إفادة خبر الآحاد العلم النظري إذا احتف بالقرائن، وصور من ذلك

١٤ فقرة، ج ١ ص ٥٢

  1. وقد يَقَعُ فيها أيْ في أخبارِ الآحادِ المنقسمةِ إلى: مشهورٍ، وعزيزٍ، وغريبٍ ما يفيد العِلْمَ النظريَّ بالقرائنِ على المُختار، خِلافًا لِمَنْ أبى ذلك. والخلافُ في التحقيقِ لفظيٌّ، لأنَّ مَنْ جَوَّزَ إطلاقَ العِلْمِ قَيّدَهُ بكونِهِ نظريًّا، وهو الحاصلُ عنِ الاستدلالِ، ومَنْ أبى الإطلاقَ خصَّ لفظَ العِلْمِ بالمتواتِر، وما عَدَاهُ عندَه ظَنِّيٌّ، لكنه لا ينفي أنَّ ما احْتَفَّ بالقرائنِ أَرْجَحُ ممَّا خَلا عنها.

    ج ١ ص ٥٢
  2. والخبر المُحْتَفُّ بالقرائنِ (١) أنواعٌ:
  3. منها: ما أخرجه الشيخانِ في صحيحيهما ممّا لم يبلغِ التواتُرَ، فإنّه احْتَفَّتْ به قرائنُ، منها:

    - جلالتُهما في هذا الشأن.

  4. - وتقدُّمُهما في تمييز الصحيح على غيرهما.

  5. - وتَلَقِّي العلماءِ لكتابيهما بالقبول، وهذا التَّلَقِّي وحدَهُ أقوى في إفادة العِلْمِ من مُجرَّدِ كَثْرَةِ الطُّرُقِ القاصِرَةِ عن التواتُرِ. إلَّا أنّ هذا يَختصُّ بما لم ينتقدْهُ أحد من الحُفَّاظ ممّا في الكِتَابَين (٢) ، وبما لم يقَعِ التخالُف

    ج ١ ص ٥٣بين مدلولَيْه مما وقعَ في الكِتَابَيْن حيثُ لا ترجيحَ (١) ، لِاستحالةِ أنْ يُفِيدَ المتناقضانِ العِلْمَ بصِدْقِهِما من غيرِ ترجيحٍ لأحدهما على الآخر، وما عدا ذلك فالإجماعُ حاصِلٌ على تسليم صِحَّتِهِ.

  6. فإنْ قيل: "إنّما اتفقوا على وجوبِ العملِ به لا على صِحَّتِه" ، مَنَعْنَاهُ، وسنَدُ المنعِ (٢) أنهم مُتَّفِقُونَ على وجوب العملِ بكل ما صحَّ ولو لم يُخْرِجْه الشيخانِ، فلم يَبْقَ لِلصحيحينِ في هذا مزيةٌ، والإجماعُ حاصِلٌ على أنَّ لهما مزيةً فيما يَرجعُ إلى نَفْسِ الصِّحَّةِ وممَّنْ صرَّحَ بإفادةِ ما خَرّجه الشيخانِ العِلْمَ النظري: الأستاذُ أبو إسحاقَ الإسفرائيني (٣) ، ومن أئمة الحديث أبو عبد الله الحُمَيْدي (٤) وأبو الفضل بن طاهر (٥) وغيرُهُما. ويَحْتَمِل أنْ يُقالَ: المزيَّةُ المذكورةُ كونُ أحاديثهما أصحُّ الصحيح.

  7. ومنها (١) : المشهورُ إذا كانت له طرقٌ متباينةٌ سالمةٌ من ضَعْفِ الرُّواةِ والعِلَلِ، وممَّنْ صرَّحَ بإفادته العلمَ النظريَّ الأستاذُ أبو منصور البغدادي (٢) والأستاذُ أبو بكر بن فُوْرَك (٣) وغيرُهُما.

    ج ١ ص ٥٤
  8. ومنها: المُسَلْسَلُ (٤) بالأئمةِ الحُفَّاظِ المتقنين، حيث لا يكونُ غريبًا، كالحديث الذي يرويه أحمدُ بنُ حنبل (٥) مثلًا ويشاركه فيه غيرهُ عن الشافعي (٦) ويشاركه فيه غيرُه عن مالك بن أنس، فإنه يُفيد العِلْمَ عند

    ج ١ ص ٥٥سامِعِه بالاستدلال من جهة جلالةِ رُواتِه وأنَّ فيهم من الصفات اللائِقَةِ الموجِبَةِ للقَبولِ ما يقوم مَقَامَ العددِ الكثيرِ من غيرهم، ولا يَتَشَكَّكُ مَنْ له أَدْنى ممارسةٍ بالعِلْمِ وأخبارِ الناس أنّ مالكًا مثلًا لو شافَهَهُ بخبرٍ أنه صادِقٌ فيه، فإذا انضافَ إليه مَنْ هو في تلك الدرجةِ ازدادَ قوةً، وبَعُدَ ما يُخْشَى عليه من السَّهْو.

  9. وهذه الأنواعُ (١) التي ذكرناها لا يَحصُلُ العِلْمُ بصدق الخبر منها إلا للعالِمِ بالحديثِ المتبحِّرِ فيه العارفِ بأحوال الرواة، المُطَّلِعِ على العِلَلِ. وكونُ غيره لا يحصلُ له العِلْمُ بصدق ذلك -لقصوره عن الأوصاف المذكورة التي ذكرناها- لا يَنْفي حصولَ العِلْمِ للمتبحِّر المذكور.

  10. ومُحَصَّلُ الأنواعِ الثلاثة التي ذكرناها أنّ:

    الأوّلَ: يَختصُّ بالصحيحين.

  11. والثانيَ: بما له طُرُقٌ متعدِّدَةٌ.

  12. والثالثَ: بما رواهُ الأئمَّةُ.

  13. ويمكن اجتماع الثلاثةِ في حديثٍ واحد، ولا يَبْعُدُ حينئذٍ القَطْعُ بصدقِه، واللهُ أعلمُ (٢) .

  14. ثُمَّ الغَرَابةُ (٣) إمّا أنْ تكونَ في أصلِ السَّنَدِ: أي في الموضع الذي يدورُ