٣٢ - باب الصلاة على النبي ﷺ

٧٣ فقرة، ج ١٢ ص ١٥٢

الصفحة ١ من ٢

  1. ٦٣٥٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى قَالَ: لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ فَقَالَ: أَلَا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً؟ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: فَقُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.

    ج ١٢ ص ١٥٢
  2. ٦٣٥٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَالدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا السَّلَامُ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّي؟ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ.

  3. قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ هَذَا الْإِطْلَاقُ يَحْتَمِلُ حُكْمَهَا وَفَضْلَهَا وَصِفَتَهَا وَمَحَلَّهَا، وَالِاقْتِصَارُ عَلَى مَا أَوْرَدَهُ فِي الْبَابِ يَدُلُّ عَلَى إِرَادَةِ الثَّالِثِ، وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ الثَّانِي، أَمَّا حُكْمُهَا فَحَاصِلُ مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ فِيهِ عَشَرَةُ مَذَاهِبَ

    أَوَّلُهَا: قَوْلُ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ: إِنَّهَا مِنَ الْمُسْتَحَبَّاتِ، وَادَّعَى الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ.

  4. ثَانِيهَا: مُقَابِلُهُ، وَهُوَ نَقْلُ ابْنِ الْقِصَارِ وَغَيْرِهِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهَا تَجِبُ فِي الْجُمْلَةِ بِغَيْرِ حَصْرٍ، لَكِنْ أَقَلُّ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِجْزَاءُ مَرَّةً.

  5. ثَالِثُهَا: تَجِبُ فِي الْعُمْرِ فِي صَلَاةٍ أَوْ فِي غَيْرِهَا، وَهِيَ مِثْلُ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ

    ج ١٢ ص ١٥٣وَابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ الْمُفَسِّرُ: لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِهَا فِي الْعُمْرِ مَرَّةً، وَأَنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي كُلِّ حِينٍ وُجُوبَ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ، وَسَبَقَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ.

  6. رَابِعُهَا: تَجِبُ فِي الْقُعُودِ آخِرَ الصَّلَاةِ بَيْنَ قَوْلِ التَّشَهُّدِ وَسَلَامِ التَّحَلُّلِ، قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ.

  7. خَامِسُهَا: تَجِبُ فِي التَّشَهُّدِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ.

  8. سَادِسُهَا: تَجِبُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ مَنْ نَقَلَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ.

  9. سَابِعُهَا: يَجِبُ الْإِكْثَارُ مِنْهَا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِعَدَدٍ، قَالَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ بُكَيْرٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ.

  10. ثَامِنُهَا. كُلَّمَا ذُكِرَ، قَالَهُ الطَّحَاوِيُّ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْحَلِيمِيُّ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّهُ الْأَحْوَطُ، وَكَذَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ.

  11. تَاسِعهَا: فِي كُلِّ مَجْلِسٍ مَرَّةً، وَلَوْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهُ مِرَارًا، حَكَاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.

  12. عَاشِرُهَا: فِي كُلِّ دُعَاءٍ، حَكَاهُ أَيْضًا.

  13. وَأَمَّا مَحَلُّهَا فَيُؤْخَذُ مِمَّا أَوْرَدْتُهُ مِنْ بَيَانِ الْآرَاءِ فِي حُكْمِهَا، وَسَأَذْكُرُ مَا وَرَدَ فِيهِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى فَضْلِهَا، وَأَمَّا صِفَتُهَا فَهِيَ أَصْلُ مَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي حَدِيثَيِ الْبَابِ.

  14. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الْحَكَمُ) لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ عَنْ شُعْبَةَ إِلَّا هَكَذَا غَيْرَ مَنْسُوبٍ، وَهُوَ فَقِيهُ الْكُوفَةِ فِي عَصْرِهِ، وَهُوَ ابْنُ عُتَيْبَةَ بِمُثَنَّاةٍ وَمُوَحَّدَةٍ مُصَغَّرٌ، وَوَقَعَ عَنِ التِّرْمِذِيِّ، وَالطَّبَرَانِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ رِوَايَةِ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ وَغَيْرِهِ مَنْسُوبًا، قَالُوا: عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ، وَهُوَ وَالِدُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى فَقِيهِ الْكُوفَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، يُنْسَبُ إِلَى جَدِّهِ.

  15. قَوْلُهُ: (لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ) فِي رِوَايَةِ فِطْرِ بْنِ خَلِيفَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى: لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ الْأَنْصَارِيُّ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَنَقَلَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنِ الْوَاقِدِيِّ أَنَّهُ أَنْصَارِيٌّ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَتَعَقَّبَهُ فَقَالَ: لَمْ أَجِدْهُ فِي نَسَبِ الْأَنْصَارِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ بَلَوِيٌّ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ: أَنَّهُ بَلَوِيٌّ حَالَفَ الْأَنْصَارَ، وَعَيَّنَ الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنِ الْحَكَمِ الْمَكَانَ الَّذِي الْتَقَيَا بِهِ، فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ بِلَفْظِ: أَنَّ كَعْبًا قَالَ لَهُ، وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ.

  16. قَوْلُهُ: (أَلَا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً) زَادَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ جَدِّهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ: سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ .

  17. قَوْلُهُ: (إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ عَلَيْنَا) يَجُوزُ فِي أَنَّ الْفَتْحَ وَالْكَسْرَ، وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ: فِي هَذَا السِّيَاقِ إِضْمَارٌ تَقْدِيرُهُ: فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: نَعَمْ، فَقَالَ كَعْبٌ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ . قُلْتُ: وَقَعَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي رِوَايَةِ شَبَّابَةَ، وَعَفَّانَ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ: قُلْتُ: بَلَى، قَالَ أَخْرَجَهُ الْخِلَعِيُّ فِي فَوَائِدِهِ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى الْمَذْكُورَةِ، وَلَفْظُهُ: فَقُلْتُ: بَلَى، فَأَهْدِهَا لِي، فَقَالَ.

  18. قَوْلُهُ: (فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ) كَذَا فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: قُلْنَا بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، وَكَذَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي الْبَابِ، وَمِثْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي بُرَيْدَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَفِي حَدِيثِ طَلْحَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ شُعْبَةَ بِسَنَدِ حَدِيثِ الْبَابِ: قُلْنَا - أَوْ قَالُوا -: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِالشَّكِّ، وَالْمُرَادُ الصَّحَابَةُ أَوْ مَنْ حَضَرَ مِنْهُمْ، وَوَقَعَ عِنْدَ السَّرَّاجِ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ رِوَايَةِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الْحَكَمِ بِهِ: أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالُوا، وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّ السُّؤَالَ صَدَرَ مِنْ بَعْضِهِمْ لَا مِنْ جَمِيعِهِمْ، فَفِيهِ التَّعْبِيرُ عَنِ الْبَعْضِ بِالْكُلِّ، ثُمَّ قَالَ: وَيَبْعُدُ جِدًّا أَنْ يَكُونَ كَعْبٌ هُوَ الَّذِي بَاشَرَ السُّؤَالَ مُنْفَرِدًا، فَأَتَى بِالنُّونِ الَّتِي لِلتَّعْظِيمِ، بَلْ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَجَابَ بِقَوْلِهِ: قُولُوا، فَلَوْ كَانَ السَّائِلُ وَاحِدًا لَقَالَ لَهُ قُلْ، وَلَمْ يَقُلْ قُولُوا.

