك الحديث» (٢) .

    1. (٢)«علل ابن أبي حاتم» ٢: ٢٧٠. والحديث الموقوف على ابن عباس رواه الشافعي، وعلي بن المديني، عن ابن عيينة، انظر: «مسند الشافعي» حديث (٢١٦)، و «تاريخ ابن أبي خيثمة» (١٠٢١)، و «سنن البيهقي» ٨: ٨.
  10. وفي أجوبة كثيرة لأبي حاتم يظهر منها أن الغرابة عنده تزول بالمتابع وإن كان مخالفا كاشفا لعلة في الإسناد (١) ، وجاء هذا عن غيره أيضا، والظاهر أن المراد زوال الغرابة المطلقة (٢) .

    وروى نافع بن يزيد الكلاعي، عن عقيل بن خالد، عن ابن شهاب الزهري، عن أنس بن مالك، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن نبي الله أيوب عليه السلام لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة ... » الحديث بطوله (٣) .

    1. (١)ينظر: «علل ابن أبي حاتم»: المسائل: (٨٤)، (٩٠٤)، (١٢٣٣ - ١٢٣٤)، (١٢٨٧)، (١٨٥٠ - ١٨٥١)، (١٩٤٦)، (٢٢٠٥).
    2. (٢)ينظر: «الكامل» ٤: ١٣٤٣، و «تاريخ بغداد» ١٣: ٣٢٠ - ٣٢١.
    3. (٣)«مسند البزار» حديث (٢٣٥٧)، و «تفسير ابن جرير» ٢٣: ١٦٧، و «شرح مشكل الآثار» حديث (٤٥٩٣ - ٤٥٩٦)، و «مسند أبي يعلى» حديث (٣٦١٧)، و «صحيح ابن حبان» حديث (٢٨٩٨)، و «المستدرك» ٢: ١٨١، و «حلية الأولياء» ٣: ٣٧٤.
    ج ١ ص ٢٧٣
  11. قال الطحاوي بعد أن رواه من طرق عن نافع بن يزيد: «فسألت أنا إبراهيم بن أبي داود عن هذا الحديث، وقلت له: هل رواه عن عقيل غير نافع بن يزيد؟ قال: نعم، حدثنا نعيم بن حماد، قال: حدثنا ابن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم يذكر فيه أنس بن مالك» .

  12. ونلحظ في السؤال حرص الطحاوي على رفع تفرد نافع بن يزيد، وقد

    ج ١ ص ٢٧٤وثقه أحمد بن صالح المصري وغيره، لكن قال أبو حاتم: «لا بأس به» ، وقال النسائي: «ليس به بأس» ، وقد تفرد بهذا الحديث عن عقيل، والحديث خبر عمن تقدم، وفي سياقه غرابة، فيحتاج نافع بن يزيد إلى متابع، ولهذا قال ابن كثير بعد أن أورده موصولا: «وهذا غريب رفعه جدا، والأشبه أن يكون موقوفا» (١) .

    1. (١)«البداية والنهاية» ١: ٥١١.
  13. وهو كما قال ابن كثير، غريب جدا، وكأنه لم يقف عليه مرسلا، فأبدى احتمال أن تكون علته الوقف.

  14. وفي الجواب ما يدل على أن المتابع المخالف يحتاج إليه لرفع التفرد، وإن كان فيه مخالفة، ولهذا قال إبراهيم في الجواب: «نعم» ، ويونس بن يزيد قد تابع نافع بن يزيد، وهو فوقه في الرتبة, خاصة في عقيل، والقول قوله في إرسال الحديث، فصار هذا المرسل أقوى من الإسناد المتصل الذي تفرد به نافع بن يزيد، فهو علة له، وجابر له، علة له من جهة أن الراجح إرساله، وجابر له من جهة رفع التفرد عن أصل الحديث.

  15. وقد سأل ابن أبي حاتم أبا زرعة عن حديث رواه بقية بن الوليد، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنه لم ير بالقزِّ والحرير للنساء بأسا» ، فقال أبو زرعة: «هذا حديث منكر» ، فسأله ابن أبي حاتم إن كان يعرف له علة، فأجاب بالنفي.

  16. فمثل هذا الحديث لا يظن باحث أن عدم وجود العلة له خفف من ضفعه،