المتن بحسب ما يضاف إليه: المرفوع وصور الرفع الحكمي
٢٤ فقرة، ج ١ ص ١٠٦
- ج ١ ص ١٠٦
المذكورَيْن، ودَلَّ ذلك على أنَّ الحديثَ محفوظٌ، فارتقى من درجة التوقُّفِ إلى درجة القَبول. ومع ارتقائه إلى درجة القَبولِ فهو مُنْحَطٌّ عن رُتْبَةِ الحَسَنِ لِذَاتِه، ورُبَّما توقَّفَ بعضُهم عن إطلاقِ اسمِ الحَسَنِ عليه.
-
وقدِ انْقَضى ما يتعلَّقُ بالمَتْنِ مِنْ حيثُ القَبولُ والرَّدُّ.
-
ثُمَّ الإسنادُ وهو الطريقُ المُوصِلَةُ إلى المَتْنِ.
-
والمَتْنُ: هو غايةُ ما ينتهي إليه الإسنادُ مِنَ الكَلام.
-
وهو إمَّا أن ينتهيَ إلى النبىّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ويقتضى لفظُه -إمّا تصريحًا أو حُكمًا- أنَّ المنقولَ بذلك الإسناد من قوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أو من فعله أو من تقريره.
-
مثالُ المرفوعِ من القَوْل تصريحًا: أن يقولَ الصحابيُّ: سمعت رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يقول كذا، أو: حدَّثَنا رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بكذا، أو يقولَ هو أو غيرُه: قال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كذا، أو: عن رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه قال كذا، ونحوَ ذلك.
-
ومثالُ المرفوعِ من الفعل تصريحًا: أنْ يقولَ الصحابيُّ: رأيتُ رسولَ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَعَلَ كذا، أو يقولَ هو أو غيرهُ: كان رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يفعلُ كذا.
-
ومثالُ المرفوعِ من التقرير تصريحًا: أنْ يقولَ الصحابيُّ فَعَلْتُ بحَضْرةِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كذا، أو يقولَ هو أو غيرُه: فَعَلَ فلانٌ بحَضْرة النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كذا، ولا يَذْكُرَ إنكارَهُ لذلك.
-
ومثالُ المرفوع مِنَ القَوْل حُكمًا لا تصريحًا: ما يقولُ الصحابيُّ -الذي لم يَأخذْ عن الإسرائيلياتِ (١) - ما لا مجالَ للاجتهاد فيه (٢) ، ولا لَهُ تَعَلُّقٌ
ج ١ ص ١٠٧ببيانِ لُغَةٍ أو شرحٍ غريبٍ، كالإخبار عن الأمور الماضية من بَدْءِ الخَلْقِ وأخبارِ الأنبياء، أو الآتيةِ كالملاحِمِ والفِتَنِ (١) وأحوالِ يومِ القِيامة، وكذا الإخبارِ عمَّا يَحْصُلُ بفعله ثوابٌ مخصوصٌ أو عِقَابٌ مخصوص.
-
وإنما كان له حُكْمُ المرفوع، لأنَّ إِخبارَه بذلك يقتضي مُخْبِرًا له، وما لا مَجَالَ للاجتهاد فيه يقتضي مُوَقِّفًا (٢) للقائِل به، ولا مُوَقِّفَ للصحابة إلَّا النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أو بعضُ مَنْ يُخبِرُ عن الكُتُب القديمة، فلِهذا وَقَعَ الاحترازُ عنِ القِسْم الثاني (٣) .
-
فإذا كان كذلك فَلَهُ حُكْمُ ما لو قال: قال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فهو مرفوعٌ سَوَاءٌ كان مِمَّا سَمِعَه منه أو عنه بواسطة.
-
ومثالُ المرفوعِ من الفِعْل حُكْمًا: أنْ يفعلَ (٤) ما لا مجالَ للاجتهاد فيه، فَيُنَزَّلُ على أنَّ ذلك عندَه عن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، كما قال الشافعيُّ في صلاة عليٍّ في الكُسُوف في كُلِّ رَكْعَةٍ أكثرُ من رُكُوعَيْن (٥) .
-
ومثالُ المرفوعِ من التقرير حُكمًا: أنْ يُخبِرَ الصحابيُّ أنهم كانوا يفعلون في زمان النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كذا (٦) ، فإنه يكونُ له حُكْمُ الرَّفْع مِنْ جِهَةِ أنَّ الظاهِرَ اطِّلاعُه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على ذلك لِتَوفُّرِ دَوَاعِيهم على سؤاله عن أمُورِ دينهم،
ج ١ ص ١٠٨ولأنَّ ذلك الزمانَ زمانُ نزولِ الوَحْي فلا يقعُ من الصحابةِ فِعْلُ شيءٍ ويَستَمِرُّون عليه إلَّا وهو غيرُ ممنوعِ الفِعْلِ.
-
وقَدْ استدَلَّ جابرٌ وأبو سعيدٍ رضي الله عنهما على جواز العَزْلِ بأنَّهم كانوا يَفْعَلونَه والقرآنُ يَنْزِلُ (١) ، ولو كان مما يُنْهَى عنه لنَهَى عنه القرآنُ.