  19. انْتَهَى، وَلَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُ نَفْيِ الْجَوَازِ، وَمَا الْمَانِعُ أَنْ يَسْأَلَ الصَّحَابِيُّ الْوَاحِدُ عَنِ الْحُكْمِ، فَيُجِيبُ ﷺ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ إِشَارَةً إِلَى اشْتَرَاكِ الْكُلِّ فِي الْحُكْمِ، وَيُؤَكِّدُهُ أَنَّ فِي نَفْسِ السُّؤَالِ: قَدْ عَرَفْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ فَكَيْفَ نُصَلِّي؟ كُلُّهَا بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ سَأَلَ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ، فَحَسُنَ الْجَوَابُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، لَكِنَّ الْإِتْيَانَ بِنُونِ الْعَظَمَةِ فِي

    ج ١٢ ص ١٥٤خِطَابِ النَّبِيِّ ﷺ لَا يُظَنُّ بِالصَّحَابِيِّ، فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ السَّائِلَ كَانَ مُتَعَدِّدًا فَوَاضِحٌ، وَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ وَاحِدًا فَالْحِكْمَةُ فِي الْإِتْيَانِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ السُّؤَالَ لَا يَخْتَصُّ بِهِ بَلْ يُرِيدُ نَفْسَهُ وَمَنْ يُوَافِقُهُ عَلَى ذَلِكَ، فَحَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنَ الْجَمْعِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ عَلَى أَنَّ الَّذِي نَفَاهُ الْفَاكِهَانِيُّ قَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ، فَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْأَجْلَحِ، عَنِ الْحَكَمِ بِلَفْظِ: قُمْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ قَدْ عَرَفْنَاهُ، فَكَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: قُلِ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ الْحَدِيثَ، وَقَدْ وَقَفْتُ مِنْ تَعْيِينِ مَنْ بَاشَرَ السُّؤَالَ عَلَى جَمَاعَةٍ وَهُمْ: كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ، وَبَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ وَالِدُ النُّعْمَانِ، وَزَيْدُ بْنُ خَارِجَةَ الْأَنْصَارِيُّ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بَشِيرٍ، أَمَّا كَعْبٌ فَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْحَكَمِ بِهَذَا السَّنَدِ بِلَفْظِ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَلِمْنَا وَأَمَّا بَشِيرٌ فَفِي حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ عِنْدَ مَالِكٍ،

    وَمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ فِي مَجْلِسِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَقَالَ لَهُ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ: أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ الْحَدِيثَ، وَأَمَّا زَيْدُ بْنُ خَارِجَةَ فَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِهِ قَالَ: أَنَا سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: صَلُّوا عَلَيَّ وَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، وَقُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ الْحَدِيثَ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيثِ طَلْحَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكَ؟ وَمَخْرَجُ حَدِيثِهِمَا وَاحِدٌ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ مِنْ حَدِيثِهِ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَشِيرٍ فَأَخْرَجَهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي كِتَابِ فَضْلِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قُلْتُ: - أَوْ قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ هَكَذَا عِنْدَهُ عَلَى الشَّكِّ، وَأَبْهَمَ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَجْلَحِ، وَحَمْزَةَ الزَّيَّاتِ، عَنِ الْحَكَمِ السَّائِلَ وَلَفْظُهُ: جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَلِمْنَا وَوَقَعَ لِهَذَا السُّؤَالِ سَبَبٌ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَالْخِلَعِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَاحِ الزَّعْفَرَانِيِّ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا، عَنِ الْأَعْمَشِ، وَمِسْعَرٌ، وَمَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الْآيَةَ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنَا الْحَدِيثَ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَكَّارٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ

    زَكَرِيَّا، وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ بَلْ أَحَالَ بِهِ عَلَى مَا قَبْلَهُ فَهُوَ عَلَى شَرْطِهِ، وَأَخْرَجَهُ السَّرَّاجُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ وَحْدَهُ كَذَلِكَ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَإِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَجْلَحِ، وَالسَّرَّاجُ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ، وَزَائِدَةُ فَرَّقَهُمَا، وَأَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ الْأَجْلَحِ، وَحَمْزَةُ الزَّيَّاتُ كُلُّهُمْ عَنِ الْحَكَمِ مِثْلَهُ، وَأَخْرَجَ أَبُو عَوَانَةَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى مِثْلَهُ، وَفِي حَدِيثِ طَلْحَةَ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ: أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ﴾ الْآيَةَ، فَكَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكَ؟

  20. قَوْلُهُ: (قَدْ عَلِمْنَا) الْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَةِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ اللَّامِ مُخَفَّفًا، وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ ضَمُّ أَوَّلِهِ وَالتَّشْدِيدُ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ وَبِالشَّكِّ، وَلَفْظُهُ: قُلْنَا: قَدْ عُلِّمْنَاهُ أَوْ عُلِّمْنَا رُوِّينَاهُ فِي الْخَلِيعَاتِ، وَكَذَا أَخْرَجَ السَّرَّاجُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنِ الْحَكَمِ بِلَفْظِ: عُلِّمْنَا أَوْ عُلِّمْنَاهُ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورَةِ: أَمَرْتَنَا أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ، وَأَنْ نُسَلِّمَ عَلَيْكَ، فَأَمَّا السَّلَامُ فَقَدْ عَرَفْنَاهُ وَفِي ضَبْطِ عَرَفْنَاهُ مَا تَقَدَّمَ فِي عُلِّمْنَاهُ، وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ: أَمَرْتَنَا أَيْ: بَلَّغْتَنَا عَنِ اللَّهِ - تَعَالَى - أَنَّهُ أَمَرَ بِذَلِكَ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ: أَمَرَنَا اللَّهُ وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى الْمَذْكُورَةِ: كَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ عَلَّمَنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ، أَيْ: عَلَّمَنَا اللَّهُ كَيْفِيَّةَ السَّلَامِ عَلَيْكَ عَلَى لِسَانِكَ وَبِوَاسِطَةِ بَيَانِكَ، وَأَمَّا إِتْيَانُهُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فِي قَوْلِهِ: عَلَيْكُمْ فَقَدْ بَيَّنَ مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ: أَهْلَ

    ج ١٢ ص ١٥٥الْبَيْتِ؛ لِأَنَّهُ لَوِ اقْتَصَرَ عَلَيْهَا لَاحْتَمَلَ أَنْ يُرِيدَ بِهَا التَّعْظِيمَ، وَبِهَا تَحْصُلُ مُطَابَقَةُ الْجَوَابِ لِلسُّؤَالِ حَيْثُ قَالَ: عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَبِهَذَا يُسْتَغْنَى عَنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ: فِي الْجَوَابِ زِيَادَةٌ عَلَى السُّؤَالِ؛ لِأَنَّ السُّؤَالَ وَقَعَ عَنْ كَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَوَقَعَ الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ بِزِيَادَةِ كَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى آلِهِ.

  21. قَوْلُهُ: (كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ) قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى السَّلَامِ الَّذِي فِي التَّشَهُّدِ وَهُوَ قَوْلُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِقولِهِمْ: فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ أَيْ: بَعْدَ التَّشَهُّدِ انْتَهَى. وَتَفْسِيرُ السَّلَامُ بِذَلِكَ هُوَ الظَّاهِرُ، وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِيهِ احْتِمَالًا وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ السَّلَامُ الَّذِي يَتَحَلَّلُ بِهِ مِنَ الصَّلَاةِ، وَقَالَ: إِنَّ الْأَوَّلَ أَظْهَرُ، وَكَذَا ذَكَرَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ، وَرَدَّ بَعْضُهُمُ الِاحْتِمَالَ الْمَذْكُورَ بِأَنَّ سَلَامَ التَّحَلُّلِ لَا يَتَقَيَّدُ بِهِ اتِّفَاقًا كَذَا قِيلَ، وَفِي نَقْلِ الِاتِّفَاقِ نَظَرٌ، فَقَدْ جَزَمَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَقُولَ عِنْدَ سَلَامِ التَّحَلُّلِ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، ذَكَرَهُ عِيَاضٌ وَقَبْلَهُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ وَغَيْرُهُ.

  22. قَوْلُهُ: (فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟) زَادَ أَبُو مَسْعُودٍ فِي حَدِيثِهِ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تَمَنَّيْنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ وَإِنَّمَا تَمَنَّوْا ذَلِكَ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ لَمْ يُعْجِبْهُ السُّؤَالُ الْمَذْكُورُ؛ لِمَا تَقَرَّرَ عِنْدَهُمْ مِنَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: - تَعَالَى -: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ مِنْ سُورَةِ الْمَائِدَةِ بَيَانُ ذَلِكَ، وَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: فَسَكَتَ حَتَّى جَاءَهُ الْوَحْيُ فَقَالَ: تَقُولُونَ وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِقولِهِمْ: كَيْفَ فَقِيلَ: الْمُرَادُ السُّؤَالُ عَنْ مَعْنَى الصَّلَاةِ الْمَأْمُورِ بِهَا بِأَيِّ لَفْظٍ يُؤَدَّى، وَقِيلَ عَنْ صِفَتِهَا، قَالَ عِيَاضٌ: لَمَّا كَانَ لَفْظُ الصَّلَاةِ الْمَأْمُورِ بِهَا فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ يَحْتَمِلُ الرَّحْمَةَ وَالدُّعَاءَ وَالتَّعْظِيمَ سَأَلُوا: بِأَيِّ لَفْظٍ تُؤَدَّى؟ هَكَذَا قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ، وَرَجَّحَ الْبَاجِيُّ أَنَّ السُّؤَالَ إِنَّمَا وَقَعَ عَنْ صِفَتِهَا لَا عَنْ جِنْسِهَا، وَهُوَ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ لَفْظَ: كَيْفَ ظَاهِرٌ فِي الصِّفَةِ، وَأَمَّا الْجِنْسُ فَيُسْأَلُ عَنْهُ بِلَفْظِ: مَا وَبِهِ جَزَمَ الْقُرْطُبِيُّ، فَقَالَ: هَذَا سُؤَالُ مَنْ أَشْكَلَتْ عَلَيْهِ كَيْفِيَّةُ مَا فُهِمَ أَصْلُهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ عَرَفُوا الْمُرَادَ بِالصَّلَاةِ، فَسَأَلُوا عَنِ الصِّفَةِ الَّتِي تَلِيقُ بِهَا لِيَسْتَعْمِلُوهَا. انْتَهَى.

  23. وَالْحَامِلُ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ السَّلَامَ لَمَّا تَقَدَّمَ بِلَفْظٍ مَخْصُوصٍ، وَهُوَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَهِمُوا مِنْهُ أَنَّ الصَّلَاةَ أَيْضًا تَقَعُ بِلَفْظٍ مَخْصُوصٍ، وَعَدَلُوا عَنِ الْقِيَاسِ؛ لِإِمْكَانِ الْوُقُوفِ عَلَى النَّصِّ وَلَا سِيَّمَا فِي أَلْفَاظِ الْأَذْكَارِ فَإِنَّهَا تَجِيءُ خَارِجَةً عَنِ الْقِيَاسِ غَالِبًا، فَوَقَعَ الْأَمْرُ كَمَا فَهِمُوا؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ لَهُمْ قُولُوا: الصَّلَاةُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَلَا قُولُوا: الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ، إِلَخْ، بَلْ عَلَّمَهُمْ صِيغَةً أُخْرَى.

  24. قَوْلُهُ: (قَالَ: قُولُوا: اللَّهُمَّ) هَذِهِ كَلِمَةٌ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهَا فِي الدُّعَاءِ، وَهُوَ بِمَعْنَى: يَا اللَّهُ، وَالْمِيمُ عِوَضٌ عَنْ حَرْفِ النِّدَاءِ، فَلَا يُقَالُ: اللَّهُمَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ مَثَلًا، وَإِنَّمَا يُقَالُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، وَلَا يَدْخُلُهَا حَرْفُ النِّدَاءِ إِلَّا فِي نَادِرٍ، كَقَوْلِ الرَّاجِزِ:

    إِنِّي إِذَا مَا حَادِثٌ أَلَمَّا … أَقُولُ يَا اللَّهُمَّ يَا اللَّهُمَّا

    وَاخْتُصَّ هَذَا الِاسْمُ بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ عِنْدَ النِّدَاءِ، وَوُجُوبِ تَفْخِيمِ لَامِهِ، وَبِدُخُولِ حَرْفِ النِّدَاءِ عَلَيْهِ مَعَ التَّعْرِيفِ، وَذَهَبَ الْفَرَّاءُ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنَ الْكُوفِيِّينَ إِلَى أَنَّ أَصْلَهُ: يَا اللَّهُ وَحُذِفَ حَرْفُ النِّدَاءِ تَخْفِيفًا وَالْمِيمُ، مَأْخُوذٌ مِنْ جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ مِثْلُ أُمَّنَا بِخَيْرٍ، وَقِيلَ: بَلْ زَائِدَةٌ كَمَا فِي زُرْقُمٍ لِلشَّدِيدِ الزُّرْقَةِ، وَزِيدَتْ فِي الِاسْمِ الْعَظِيمِ تَفْخِيمًا، وَقِيلَ: بَلْ هُوَ كَالْوَاوِ الدَّالَّةِ عَلَى الْجَمْعِ، كَأَنَّ الدَّاعِيَ قَالَ: يَا مَنِ اجْتَمَعَتْ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى، وَلِذَلِكَ شُدِّدَتِ الْمِيمُ؛ لِتَكُونَ عِوَضًا عَنْ عَلَامَةِ الْجَمْعِ، وَقَدْ جَاءَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: اللَّهُمَّ: مُجْتَمَعُ الدُّعَاءِ، وَعَنِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ: مَنْ قَالَ: اللَّهُمَّ، فَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِجَمِيعِ أَسْمَائِهِ.