-
ويَلْتَحِقُ بقوله "حُكمًا" ما وَرَدَ بصيغة الكِناية في مَوْضِعِ الصِّيَغِ الصَّريحةِ بالنسبةِ إليه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كقول التابعيِّ عن الصحابيِّ: "يَرْفَعُ الحديثَ، أو يَرْوِيه، أو يَنْمِيه، أو روايةً، أو يبلُغُ به، أو رَوَاه" (٢) .
-
وقد يَقْتَصِرُونَ على القول مع حَذْفِ القائل (٣) ، ويريدون به النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كقول ابنِ سيرينَ عن أبي هريرةَ قال: قال: تُقاتِلون قومًا. . . الحديث (٤) ، وفي كلام الخطيبِ أنه اصطلاحٌ خاصٌّ بأهل البَصْرة.
-
ومن الصيغِ المحتملة قولُ الصحابي: "من السُّنَّة كذا" ، فالأكثرُ أنَّ ذلك مرفوعٌ، ونَقَلَ ابنُ عبد البَرِّ فيه الاتفاقَ، قال: وإذا قالها غيرُ الصحابي فكذلك ما لم يُضِفْهَا إلى صاحِبِها كَسُنَّةِ العُمَرَيْن، وفي نَقْلِ الاتفاقِ نَظَرٌ، فعَنِ الشافعي في أصلِ المسألة قَولانِ، وذهبَ إلى أنه غيرُ مرفوعٍ أبو بكرٍ الصَّيْرَفيّ (٥) من الشافعية، وأبو بكرٍ الرازي من الحَنَفِيَّة،
ج ١ ص ١٠٩وابنُ حَزْمٍ (١) من أهل الظاهر، واحتجّوا بأنَّ السُّنَّةَ تترددُ بين النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وبين غيره.
-
وأُجِيبوا: بأنَّ احتمالَ إرادةِ غيرِ النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بعيدٌ، وقد روى البخاريُّ في صحيحهِ في حديث ابنِ شِهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه في قصته مع الحَجَّاجِ حين قال له: "إنْ كُنْتَ تُريدُ السُّنَّةَ فَهَجِّرْ بالصلاة" قال ابنُ شِهاب: فقلتُ لِسَالِمٍ: أَفَعَلَهُ رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ فقال: "وهل يَعْنُونَ بذلك إلا سُنَّتَه؟! " (٢) ، فنَقَلَ سالمٌ -وهو أحدُ الفقهاء السبعة (٣) من أهل المدينة وأحدُ الحفَّاظِ من التابعين- عن الصحابة أنهم إذا أَطلقوا السنةَ لا يريدون بذلك إلا سنةَ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
-
وأمَّا قولُ بعضِهم: إنْ كان مرفوعًا فَلِمَ لا يقولون فيه: قال رسولُ الله؟ فجوابُه: أنهم تركوا الجَزْمَ بذلك تورّعًا واحتياطًا، ومن هذا قولُ أبي قِلابَةَ (٤) عن أنس: "مِنَ السُّنةِ إذا تزوَّجَ البِكْرَ على الثيِّبِ أقامَ عندها سَبْعًا" أخرجاه في الصحيح (٥) .
ج ١ ص ١١٠قال أبو قِلابَةَ: "لو شِئْتُ لَقُلْتُ إنَّ أنسًا رفعَه إلى النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-" . أي لو قلت لم أَكذِبْ لأنَّ قولَه: "من السُّنةِ" هذا معناه، لكنَّ إيرادَهُ بالصيغة التي ذَكرَها الصحابة أَوْلى.
-
ومن ذلك قولُ الصحابي: "أُمِرنا بكذا" أو "نُهينا عن كذا" ، فالخلافُ فيه كالخِلافِ في الذي قَبْلَه (١) لأنَّ مُطْلَقَ ذلك يَنْصرِفُ بظاهره إلى مَنْ له الأمرُ والنهيُ وهو الرسولُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
-
وخالفَ في ذلك طائفةٌ تمسَّكوا باحتمالِ أنْ يكونَ المرادُ غَيْرَه كأَمْرِ القرآنِ أو الإجماعِ أو بعضِ الخُلَفَاءِ أو الاستنباطِ؟ وأُجيبوا: بأنَّ الأصلَ هو الأولُ وما عَدَاهُ مُحتَمل، لكنّه بالنسبة إليه مَرْجُوحٌ. وأيضًا فمَنْ كان في طاعةِ رئيسٍ إذا قال: أُمِرْتُ، لا يُفهمُ عنه أنَّ آمِرَه إلا رئيسُه.
-
وأمَّا قَوْلُ مَنْ قال: يَحْتَمِلُ أنْ يَظُنَّ ما ليس بأمرٍ أمرًا فلا اختصاصَ له بهذه المسألة، بل هو مذكورٌ فيما لو صَرَّحَ فقال: أَمَرنا رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بكذا، وهو احتمالٌ ضعيفٌ، لأنَّ الصحابيَّ عَدْلٌ عارِفٌ باللسانِ فلا يُطْلِقُ ذلك إلا بَعْدَ التحقيق.
-
ومن ذلك قولُه: "كُنَّا نفعلُ كذا" ، فله حُكْمُ الرفع أيضًا كما تقدم (٢) .
-
ومن ذلك أنْ يَحكُمَ الصحابيُّ على فِعْلٍ من الأفعال بأنه طاعةٌ لله أو لِرسوله أو معصيةٌ، كقولِ عمَّار: "مَنْ صامَ اليومَ الذي يُشَكُّ فيه فقد عَصى