  25. قَوْلُهُ: (صَلِّ) تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ تَفْسِيرِ الْأَحْزَابِ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ أَنَّ مَعْنَى صَلَاةِ اللَّهِ عَلَى نَبِيِّهِ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ مَلَائِكَتِهِ، وَمَعْنَى صَلَاةِ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِ الدُّعَاءُ لَهُ. وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حِبَّانَ قَالَ: صَلَاةُ

    ج ١٢ ص ١٥٦اللَّهِ مَغْفِرَتُهُ، وَصَلَاةُ الْمَلَائِكَةِ الِاسْتِغْفَارُ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مَعْنَى صَلَاةِ الرَّبِّ: الرَّحْمَةُ، وَصَلَاةِ الْمَلَائِكَةِ: الِاسْتِغْفَارُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ: صَلَاةُ اللَّهِ: رَحْمَتُهُ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: مَغْفِرَتُهُ، وَصَلَاةُ الْمَلَائِكَةِ: الدُّعَاءُ، أَخْرَجَهُمَا إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي عَنْهُ، وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ الدُّعَاءَ بِالْمَغْفِرَةِ وَنَحْوِهَا، وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: الصَّلَاةُ مِنَ اللَّهِ: الرَّحْمَةُ، وَمِنَ الْمَلَائِكَةِ: رِقَّةٌ تَبْعَثُ عَلَى اسْتِدْعَاءِ الرَّحْمَةِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ اللَّهَ غَايَرَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالرَّحْمَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ وَكَذَلِكَ فَهِمَ الصَّحَابَةُ الْمُغَايَرَةَ مِنْ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا﴾ حَتَّى سَأَلُوا عَنْ كَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ مَعَ تَقَدُّمِ ذِكْرِ الرَّحْمَةِ فِي تَعْلِيمِ السَّلَامِ، حَيْثُ جَاءَ بِلَفْظِ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَأَقَرَّهُمُ النَّبِيُّ ﷺ فَلَوْ كَانَتِ الصَّلَاةُ بِمَعْنَى الرَّحْمَةِ لَقَالَ لَهُمْ: قَدْ عَلِمْتُمْ ذَلِكَ فِي السَّلَامِ، وَجَوَّزَ الْحَلِيمِيُّ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ بِمَعْنَى السَّلَامِ عَلَيْهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَحَدِيثُ الْبَابِ يَرُدُّ عَلَى ذَلِكَ، وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ مَا تَقَدَّمَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ أَنَّ مَعْنَى صَلَاةِ اللَّهِ عَلَى نَبِيِّهِ: ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ وَتَعْظِيمُهُ، وَصَلَاةُ الْمَلَائِكَةِ وَغَيْرِهِمْ

    عَلَيْهِ: طَلَبُ ذَلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى -، وَالْمُرَادُ طَلَبُ الزِّيَادَةِ لَا طَلَبُ أَصْلِ الصَّلَاةِ، وَقِيلَ: صَلَاةُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ تَكُونُ خَاصَّةً، وَتَكُونُ عَامَّةً؛ فَصَلَاتُهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ هِيَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الثَّنَاءِ وَالتَّعْظِيمِ، وَصَلَاتُهُ عَلَى غَيْرِهِمُ الرَّحْمَةُ، فَهِيَ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ.

  26. وَنَقَلَ عِيَاضٌ عَنْ بَكْرٍ الْقُشَيْرِيِّ قَالَ: الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنَ اللَّهِ تَشْرِيفٌ وَزِيَادَةُ تَكْرِمَةٍ، وَعَلَى مَنْ دُونِ النَّبِيِّ رَحْمَةٌ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ سَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ، حَيْثُ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي السُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ﴾ وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي يَلِيقُ بِالنَّبِيِّ ﷺ مِنْ ذَلِكَ أَرْفَعُ مِمَّا يَلِيقُ بِغَيْرِهِ، وَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ تَعْظِيمِ النَّبِيِّ ﷺ وَالتَّنْوِيهُ بِهِ مَا لَيْسَ فِي غَيْرِهَا، وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ فِي الشُّعَبِ: مَعْنَى الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ تَعْظِيمُهُ، فَمَعْنَى قَوْلِنَا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ: عَظِّمْ مُحَمَّدًا.

  27. وَالْمُرَادُ تَعْظِيمُهُ فِي الدُّنْيَا بِإِعْلَاءِ ذِكْرِهِ وَإِظْهَارِ دِينِهِ وَإِبْقَاءِ شَرِيعَتِهِ، وَفِي الْآخِرَةِ بِإِجْزَالِ مَثُوبَتِهِ وَتَشْفِيعِهِ فِي أُمَّتِهِ وَإِبْدَاءِ فَضِيلَتِهِ بِالْمَقَامِ الْمَحْمُودِ، وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ ادْعُوا رَبَّكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، انْتَهَى، وَلَا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ عَطْفُ آلِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُدْعَى لَهُمْ بِالتَّعْظِيمِ إِذْ تَعْظِيمُ كُلِّ أَحَدٍ بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِهِ، وَمَا تَقَدَّمَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ أَظْهَرُ؛ فَإِنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ اسْتِعْمَالُ لَفْظِ الصَّلَاةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى مَلَائِكَتِهِ وَإِلَى الْمُؤْمِنِينَ الْمَأْمُورِينَ بِذَلِكَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ التَّرَحُّمِ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَاخْتُلِفَ فِي جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَوْ كَانَ مَعْنَى قَوْلِنَا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، اللَّهُمَّ ارْحَمْ مُحَمَّدًا، أَوْ تَرَحَّمْ عَلَى مُحَمَّدٍ، لَجَازَ لِغَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَكَذَا لَوْ كَانَتْ بِمَعْنَى الْبَرَكَةِ، وَكَذَا الرَّحْمَةُ لَسَقَطَ الْوُجُوبُ فِي التَّشَهُّدِ عِنْدَ مَنْ يُوجِبُهُ بِقَوْلِ الْمُصَلِّي فِي التَّشَهُّدِ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَيُمْكِنُ الِانْفِصَالُ بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ بِطَرِيقِ التَّعَبُّدِ، فَلَا بُدَّ مِنَ الْإِتْيَانِ بِهِ وَلَوْ سَبَقَ الْإِتْيَانُ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ.

  28. قَوْلُهُ: (عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ) كَذَا وَقَعَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ فِي قَوْلِهِ: صَلِّ وَفِي قَوْلِهِ: وَبَارِكْ وَلَكِنْ وَقَعَ فِي الثَّانِي: وَبَارِكْ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ وَوَقَعَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ آدَمَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ: عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَلَمْ يَقُلْ: عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَأَخَذَ الْبَيْضَاوِيُّ مِنْ هَذَا أَنَّ ذِكْرَ الْآلِ فِي رِوَايَةِ الْأَصْلِ مُقْحَمٌ، كَقَوْلِهِ: عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى. قُلْتُ: وَالْحَقُّ أَنَّ ذِكْرَ مُحَمَّدٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَذِكْرَ آلِ مُحَمَّدٍ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ ثَابِتٌ فِي أَصْلِ الْخَبَرِ، وَإِنَّمَا حَفِظَ بَعْضُ الرُّوَاةِ مَا لَمْ يَحْفَظِ الْآخَرُ، وَسَأُبَيِّنُ مَنْ سَاقَهُ تَامًّا بَعْدَ قَلِيلٍ، وَشَرَحَ الطِّيبِيُّ عَلَى مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ هُنَا فَقَالَ: هَذَا اللَّفْظُ يُسَاعِدُ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّ مَعْنَى قَوْلِ الصَّحَابِيِّ: عَلِمْنَا كَيْفَ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيْ: فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا

    ج ١٢ ص ١٥٧صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ أَيْ عَلَى أَهْلِ بَيْتكَ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ قَدْ عُرِفَتْ مَعَ السَّلَامِ مِنَ الْآيَةِ، قَالَ: فَكَانَ السُّؤَالُ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَى الْآلِ تَشْرِيفًا لَهُمْ، وَقَدْ ذُكِرَ مُحَمَّدٌ فِي الْجَوَابِ لِقولِهِ - تَعَالَى - ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وَفَائِدَتُهُ الدَّلَالَةُ عَلَى الِاخْتِصَاصِ، قَالَ: وَإِنَّمَا تَرَكَ ذِكْرَ إِبْرَاهِيمَ؛ لِيُنَبِّهَ عَلَى هَذِهِ النُّكْتَةِ، وَلَوْ ذُكِرَ لَمْ يُفْهَمْ أَنَّ ذِكْرَ مُحَمَّدٍ عَلَى سَبِيلِ التَّمْهِيدِ، انْتَهَى.

  29. وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ مَا قَالَ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ: عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي الْبَابِ: عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَلَمْ يَذْكُرْ آلَ مُحَمَّدٍ وَلَا آلَ إِبْرَاهِيمَ، وَهَذَا إِنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى مَا قُلْتُهُ أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظِ الْآخَرُ، وَالْأَظْهَرُ فَسَادُ مَا بَحَثَهُ الطِّيبِيُّ.

  30. وَفِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ فِي الْبَابِ بَعْدَهُ: عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْآلَ فِي الصَّحِيحِ، وَوَقَعَتْ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ، وَأَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَذُرِّيَّتِهِ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلَكِنْ وَقَعَ فِي السَّنَدِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ شَيْخِ أَبِي دَاوُدَ فِيهِ وَبَيْنَ عَمْرِو بْنِ عَاصِمٍ شَيْخِ شَيْخِ النَّسَائِيِّ فِيهِ، فَرَوَيَاهُ مَعًا عَنْ حِبَّانَ بْنِ يَسَارٍ - وَهُوَ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ، وَأَبُوهُ بِمُثَنَّاةٍ وَمُهْمَلَةٍ خَفِيفَةٍ - فَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُوسَى عَنْهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ عَاصِمٍ عَنْهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَرِوَايَةُ مُوسَى أَرْجَحُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِحِبَّانَ فِيهِ سَنَدَانِ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ وَحْدَهُ فِي آخِرِهِ: فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ السَّرَّاجِ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: يَنْبَغِي أَنْ يَجْمَعَ مَا فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَأَزْوَاجِهِ، وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَآلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ مِثْلَهُ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: فِي الْعَالَمِينَ وَقَالَ فِي الْأَذْكَارِ مِثْلَهُ، وَزَادَ: عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ

    بَعْدَ قَوْلِهِ: مُحَمَّدٍ فِي مَحَلٍّ وَلَمْ يَزِدْهَا فِي بَارِكْ، وَقَالَ فِي التَّحْقِيقِ وَالْفَتَاوَى مِثْلَهُ إِلَّا أَنَّهُ أَسْقَطَ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ فِي وَبَارِكْ، وَفَاتَهُ أَشْيَاءُ لَعَلَّهَا تُوَازِي قَدْرَ مَا زَادَهُ أَوْ تَزِيدُ عَلَيْهِ؛ مِنْهَا قَوْلُهُ: أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ قَوْلِهِ: أَزْوَاجِهِ، وَمِنْهَا: وَأَهْلِ بَيْتِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَذُرِّيَّتِهِ، وَقَدْ وَرَدَتْ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَمِنْهَا: وَرَسُولِكَ فِي: وَبَارِكْ وَمِنْهَا: فِي الْعَالَمِينَ فِي الْأَوَّلِ، وَمِنْهَا: إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ قَبْلَ: وَبَارِكْ وَمِنْهَا: اللَّهُمَّ قَبْلَ: وَبَارِكْ فَإِنَّهُمَا ثَبَتَا مَعًا فِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ، وَمِنْهَا: وَتَرَحَّمْ عَلَى مُحَمَّدٍ، إِلَخْ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهَا بَعْدُ، وَمِنْهَا فِي آخِرِ التَّشَهُّدِ: وَعَلَيْنَا مَعَهُمْ، وَهِيَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْحَكَمِ نَحْوُ حَدِيثِ الْبَابِ، قَالَ فِي آخِرِهِ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَنَحْنُ نَقُولُ: وَعَلَيْنَا مَعَهُمْ، وَكَذَا أَخْرَجَهَا السَّرَّاجُ مِنْ طَرِيقِ زَائِدَةَ، وَتَعَقَّبَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ قَالَ: هَذَا شَيْءٌ انْفَرَدَ بِهِ زَائِدَةُ، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْآلِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَمِنْ جُمْلَتِهِ أَنَّهُمْ أُمَّتُهُ، فَلَا يَبْقَى لِلتَّكْرَارِ فَائِدَةٌ، وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ، فَلَا نَرَى أَنْ نُشْرِكَ فِي هَذِهِ الْخُصُوصِيَّةِ مَعَ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ أَحَدًا، وَتَعَقَّبَهُ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ بِأَنَّ زَائِدَةَ مِنَ الْأَثْبَاتِ فَانْفِرَادُهُ لَوِ انْفَرَدَ لَا يَضُرُّ مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يَنْفَرِدْ، فَقَدْ أَخْرَجَهَا إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي كِتَابِ فَضْلِ الصَّلَاةِ مِنْ طَرِيقَيْنِ عَنْ

    يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، وَيَزِيدُ اسْتَشْهَدَ بِهِ مُسْلِمٌ، وَعِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ فِي الشُّعَبِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ نَحْوُ حَدِيثِ الْبَابِ، وَفِي آخِرِهِ: وَعَلَيْنَا مَعَهُمْ، وَأَمَّا الْإِيرَادُ الْأَوَّلُ فَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِمَنْ يَرَى أَنَّ مَعْنَى الْآلِ كُلُّ الْأُمَّةِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَمْتَنِعُ

    ج ١٢ ص ١٥٨أَنْ يَعْطِفَ الْخَاصَّ عَلَى الْعَامِّ، وَلَا سِيَّمَا فِي الدُّعَاءِ، وَأَمَّا الْإِيرَادُ الثَّانِي فَلَا نَعْلَمُ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ تَبَعًا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ اسْتِقْلَالًا، وَقَدْ شُرِعَ الدُّعَاءُ لِلْآحَادِ بِمَا دَعَاهُ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ لِنَفْسِهِ فِي حَدِيثِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ مِنْهُ مُحَمَّدٌ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَحَدِيثُ جَابِرٍ ضَعِيفٌ وَرِوَايَةُ يَزِيدَ أَخْرَجَهَا أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ عَنْهُ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: قَالَ يَزِيدُ: فَلَا أَدْرِي أَشَيْءٌ زَادَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، أَوْ رَوَاهُ عَنْ كَعْبٍ.

  31. وَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، وَوَرَدَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ مَرْفُوعَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ فِطْرِ بْنِ خَلِيفَةَ، عَنِ الْحَكَمِ بِلَفْظِ: يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ - إِلَى قَوْلِهِ: - وَآلِ إِبْرَاهِيمَ، وَصَلِّ عَلَيْنَا مَعَهُمْ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ - مِثْلَهُ، وَفِي آخِرِهِ: - وَبَارِكْ عَلَيْنَا مَعَهُمْ وَرُوَاتُهُ مُوَثَّقُونَ، لَكِنَّهُ فِيمَا أَحْسَبُ مُدْرَجٌ؛ لِمَا بَيَّنَهُ زَائِدَةُ، عَنِ الْأَعْمَشِ.

  32. ثَانِيهِمَا عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ، لَكِنْ قَالَ: اللَّهُمَّ بَدَلَ الْوَاوِ فِي: وَصَلِّ وَفِي: وَبَارِكْ، وَفِيهِ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُجَاهِدٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَقَدْ تَعَقَّبَ الْإِسْنَوِيُّ مَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فَقَالَ: لَمْ يَسْتَوْعِبْ مَا ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ مَعَ اخْتِلَافِ كَلَامِهِ، وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ: لَمْ يَسْبِقْ إِلَى مَا قَالَ. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْأَفْضَلَ لِمَنْ تَشَهَّدَ أَنْ يَأْتِيَ بِأَكْمَلِ الرِّوَايَاتِ وَيَقُولَ كُلَّ مَا ثَبَتَ هَذَا مَرَّةً وَهَذَا مَرَّةً، وَأَمَّا التَّلْفِيقُ فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ إِحْدَاثَ صِفَةٍ فِي التَّشَهُّدِ لَمْ تَرِدْ مَجْمُوعَةً فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ، انْتَهَى. وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْقَيِّمِ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةَ لَمْ تَرِدْ مَجْمُوعَةً فِي طَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُسْتَعْمَلَ كُلُّ لَفْظٍ ثَبَتَ عَلَى حِدَةٍ، فَبِذَلِكَ يَحْصُلُ الْإِتْيَانُ بِجَمِيعِ مَا وَرَدَ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ الْجَمِيعُ دَفْعَةً وَاحِدَةً؛ فَإِنَّ الْغَالِبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَقُلْهُ كَذَلِكَ، وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ أَيْضًا كَانَ يَلْزَمُ الشَّيْخَ أَنْ يَجْمَعَ الْأَلْفَاظَ الْوَارِدَةَ فِي التَّشَهُّدِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ لَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ أَنْ لَا يَلْتَزِمَهُ، وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ أَيْضًا: قَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي أَلْفَاظِ التَّشَهُّدِ وَنَحْوِهِ، كَالِاخْتِلَافِ فِي الْقِرَاءَاتِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ بِاسْتِحْبَابِ التِّلَاوَةِ بِجَمِيعِ الْأَلْفَاظِ فِي الْحَرْفِ الْوَاحِدِ مِنَ الْقُرْآنِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَجَازَ ذَلِكَ عِنْدَ التَّعْلِيمِ لِلتَّمْرِينِ، انْتَهَى.

  33. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ اللَّفْظَ إِنْ كَانَ بِمَعْنَى اللَّفْظِ الْآخَرِ سَوَاءٌ كَمَا فِي أَزْوَاجِهِ وَأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فَالْأَوْلَى الِاقْتِصَارُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ يَسْتَقِلُّ بِزِيَادَةِ مَعْنًى لَيْسَ فِي اللَّفْظِ الْآخَرِ الْبَتَّةَ، فَالْأَوْلَى الْإِتْيَانُ بِهِ، وَيَحْتَمِلُ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظِ الْآخَرُ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ كَانَ يَزِيدُ عَلَى الْآخَرِ فِي الْمَعْنَى شَيْئًا مَا فَلَا بَأْسَ بِالْإِتْيَانِ بِهِ احْتِيَاطًا، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ الطَّبَرِيُّ: إِنَّ ذَلِكَ الِاخْتِلَافَ الْمُبَاحُ، فَأَيُّ لَفْظٍ ذَكَرَهُ الْمَرْءُ أَجْزَأَ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ أَكْمَلَهُ وَأَبْلَغَهُ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ النَّقْلِ عَنِ الصَّحَابَةِ، فَذَكَرَ مَا نُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ، وَهُوَ حَدِيثٌ مَوْقُوفٌ طَوِيلٌ أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَالطَّبَرِيُّ، والطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ فَارِسٍ، وَأَوَّلُهُ. اللَّهُمَّ دَاحِيَ الْمَدْحُوَّاتِ إِلَى أَنْ قَالَ.

  34. اجْعَلْ شَرَائِفَ صَلَوَاتِكَ وَنَوَامِيَ بَرَكَاتِكَ، وَرَأْفَةَ تَحِيَّتِكَ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ الْحَدِيثَ، وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ بِلَفْظِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ صَلَوَاتِكَ وَبَرَكَاتِكَ وَرَحْمَتَكَ عَلَى سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ إِمَامِ الْمُتَّقِينَ وَخَاتَمِ النَّبِيِّينَ مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالطَّبَرِيُّ، وَادَّعَى ابْنُ الْقَيِّمِ أَنَّ أَكْثَرَ الْأَحَادِيثِ بَلْ كُلُّهَا مُصَرِّحَةٌ بِذِكْرِ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَبِذِكْرِ آلِ إِبْرَاهِيمَ فَقَطْ، أَوْ بِذَكَرِ إِبْرَاهِيمَ فَقَطْ، قَالَ: وَلَمْ يَجِئْ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ بِلَفْظِ إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ مَعًا، إِنَّمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ السَّبَّاقِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَيَحْيَى مَجْهُولٌ وَشَيْخُهُ مُبْهَمٌ، فَهُوَ سَنَدٌ ضَعِيفٌ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ قَوِيٍّ لَكِنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ

    ج ١٢ ص ١٥٩طَلْحَةَ.

    قُلْتُ: وَغَفَلَ عَمَّا وَقَعَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ فِي تَرْجَمَةِ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى بِلَفْظِ: كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ وَكَذَا فِي قَوْلِهِ: : كَمَا بَارَكْتَ وَكَذَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ عَنْهُ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بَلْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ: عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ وَبِلَفْظِ: عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْأَجْلَحِ، عَنِ الْحَكَمِ مِثْلَهُ سَوَاءً، وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ حَنْظَلَةَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَا سَأَذْكُرُهُ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَمِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ رَفَعَهُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ صَلَوَاتِكَ وَرَحْمَتَكَ وَبَرَكَاتِكَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا جَعَلْتَهَا عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْلُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ

    الْمُشَارِ إِلَيْهِ زِيَادَةٌ أُخْرَى وَهِيَ: وَارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآلَ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ وَتَرَحَّمْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ الْحَدِيثَ، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَاغْتَرَّ بِتَصْحِيحِهِ قَوْمٌ فَوَهِمُوا؛ فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ السَّبَّاقِ وَهُوَ مَجْهُولٌ عَنْ رَجُلٍ مُبْهَمٍ، نَعَمْ أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ قَوْلِهِ: قَالَ: قُولُوا: اللَّهُمَّ اجْعَلْ صَلَوَاتِكَ وَرَحْمَتَكَ وَبَرَكَاتِكَ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ الْحَدِيثَ، وَبَالَغَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي إِنْكَارِ ذَلِكَ، فَقَالَ: حَذَارِ مِمَّا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ مِنْ زِيَادَةِ: وَتَرَحَّمْ؛ فَإِنَّهُ قَرِيبٌ مِنَ الْبِدْعَةِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ عَلَّمَهُمْ كَيْفِيَّةَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ بِالْوَحْيِ، فَفِي الزِّيَادَةِ عَلَى ذَلِكَ اسْتِدْرَاكٌ عَلَيْهِ، انْتَهَى.

  35. وَابْنُ أَبِي زَيْدٍ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي صِفَةِ التَّشَهُّدِ فِي الرِّسَالَةِ لَمَّا ذَكَرَ مَا يُسْتَحَبُّ فِي التَّشَهُّدِ، وَمِنْهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، فَزَادَ: وَتَرَحَّمْ عَلَى مُحَمَّدِ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ إِلَخْ، فَإِنْ كَانَ إِنْكَارُهُ؛ لِكَوْنِهِ لَمْ يَصِحَّ، فَمُسَلَّمٌ، وَإِلَّا فَدَعْوَى مَنِ ادَّعَى أَنَّهُ لَا يُقَالُ: ارْحَمْ مُحَمَّدًا مَرْدُودَةٌ؛ لِثُبُوتِ ذَلِكَ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ أَصَحُّهَا فِي التَّشَهُّدِ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ثُمَّ وَجَدْتُ لِابْنِ أَبِي زَيْدٍ مُسْتَنَدًا، فَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ مِنْ طَرِيقِ حَنْظَلَةَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: مَنْ قَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَتَرَحَّمْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا تَرَحَّمْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، شَهِدْتُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَشَفَعْتُ لَهُ وَرِجَالُ سَنَدِهِ رِجَالُ الصَّحِيحِ إِلَّا سَعِيدَ بْنَ سُلَيْمَانَ مَوْلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ الرَّاوِي لَهُ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ عَلِيٍّ فَإِنَّهُ مَجْهُولٌ.

  36. (تَنْبِيه) : هَذَا كُلُّهُ فِيمَا يُقَالُ مَضْمُومًا إِلَى السَّلَامِ أَوِ الصَّلَاةِ، وَقَدْ وَافَقَ ابْنَ الْعَرَبِيِّ، الصَّيْدَلَانِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى الْمَنْعِ، وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْأَنْصَارِيُّ شَارِحُ الْإِرْشَادِ: يَجُوزُ ذَلِكَ مُضَافًا إِلَى الصَّلَاةِ وَلَا يَجُوزُ مُفْرَدًا، وَنَقَلَ عِيَاضٌ عَنِ الْجُمْهُورِ الْجَوَازَ مُطْلَقًا، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: إِنَّهُ الصَّحِيحُ؛ لِوُرُودِ الْأَحَادِيثِ بِهِ، وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فَفِي الذَّخِيرَةِ مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ مُحَمَّدٍ يُكْرَهُ ذَلِكَ؛ لِإِيهَامِهِ النَّقْصَ؛ لِأَنَّ الرَّحْمَةَ غَالِبًا إِنَّمَا تَكُونُ عَنْ فِعْلِ مَا يُلَامُ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِمَنْعِهِ فَقَالَ: لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ إِذَا ذُكِرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَقُولَ: رحمه الله ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَلَمْ يَقُلْ: مَنْ تَرَحَّمَ عَلَيَّ، وَلَا مَنْ دَعَا لِي، وَإِنْ كَانَ مَعْنَى الصَّلَاةِ الرَّحْمَةَ، وَلَكِنَّهُ خُصَّ هَذَا اللَّفْظُ تَعْظِيمًا لَهُ، فَلَا يُعْدَلُ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ

    ج ١٢ ص ١٦٠قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ انْتَهَى. وَهُوَ بَحْثٌ حَسَنٌ، لَكِنْ فِي التَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ نَظَرٌ، وَالْمُعْتَمَدُ الثَّانِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  37. قَوْلُهُ: (وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ) قِيلَ: أَصْلُ آلِ أَهْلٌ قُلِبَتِ الْهَاءُ هَمْزَةً، ثُمَّ سُهِّلَتْ، وَلِهَذَا إِذَا صُغِّرَ رُدَّ إِلَى الْأَصْلِ، فَقَالُوا: أُهَيْلٌ، وَقِيلَ: بَلْ أَصْلُهُ أَوَلَ مِنْ آلَ إِذَا رَجَعَ، سُمِّيَ بِذَلِكَ مَنْ يَئُولُ إِلَى الشَّخْصِ وَيُضَافُ إِلَيْهِ، وَيُقَوِّيهِ أَنَّهُ لَا يُضَافُ إِلَّا إِلَى مُعَظَّمٍ، فَيُقَالُ: آلُ الْقَاضِي، وَلَا يُقَالُ: آلُ الْحَجَّامِ، بِخِلَافِ أَهْلِ، وَلَا يُضَافُ آلُ أَيْضًا غَالِبًا إِلَى غَيْرِ الْعَاقِلِ وَلَا إِلَى الْمُضْمَرِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَجَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ بِقِلَّةٍ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي شِعْرِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِي قَوْلِهِ فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الْفِيلِ مِنْ أَبْيَاتٍ:

    وَانْصُرْ عَلَى آلِ الصَّلِ … يبِ وَعَابِدِيهِ الْيَوْمَ آلَكْ

    وَقَدْ يُطْلَقُ آلُ فُلَانٍ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ يُضَافُ إِلَيْهِ جَمِيعًا، وَضَابِطُهُ أَنَّهُ إِذَا قِيلَ فَعَلَ آلُ فُلَانٍ كَذَا دَخَلَ هُوَ فِيهِمْ إِلَّا بِقَرِينَةٍ، وَمِنْ شَوَاهِدِهِ قَوْلُهُ ﷺ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: إِنَّا آلَ مُحَمَّدٍ لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ وَإِنْ ذُكِرَا مَعًا فَلَا، وَهُوَ كَالْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ، وَكَذَا الْإِيمَانُ وَالْإِسْلَامُ وَالْفُسُوقُ وَالْعِصْيَانُ، وَلَمَّا اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُ الْحَدِيثِ فِي الْإِتْيَانِ بِهِمَا مَعًا، وَفِي إِفْرَادِ أَحَدِهِمَا كَانَ أَوْلَى الْمَحَامِلِ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ ﷺ قَالَ ذَلِكَ كُلَّهَ، وَيَكُونُ بَعْضُ الرُّوَاةِ حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظِ الْآخَرُ، وَأَمَّا التَّعَدُّدُ فَبَعِيدٌ؛ لِأَنَّ غَالِبَ الطُّرُقِ تُصَرِّحُ بِأَنَّهُ وَقَعَ جَوَابًا عَنْ قَوْلِهِمْ: كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ بِدُونِ ذِكْرِ إِبْرَاهِيمَ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى بِنَاءً عَلَى دُخُولِ إِبْرَاهِيمَ فِي قَوْلِهِ: آلِ إِبْرَاهِيمَ، كَمَا تَقَدَّمَ.

  38. وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِآلِ مُحَمَّدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، فَالرَّاجِحُ أَنَّهُمْ مَنْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ وَاضِحًا فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَهَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاخْتَارَهُ الْجُمْهُورُ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: إِنَّا آلَ مُحَمَّدٍ لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبُيُوعِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ: إِنَّ هَذِهِ الصَّدَقَةَ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَحْمَدُ: الْمُرَادُ بِآلِ مُحَمَّدٍ فِي حَدِيثِ التَّشَهُّدِ أَهْلُ بَيْتِهِ، وَعَلَى هَذَا فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: أَهْلٌ، عِوَضَ آلٍ؟ رِوَايَتَانِ عِنْدَهُمْ.

  39. وَقِيلَ الْمُرَادُ بِآلِ مُحَمَّدٍ: أَزْوَاجُهُ وَذُرِّيَّتُهُ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ جَاءَ بِلَفْظِ: وَآلِ مُحَمَّدٍ وَجَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ مَوْضِعُهُ: وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآلِ الْأَزْوَاجُ وَالذُّرِّيَّةُ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ ثَبَتَ الْجَمْعُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظْ غَيْرُهُ، فَالْمُرَادُ بِالْآلِ فِي التَّشَهُّدِ: الْأَزْوَاجُ، وَمِنْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ، وَيَدْخُلُ فِيهِمُ الذُّرِّيَّةُ، فَبِذَلِكَ يُجْمَعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، وَقَدْ أَطْلَقَ عَلَى أَزْوَاجِهِ ﷺ آلَ مُحَمَّدٍ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ خُبْزٍ مَأْدُومٍ ثَلَاثًا وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَيَأْتِي فِي الرِّقَاقِ، وَفِيهِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا.

  40. وَكَأَنَّ الْأَزْوَاجَ أُفْرِدُوا بِالذِّكْرِ تَنْوِيهًا بِهِمْ وَكَذَا الذُّرِّيَّةُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْآلِ ذُرِّيَّةُ فَاطِمَةَ خَاصَّةً، حَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَقِيلَ: هُمْ جَمِيعُ قُرَيْشٍ، حَكَاهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْكِفَايَةِ وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْآلِ جَمِيعُ الْأُمَّةِ أُمَّةِ الْإِجَابَةِ، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: مَالَ إِلَى ذَلِكَ مَالِكٌ وَاخْتَارَهُ الْأَزْهَرِيٌّ وَحَكَاهُ أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَقَيَّدَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَالرَّاغِبُ بِالْأَتْقِيَاءِ مِنْهُمْ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُ مَنْ أَطْلَقَ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلا الْمُتَّقُونَ﴾ وَقَوْلُهُ: ﷺ : إِنَّ أَوْلِيَائِي مِنْكُمُ الْمُتَّقُونَ وَفِي نَوَادِرِ أَبِي الْعَيْنَاءِ إِنَّهُ غَضَّ مِنْ بَعْضِ الْهَاشِمِيِّينَ فَقَالَ لَهُ: أَتَغُضُّ مِنِّي وَأَنْتَ تُصَلِّي عَلَيَّ فِي كُلِّ صَلَاةٍ؟ فِي قَوْلِكَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ: إِنِّي أُرِيدُ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَلَسْتَ مِنْهُمْ وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ مَنْ أَطْلَقَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّلَاةِ الرَّحْمَةُ الْمُطْلَقَةُ، فَلَا تَحْتَاجُ إِلَى تَقْيِيدٍ، وَقَدِ

    ج ١٢ ص ١٦١اسْتُدِلَّ لَهُمْ بِحَدِيثِ أَنَسٍ رَفَعَهُ: آلُ مُحَمَّدٍ كُلُّ تَقِيٍّ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَلَكِنْ سَنَدَهُ وَاهٍ جِدًّا، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ، عَنْ جَابِرٍ نَحْوَهُ مِنْ قَوْلِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ.