٧ - باب من ترك قتال الخوارج للتألف ولئلا ينفر الناس عنه
٦٧ فقرة، ج ١٣ ص ٢٩٠
الصفحة ١ من ٢
- ج ١٣ ص ٢٩٠
٦٩٣٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُ جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ذِي الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ، فَقَالَ: اعْدِلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: وَيْلَكَ، وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ؟ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ. قَالَ: دَعْهُ، فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ، يُنْظَرُ فِي قُذَذِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إلى نَصْلِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إلى رِصَافِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي نَضِيِّهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، قَدْ سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ، آيَتُهُمْ رَجُلٌ إِحْدَى يَدَيْهِ - أَوْ قَالَ ثَدْيَيْهِ - مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ، أَوْ قَالَ: مِثْلُ الْبَضْعَةِ تَدَرْدَرُ، يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَشْهَدُ سَمِعْتُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيًّا قَتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ، جِيءَ بِالرَّجُلِ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَهُ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: فَنَزَلَتْ فِيهِ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾.
-
٦٩٣٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ حَدَّثَنَا يُسَيْرُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ "قُلْتُ لِسَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ: هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ فِي الْخَوَارِجِ شَيْئًا؟ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ وَأَهْوَى بِيَدِهِ قِبَلَ الْعِرَاقِ: يَخْرُجُ مِنْهُ قَوْمٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الإِسْلَامِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنْ الرَّمِيَّةِ"
-
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ تَرَكَ قِتَالَ الْخَوَارِجِ لِلتَّأَلُّفِ وَلِئَلَّا يَنْفِرَ النَّاسُ مِنْهُ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ فِي ذِكْرِ الَّذِي
ج ١٣ ص ٢٩١قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ اعْدِلْ. فَقَالَ عُمَرُ: ائْذَنْ لِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، قَالَ: دَعْهُ.
-
وَلَيْسَ فِيهِ بَيَانُ السَّبَبِ فِي الْأَمْرِ بِتَرْكِهِ، وَلَكِنَّهُ وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ، فَأَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ بِلَالِ بْنِ يَقْطُرَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِمُوَيْلٍ فَقَعَدَ يَقْسِمُهُ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ: فَقَالَ أَصْحَابُهُ: أَلَا تَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ فَقَالَ: لَا أُرِيدُ أَنْ يَسْمَعَ الْمُشْرِكُونَ أَنِّي أَقْتُلُ أَصْحَابِي.
-
وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ نَحْوُ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَفِيهِ: فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنِي يَا رَسُولَ فَأَقْتُلَ هَذَا الْمُنَافِقَ، فَقَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنِّي أَقْتُلُ أَصْحَابِي، إِنَّ هَذَا وَأَصْحَابُهُ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْهُ، لَكِنَّ الْقِصَّةَ الَّتِي فِي حَدِيثِ جَابِرٍ صَرَّحَ فِي حَدِيثِهِ بِأَنَّهَا كَانَتْ مُنْصَرَفَ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْجِعِرَّانَةِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ، وَكَانَ الَّذِي قَسَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ حِينَئِذٍ فِضَّةً كَانَتْ فِي ثَوْبِ بِلَالٍ، وَكَانَ يُعْطِي كُلَّ مَنْ جَاءَ مِنْهَا، وَالْقِصَّةُ الَّتِي فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ صَرَّحَ فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ عَنْهُ أَنَّهَا كَانَتْ بَعْدَ بَعْثِ عَلِيٍّ إِلَى الْيَمَنِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ، وَكَانَ الْمَقْسُومُ فِيهَا ذَهَبًا وَخَصَّ بِهِ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ، فَهُمَا قِصَّتَانِ فِي وَقْتَيْنِ اتَّفَقَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا إِنْكَارُ الْقَائِلِ، وَصَرَّحَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ، وَلَمْ يُسَمِّ الْقَائِلَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ، وَوَهِمَ مَنْ سَمَّاهُ ذَا الْخُوَيْصِرَةِ ظَانًّا اتِّحَادَ الْقِصَّتَيْنِ.
-
وَوَجَدْتُ لِحَدِيثِ جَابِرٍ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَهُوَ يَقْسِمُ شَيْئًا فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، اعْدِلْ وَلَمْ يُسَمِّ الرَّجُلَ أَيْضًا، وَسَمَّاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ.
-
وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرِيُّ أَيْضًا وَلَفْظُهُ: أَتَى ذُو الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَقْسِمُ الْغَنَائِمَ بِحُنَيْنٍ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ فَذَكَرَ نَحْوَ هَذَا الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ عِنْدَ قِسْمَةِ غَنَائِمِ حُنَيْنٍ وَعِنْدَ قِسْمَةِ الذَّهَبِ الَّذِي بَعَثَهُ عَلِيٌّ.
قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: التَّرْجَمَةُ فِي تَرْكِ قِتَالِ الْخَوَارِجِ، وَالْحَدِيثُ فِي تَرْكِ الْقَتْلِ لِلْمُنْفَرِدِ وَالْجَمِيعِ إِذَا أَظْهَرُوا رَأْيَهُمْ وَنَصَبُوا لِلنَّاسِ الْقِتَالَ وَجَبَ قِتَالُهُمْ، وَإِنَّمَا تَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ قَتْلَ الْمَذْكُورِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَظْهَرَ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى مَا وَرَاءَهُ، فَلَوْ قَتَلَ مَنْ ظَاهِرُهُ الصَّلَاحُ عِنْدَ النَّاسِ قَبْلَ اسْتِحْكَامِ أَمْرِ الْإِسْلَامِ وَرُسُوخِهِ فِي الْقُلُوبِ لَنَفَّرَهُمْ عَنِ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا بَعْدَهُ ﷺ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ قِتَالِهِمْ إِذَا هُمْ أَظْهَرُوا رَأْيَهُمْ وَتَرَكُوا الْجَمَاعَةَ وَخَالَفُوا الْأَئِمَّةَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى قِتَالِهِمْ.
قُلْتُ: وَلَيْسَ فِي التَّرْجَمَةِ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ لَوِ اتَّفَقَتْ حَالَةٌ مِثْلُ حَالَةِ الْمَذْكُورِ فَاعْتَقَدَتْ فِرْقَةَ مَذْهَبِ الْخَوَارِجِ مَثَلًا وَلَمْ يَنْصِبُوا حَرْبًا أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ الْإِعْرَاضُ عَنْهُمْ إِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ كَأَنْ يَخْشَى أَنَّهُ لَوْ تَعَرَّضَ لِلْفِرْقَةِ الْمَذْكُورَةِ لَأَظْهَرَ مَنْ يُخْفِي مِثْلَ اعْتِقَادِهِمْ أَمْرَهُ وَنَاضَلَ عَنْهُمْ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِخُرُوجِهِمْ وَنَصْبِهِمُ الْقِتَالَ لِلْمُسْلِمِينَ مَعَ مَا عُرِفَ مِنْ شِدَّةِ الْخَوَارِجِ فِي الْقِتَالِ وَثَبَاتِهِمْ وَإِقْدَامِهِمْ عَلَى الْمَوْتِ.
-
وَمَنْ تَأَمَّلَ مَا ذَكَرَ أَهْلُ الْأَخْبَارِ مِنْ أُمُورِهِمْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ قَالَ: التَّأَلُّفُ إِنَّمَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ إِذَا كَانَتِ الْحَاجَةُ مَاسَّةً لِذَلِكَ لِدَفْعِ مَضَرَّتِهِمْ، فَأَمَّا إِذَا أَعْلَى اللَّهُ الْإِسْلَامَ فَلَا يَجِبُ التَّأَلُّفُ إِلَّا أَنْ تَنْزِلَ بِالنَّاسِ حَاجَةٌ لِذَلِكَ فَلِإِمَامِ الْوَقْتِ ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَأَمَّا تَرْجَمَةُ الْبُخَارِيِّ الْقِتَالَ، وَالْخَبَرُ فِي الْقَتْلِ فَلِأَنَّ تَرْكَ الْقِتَالِ يُؤْخَذُ مِنْ تَرْكِ الْقَتْلِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ:
الْأَوَّلُ: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ، قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ الْجُعْفِيُّ الْمَسْنَدِيُّ بِفَتْحِ النُّونِ، وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ أَيْضًا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ لَكِنَّهُ لَا رِوَايَةَ لَهُ عَنْ هِشَامٍ الْمَذْكُورِ هُنَا، وَهُوَ ابْنُ يُوسُفَ الصَّنْعَانِيُّ.
-
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ الْمَاضِيَةِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَتَقَدَّمَ فِي الْأَدَبِ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،
ج ١٣ ص ٢٩٢عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَالضَّحَّاكِ وَهُوَ ابْنُ شُرَاحِبِيلَ أَوِ ابْنُ شَرَاحِيلَ الْمِشْرَقِيُّ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ بَعْدَهَا قَافٌ، مَنْسُوبٌ إِلَى مِشْرَقَ بَطْنٍ مِنْ هَمْدَانَ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُ حَالِهِ فِي فَضْلِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ، وَأَنَّ الْبَزَّارَ حَكَى أَنَّهُ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ وَأَنَّ ذَلِكَ غَلَطٌ، ثُمَّ وَقَفْتُ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي نُسِبَ فِيهَا كَذَلِكَ أَخْرَجَهَا الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَالضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَهَذَا خَطَأٌ وَإِنَّمَا هُوَ الضَّحَّاكُ الْمِشْرَقِيُّ.
قُلْتُ: وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، وَأَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ بُكَيْرٍ كِلَاهُمَا عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ فَقَالَ فِيهِ: عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَالضَّحَّاكِ الْمِشْرَقِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ بِشْرٍ الْهَمْدَانِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَاللَّفْظُ الَّذِي سَاقَهُ الْبُخَارِيُّ هُوَ لَفْظُ أَبِي سَلَمَةَ، وَقَدْ أَفْرَدَ مُسْلِمٌ لَفْظَ الضَّحَّاكِ الْمِشْرَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْهُ، وَزَادَ فِيهِ شَيْئًا سَأَذْكُرُهُ بَعْدُ، وَقَدْ شَذَّ أَفْلَحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْهُ فَقَالَ: عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى.
-
قَوْلُهُ: (بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مِنَ الْقِسْمَةِ كَذَا هُنَا بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ: يَقْسِمُ ذَاتَ يَوْمٍ قَسْمًا، وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَقْسِمُ قَسْمًا، زَادَ أَفْلَحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِي رِوَايَتِهِ: يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَتَقَدَّمَ فِي الْأَدَبِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ الْمَقْسُومَ كَانَ تِبْرًا بَعَثَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنَ الْيَمَنِ، فَقَسَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَنْفُسٍ، وَذَكَرْتُ أَسْمَاءَهُمْ هُنَاكَ.
-
قَوْلُهُ: (جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ذِي الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ بِلَفْظِ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ قَسْمًا إِذْ جَاءَهُ ابْنُ ذِي الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، وَأَبُو سُفْيَانَ الْحِمْيَرِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ أَرْبَعَتُهُمْ عَنْ مَعْمَرٍ، وَأَخْرَجَهُ الثَّعْلَبِيُّ ثُمَّ الْوَاحِدِيُّ فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، فَقَالَ: ابْنُ ذِي الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ وَهُوَ حُرْقُوصُ بْنُ زُهَيْرٍ أَصْلُ الْخَوَارِجِ. وَمَا أَدْرِي مَنِ الَّذِي قَالَ: وَهُوَ حُرْقُوصٌ إِلَخْ، وَقَدِ اعْتَمَدَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي الصَّحَابَةِ فَتَرْجَمَ لِذِي الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيِّ فِي الصَّحَابَةِ، وَسَاقَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيِّ وَقَالَ بَعْدَ فَرَاغِهِ: فَقَدْ جَعَلَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ اسْمَ ذِي الْخُوَيْصِرَةِ حُرْقُوصًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ جَاءَ أَنَّ حُرْقُوصًا اسْمُ ذِي الثُّدَيَّةِ كَمَا سَيَأْتِي.
قُلْتُ: وَقَدْ ذَكَرَ حُرْقُوصَ بْنَ زُهَيْرٍ فِي الصَّحَابَةِ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ وَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ فِي فُتُوحِ الْعِرَاقِ أَثَرٌ، وَأَنَّهُ الَّذِي افْتَتَحَ سُوقَ الْأَهْوَازِ ثُمَّ كَانَ مَعَ عَلِيٍّ فِي حُرُوبِهِ ثُمَّ صَارَ مَعَ الْخَوَارِجِ فَقُتِلَ مَعَهُمْ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ ذُو الثُّدَيَّةِ الْآتِي ذِكْرُهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَأَكْثَرُ مَا جَاءَ ذِكْرُ هَذَا الْقَائِلِ فِي الْأَحَادِيثِ مُبْهَمًا، وَوُصِفَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ الْمُشَارِ إِلَيْهَا بِأَنَّهُ مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ نَاشِزُ الْجَبْهَةِ كَثُّ اللِّحْيَةِ مَحْلُوقُ الرَّأْسِ مُشَمَّرُ الْإِزَارِ، وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ فِي بَابِ بَعْثِ عَلِيٍّ مِنَ الْمَغَازِي وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالطَّبَرِيِّ: فَأَتَاهُ رَجُلٌ أَسْوَدُ طَوِيلٌ مُشَمَّرٌ مَحْلُوقُ الرَّأْسِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ أَثَرُ السُّجُودِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَضِيِّ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالطَّبَرِيِّ، وَالْحَاكِمِ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِدَنَانِيرَ فَكَانَ يَقْسِمُهَا وَرَجُلٍ أَسْوَدَ مَطْمُومِ الشَّعْرِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ أَثَرُ السُّجُودِ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عِنْدَ الْبَزَّارِ، وَالطَّبَرِيِّ: رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ حَدِيثِ عَهْدٍ بِأَمْرِ اللَّهِ.
-
قَوْلُهُ: (فَقَالَ: اعْدِلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ: فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ يَا مُحَمَّدُ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَقَالَ: اعْدِلْ يَا مُحَمَّدُ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ عِنْدَ الْبَزَّارِ، وَالْحَاكِمِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ وَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ اللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَعْدِلَ مَا أَرَاكَ تَعْدِلُ، وَفِي رِوَايَةِ مِقْسَمٍ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا: فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتَ، قَالَ: وَكَيْفَ رَأَيْتَ؟ قَالَ: لَمْ أَرَاكَ عَدَلْتَ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ:
ج ١٣ ص ٢٩٣فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ وَاللَّهِ مَا تَعْدِلُ، وَفِي لَفْظٍ: مَا أَرَاكَ عَدَلْتَ فِي الْقِسْمَةِ وَنَحْوُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ.
-
قَوْلُهُ: (فَقَالَ وَيْحَكَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: وَيْلَكَ، وَهِيَ رِوَايَةُ شُعَيْبٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي كِتَابِ الْأَدَبِ.
-
قَوْلُهُ: (وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ إِذَا لَمْ أُطِعْهُ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِهِ: أَوَلَسْتُ أَحَقَّ أَهْلِ الْأَرْضِ أَنْ أُطِيعَ اللَّهَ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: عِنْدَ مَنْ يُلْتَمَسُ الْعَدْلُ بَعْدِي، وَفِي رِوَايَةِ مِقْسَمٍ عَنْهُ: فَغَضِبَ ﷺ وَقَالَ: الْعَدْلُ إِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدِي فَعِنْدَ مَنْ يَكُونُ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ: فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ: قَالَ فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا تَجِدُونَ بَعْدِي رَجُلًا هُوَ أَعْدَلُ عَلَيْكُمْ مِنِّي.
-
قَوْلُهُ: (قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، وَيُونُسَ فَقَالَ بِزِيَادَةِ فَاءٍ، وَقَالَ: ائْذَنْ لِي فِيهِ فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ: فَلَأَضْرِبْ بِزِيَادَةِ لَامٍ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مِنْ طَرِيقِ مِقْسَمٍ عَنْهُ: فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أَقُومُ عَلَيْهِ فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: فَسَأَلَهُ رَجُلٌ أَظُنُّهُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ قَتْلَهُ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَقَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِالْجَزْمِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ وَجْهَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي وَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سَأَلَ، ثُمَّ رَأَيْتُ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ، عَنْ عِمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ بِسَنَدِهِ فِيهِ: فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ قَالَ: لَا. ثُمَّ أَدْبَرَ فَقَامَ إِلَيْهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ سَيْفُ اللَّهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ قَالَ: لَا. فَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سَأَلَ.
-
وَقَدِ اسْتُشْكِلَ سُؤَالُ خَالِدٍ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ بَعْثَ عَلِيٍّ إِلَى الْيَمَنِ كَانَ عَقِبَ بَعْثِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَيْهَا، وَالذَّهَبُ الْمَقْسُومُ أَرْسَلَهُ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ كَمَا فِي صَدْرِ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَيُجَابُ بِأَنَّ عَلِيًّا لَمَّا وَصَلَ إِلَى الْيَمَنِ رَجَعَ خَالِدٌ مِنْهَا إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَرْسَلَ عَلِيٌّ الذَّهَبَ فَحَضَرَ خَالِدٌ قِسْمَتَهُ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَإِنَّهُ فِي قِصَّةِ قَسْمٍ وَقَعَ بِالْجِعِرَّانَةِ مِنْ غَنَائِمِ حُنَيْنٍ، وَالسَّائِلُ فِي قَتْلِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ جَزْمًا، وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ الْمُعْتَرِضَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاحِدٌ كَمَا مَضَى قَرِيبًا.
-
قَوْلُهُ: (قَالَ دَعْهُ) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ: فَقَالَ لَهُ دَعْهُ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ: فَقَالَ: لَا. وَزَادَ أَفْلَحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِي رِوَايَتِهِ: فَقَالَ: مَا أَنَا بِالَّذِي أَقْتُلُ أَصْحَابِي.
-
قَوْلُهُ: (فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا) هَذَا ظَاهِرُهُ أَنَّ تَرْكَ الْأَمْرِ بِقَتْلِهِ بِسَبَبِ أَنَّ لَهُ أَصْحَابًا بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَهَذَا لَا يَقْتَضِي تَرْكَ قَتْلِهِ مَعَ مَا أَظْهَرَهُ مِنْ مُوَاجَهَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَا وَاجَهَهُ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِمَصْلَحَةِ التَّأْلِيفِ كَمَا فَهِمَهُ الْبُخَارِيُّ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَهُمْ بِالْمُبَالَغَةِ فِي الْعِبَادَةِ مَعَ إِظْهَارِ الْإِسْلَامِ، فَلَوْ أَذِنَ فِي قَتْلِهِمْ لَكَانَ ذَلِكَ تَنْفِيرًا عَنْ دُخُولِ غَيْرِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ أَفْلَحَ وَلَهَا شَوَاهِدُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَفْلَحَ: سَيَخْرُجُ أُنَاسٌ يَقُولُونَ مِثْلَ قَوْلِهِ.
-
قَوْلُهُ: (يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِالْإِفْرَادِ، وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ وَغَيْرِهِ: مَعَ صَلَاتِهِمْ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فِيهِ وَفِي قَوْلِهِ: مَعَ صِيَامِهِمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي ثَانِي أَحَادِيثِ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، وَيُونُسَ: يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَلَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ بِمُثَنَّاةٍ وَقَافٍ جَمْعُ تَرْقُوَةٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِ الْوَاوِ، وَهِيَ الْعَظْمُ الَّذِي بَيْنَ نُقْرَةِ النَّحْرِ وَالْعَاتِقِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ قِرَاءَتَهُمْ لَا يَرْفَعُهَا اللَّهُ وَلَا يَقْبَلُهَا، وَقِيلَ: لَا يَعْمَلُونَ بِالْقُرْآنِ فَلَا يُثَابُونَ عَلَى قِرَاءَتِهِ فَلَا يَحْصُلُ لَهُمْ إِلا سَرْدُهُ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُرَادُ أَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ فِيهِ حَظٌّ إِلَّا مُرُورَهُ عَلَى لِسَانِهِمْ لَا يَصِلُ إِلَى حُلُوقِهِمْ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَصِلَ إِلَى قُلُوبِهِمْ؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ تَعَقُّلُهُ وَتَدَبُّرُهُ بِوُقُوعِهِ فِي الْقَلْبِ.
قُلْتُ: وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ فِيهِمْ أَيْضًا: لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ أَيْ يَنْطِقُونَ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَلَا يَعْرِفُونَهَا بِقُلُوبِهِمْ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ رَطْبًا قِيلَ: الْمُرَادُ الْحِذْقُ فِي التِّلَاوَةِ أَيْ
ج ١٣ ص ٢٩٤يَأْتُونَ بِهِ عَلَى أَحْسَنِ أَحْوَالِهِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّهُمْ يُوَاظِبُونَ عَلَى تِلَاوَتِهِ فَلَا تَزَالُ أَلْسِنَتُهُمْ رَطْبَةً بِهِ، وَقِيلَ: هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ حُسْنِ الصَّوْتِ بِهِ؛ حَكَاهَا الْقُرْطُبِيُّ، وَيُرَجِّحُ الْأَوَّلَ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَدَّاكِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ مُسَدَّدٍ: يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ كَأَحْسَنِ مَا يَقْرَؤُهُ النَّاسُ. وَيُؤَيِّدُ الْآخَرَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ: قَوْمٌ أَشِدَّاءُ أَحِدَّاءُ ذَلِقَةٌ أَلْسِنَتُهُمْ بِالْقُرْآنِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ، يَمْرُقُونَ، وَأَرْجَحُهَا الثَّالِثُ.
-
قَوْلُهُ: (يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ) يَأْتِي تَفْسِيرُهُ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي، وَفِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ كَمُرُوقِ السَّهْمِ.
-
قَوْلُهُ: (مِنَ الرَّمِيَّةِ) فِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْآتِيَةِ فِي آخِرِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ: لَا يَعُودُونَ فِيهِ حَتَّى يَعُودَ السَّهْمُ إِلَى فُوقِهِ وَالرَّمِيَّةُ فَعِيلَةٌ مِنَ الرَّمْيِ وَالْمُرَادُ الْغَزَالَةُ الْمَرْمِيَّةُ مَثَلًا.
-
وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مِنْ رِوَايَةِ مِقْسَمٍ عَنْهُ: فَإِنَّهُ سَيَكُونُ لِهَذَا شِيعَةٌ يَتَعَمَّقُونَ فِي الدِّينِ يَمْرُقُونَ مِنْهُ الْحَدِيثَ، أَيْ: يَخْرُجُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ بَغْتَةً كَخُرُوجِ السَّهْمِ إِذَا رَمَاهُ رَامٍ قَوِيُّ السَّاعِدِ فَأَصَابَ مَا رَمَاهُ فَنَفَذَ مِنْهُ بِسُرْعَةٍ بِحَيْثُ لَا يَعْلَقُ بِالسَّهْمِ وَلَا بِشَيْءٍ مِنْهُ مِنَ الْمَرْمِيِّ شَيْءٌ، فَإِذَا الْتَمَسَ الرَّامِي سَهْمَهُ وَجَدَهُ وَلَمْ يَجِدِ الَّذِي رَمَاهُ فَيَنْظُرُ فِي السَّهْمَ لِيَعْرِفَ هَلْ أَصَابَ أَوْ أَخْطَأَ، فَإِذَا لَمْ يَرَهُ عَلِقَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الدَّمِ وَلَا غَيْرُهُ ظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُصِبْهُ وَالْفَرْضُ أَنَّهُ أَصَابَهُ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ أَيْ جَاوَزَهُمَا وَلَمْ يَتَعَلَّقْ فِيهِ مِنْهُمَا شَيْءٌ بَلْ خَرَجَا بَعْدَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْقُذَذِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ لَهُمْ مَثَلًا الرَّجُلُ يَرْمِي الرَّمِيَّةَ الْحَدِيثَ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ رَمَى رَمِيَّةً فَتَوَخَّى السَّهْمَ حَيْثُ وَقَعَ فَأَخَذَهُ فَنَظَرَ إِلَى فُوقِهِ فَلَمْ يَرَ بِهِ دَسَمًا وَلَا دَمًا، لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ شَيْءٌ مِنَ الدَّسَمِ وَالدَّمِ، كَذَلِكَ هَؤُلَاءِ لَمْ يَتَعَلَّقُوا بِشَيْءٍ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَعِنْدَهُ فِي رِوَايَةِ عَاصِمِ بْنِ شَمْخٍ المعجبة وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ بَعْدَ قَوْلِهِ مِنَ الرَّمِيَّةِ: يَذْهَبُ السَّهْمُ فَيَنْظُرُ فِي النَّصْلِ فَلَا يَرَى شَيْئًا مِنَ الْفَرْثِ وَالدَّمِ الْحَدِيثَ.
-
وَفِيهِ: يَتْرُكُونَ الْإِسْلَامَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَجَعَلَ يَدَيْهِ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: لَا يَتَعَلَّقُونَ مِنَ الدِّينِ بِشَيْءٍ كَمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ السَّهْمِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَالطَّبَرِيِّ: لَا يَرْجِعُونَ إِلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى يَرْتَدَّ السَّهْمُ إِلَى فُوقِهِ.
-
وَجَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ وَأَوَّلُهُ فِي ابْنِ مَاجَهْ بِسِيَاقٍ أَوْضَحَ مِنْ هَذَا وَلَفْظُهُ: سَيَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ الْإِسْلَامِ خُرُوجَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ عَرَضَتْ لِلرِّجَالِ فَرَمَوْهَا فَانْمَرَقَ سَهْمُ أَحَدِهِمْ مِنْهَا فَخَرَجَ فَأَتَاهُ فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِنَصْلِهِ مِنَ الدَّمِ شَيْءٌ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى الْقُذَذِ فَلَمْ يَرَهُ تَعَلَّقَ مِنَ الدَّمِ بِشَيْءٍ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ أَصَبْتَ فَإِنَّ بِالرِّيشِ وَالْفُوقِ شَيْئًا مِنَ الدَّمِ، فَنَظَرَ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا تَعَلَّقَ بِالرِّيشِ وَالْفُوقِ. قَالَ: كَذَلِكَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَفِي رِوَايَةِ بِلَالِ بْنِ يَقْطُرَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ: يَأْتِيهِمُ الشَّيْطَانُ مِنْ قِبَلِ دِينِهِمْ، وَلِلْحُمَيْدِيِّ، وَابْنِ أَبِي عُمَرَ فِي مُسْنَدَيْهِمَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرٍ مَوْلَى الْأَنْصَارِ، عَنْ عَلِيٍّ: إنَّ نَاسًا يَخْرُجُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَخْرُجُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ أَبَدًا.
-
قَوْلُهُ: (آيَتُهُمْ) أَيْ عَلَامَتُهُمْ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عَلِيٍّ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ عَلَامَتُهُمْ.
-
قَوْلُهُ: (رَجُلٌ إِحْدَى يَدَيْهِ أَوْ قَالَ ثَدْيَيْهِ) هَكَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالتَّثْنِيَةِ فِيهِمَا مَعَ الشَّكِّ هَلْ هِيَ تَثْنِيَةُ يَدٍ أَوْ ثَدْيٍ بِالْمُثَلَّثَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي هُنَا بِالْمُثَلَّثَةِ فِيهِمَا فَالشَّكُّ عِنْدَهُ هَلْ هُوَ الثَّدْيُ بِالْإِفْرَادِ أَوْ بِالتَّثْنِيَةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ: إِحْدَى يَدَيْهِ تَثْنِيَةُ يَدٍ وَلَمْ يَشُكَّ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، وَيُونُسَ: إِحْدَى عَضُدَيْهِ.
-
قَوْلُهُ: (مِثْلَ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ أَوْ قَالَ مِثْلَ الْبَضْعَةِ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ
ج ١٣ ص ٢٩٥وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ أَيِ الْقِطْعَةِ مِنَ اللَّحْمِ.
-
قَوْلُهُ: (تَدَرْدَرُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَدَالَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا رَاءٌ سَاكِنَةٌ وَآخِرُهُ رَاءٌ، وَهُوَ عَلَى حَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَأَصْلُهُ تَتَدَرْدَرُ، وَمَعْنَاهُ تَتَحَرَّكُ وَتَذْهَبُ وَتَجِيءُ، وَأَصْلُهُ حِكَايَةُ صَوْتِ الْمَاءِ فِي بَطْنِ الْوَادِي إِذَا تَدَافَعَ، وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدَةَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَلِيٍّ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فِيهِمْ رَجُلٌ مُخْدَجُ الْيَدِ أَوْ مُودَنُ الْيَدِ أَوْ مَثْدُونُ الْيَدِ وَالْمُخْدَجُ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَجِيمٍ، وَالْمُودَنُ بِوَزْنِهِ، وَالْمَثْدُونُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ، وَكُلُّهَا بِمَعْنًى وَهُوَ النَّاقِصُ، وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَلِيٍّ: وَغَايَةُ ذَلِكَ أَنَّ فِيهِمْ رَجُلًا لَهُ عَضُدٌ لَيْسَ لَهُ ذِرَاعٌ عَلَى رَأْسِ عَضُدِهِ مِثْلُ حَلَمَةِ الثَّدْيِ عَلَيْهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ.
-
وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: فِيهِمْ رَجُلٌ مُجْدَعُ الْيَدِ كَأَنَّهَا ثَدْيُ حَبَشِيَّةٍ، وَفِي رِوَايَةِ أَفْلَحَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: فِيهَا شَعَرَاتٌ كَأَنَّهَا سَخْلَةُ سَبُعٍ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ مَوْلَى الْأَنْصَارِ: كَثَدْيِ الْمَرْأَةِ لَهَا حَلَمَةٌ كَحَلَمَةِ الْمَرْأَةِ حَوْلُهَا سَبْعُ هُلْبَاتٍ، وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ عَلِيٍّ عِنْدَ مُسْلِمٍ: مِنْهُمْ أَسْوَدُ إِحْدَى يَدَيْهِ طُبْيُ شَاةٍ أَوْ حَلَمَةُ ثَدْيٍ، فَأَمَّا الطُّبْيُ فَهُوَ بِضَمِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَهِيَ الثَّدْيُ.
-
وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ طَارِقِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ عَلِيٍّ: فِي يَدِهِ شَعَرَاتٌ سُودٌ وَالْأَوَّلُ أَقْوَى، وَقَدْ ذَكَرَ ﷺ لِلْخَوَارِجِ عَلَامَةً أُخْرَى فَفِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: قِيلَ: مَا سِيمَاهُمْ، قَالَ: سِيمَاهُمُ التَّحْلِيقُ، وَفِي رِوَايَةِ عَاصِمِ بْنِ شَمْخٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، هَلْ فِي هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ عَلَامَةٌ؟ قَالَ: يَحْلِقُونَ رُءُوسَهُمْ فِيهِمْ ذُو ثُدَيَّةٍ، وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا سِيمَاهُمْ؟ قَالَ: التَّحْلِيقُ هَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بَعْضُهُ.
-
قَوْلُهُ: (يَخْرُجُونَ عَلَى خَيْرِ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ هُنَا، وَفِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ وَفِي الْأَدَبِ حِينَ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَآخِرُهُ نُونٌ وَفُرْقَةٍ بِضَمِّ الْفَاءِ.
-
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عِنْدَ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ: حِينَ فَتْرَةٍ مِنَ النَّاسِ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ، وَوَقَعَ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ: عَلَى خَيْرِ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَآخِرُهُ رَاءٌ، وَفِرْقَةٍ بِكَسْرِ الْفَاءٍ، وَالْأَوَّلُ الْمُعْتَمَدُ وَهُوَ الَّذِي عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ صَحِيحًا، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ أَنَّ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عِنْدَ فِرْقَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَقْتُلُهُمْ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ: يَكُونُ فِي أُمَّتِي فِرْقَتَانِ فَيَخْرُجُ مِنْ بَيْنِهِمَا طَائِفَةٌ مَارِقَةٌ يَلِي قَتْلَهُمْ أَوْلَاهُمْ بِالْحَقِّ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ: يَخْرُجُونَ فِي فِرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ يَقْتُلُهُمْ أَدْنَى الطَّائِفَتَيْنِ إِلَى الْحَقِّ.
-
وَفِيهِ: فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَأَنْتُمْ قَتَلْتُمُوهُمْ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، وَفِي رِوَايَةِ الضَّحَّاكِ الْمِشْرَقِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: يَخْرُجُونَ عَلَى فِرْقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ يَقْتُلُهُمْ أَقْرَبُ الطَّائِفَتَيْنِ إِلَى الْحَقِّ، وَفِي رِوَايَةِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: مَنْ قَاتَلَهُمْ كَانَ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْهُمْ.
-
قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو سَعِيدٍ) هُوَ مُتَّصِلٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ.
-
قَوْلُهُ: (أَشْهَدُ سَمِعْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ كَذَا هُنَا بِاخْتِصَارٍ، وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، وَيُونُسَ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَدْ مَضَى فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يَخْرُجُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَفِي رِوَايَةِ أَفْلَحَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: حَضَرْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
-
قَوْلُهُ: (وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيًّا قَتَلَهُمْ) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ: (أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَاتَلَهُمْ، وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ، وَيُونُسَ: قَاتَلَهُمْ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَفْلَحَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: وَحَضَرْتُ مَعَ عَلِيٍّ يَوْمَ قَتَلَهُمْ بِالنَّهْرَوَانِ وَنِسْبَةُ قَتْلِهِمْ لِعَلِيٍّ لِكَوْنِهِ كَانَ الْقَائِمَ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ مَضَى فِي الْبَابِ قَبْلَهُ مِنْ رِوَايَةِ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، عَنْ عَلِيٍّ: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَتْلِهِمْ، وَلَفْظُهُ: فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ وَقَدْ ذَكَرْتُ شَوَاهِدَهُ، وَمِنْهَا حَدِيثُ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَفَعَه: إِنَّ فِي أُمَّتِي أَقْوَامًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَأَنِيمُوهُمْ أَيْ فَاقْتُلُوهُمْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ،
ج ١٣ ص ٢٩٦وَتَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهَا: لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَتْ لِي عَائِشَةُ: مَنْ قَتَلَ الْمُخْرجَ؟ قُلْتُ: عَلِيٌّ. قَالَتْ: فَأَيْنَ قَتَلَهُ؟ قُلْتُ: عَلَى نَهْرٍ يُقَالُ لِأَسْفَلِهِ النَّهْرَوَانُ. قَالَتِ: ائْتِنِي عَلَى هَذَا بِبَيِّنَةٍ، فَأَتَيْتُهَا بِخَمْسِينَ نَفْسًا شَهِدُوا أَنَّ عَلِيًّا قَتَلَهُ بِالنَّهْرَوَانِ أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى، وَالطَّبَرِيُّ.
-
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ عَمَّارٌ، لِسَعْدٍ: أَمَّا سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يَخْرُجُ أَقْوَامٌ مِنْ أُمَّتِي يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ يَقْتُلُهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟ قَالَ: إِي وَاللَّهِ، وَأَمَّا صِفَةُ قِتَالِهِمْ وَقَتْلِهِمْ فَوَقَعَتْ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ الْجُهَنِيِّ: أَنَّهُ كَانَ فِي الْجَيْشِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ عَلِيٍّ حِينَ سَارُوا إِلَى الْخَوَارِجِ، فَقَالَ عَلِيٌّ بَعْدَ أَنْ حَدَّثَ بِصِفَتِهِمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونُوا هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ سَفَكُوا الدَّمَ الْحَرَامَ وَأَغَارُوا فِي سَرْحِ النَّاسِ، قَالَ: فَلَمَّا الْتَقَيْنَا وَعَلَى الْخَوَارِجِ يَوْمئِذٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ الرَّاسِبِيُّ فَقَالَ لَهُمْ: أَلْقُوا الرِّمَاحَ وَسُلُّوا سُيُوفَكُمْ مِنْ جُفُونِهَا، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يُنَاشِدُوكُمْ كَمَا نَاشَدُوكُمْ يَوْمَ حَرُورَاءَ، قَالَ: فَشَجَرَهُمُ النَّاسُ بِرِمَاحِهِمْ، قَالَ: فَقُتِلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَمَا أُصِيبَ مِنَ النَّاسِ يَوْمئِذٍ إِلَّا رَجُلَانِ.
-
وَأَخْرَجَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ مِنْ طَرِيقِ عِمْرَانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ: كَانَ أَهْلُ النَّهْرِ أَرْبَعَةَ آلَافٍ فَقَتَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ وَلَمْ يُقْتَلْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سِوَى تِسْعَةٍ، فَإِنْ شِئْتَ فَاذْهَبْ إِلَى أَبِي بَرْزَةَ فَاسْأَلْهُ فَإِنَّهُ شَهِدَ ذَلِكَ. وَأَخْرَجَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا وَائِلٍ فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ عَلِيٌّ فِيمَ فَارَقُوهُ وَفِيمَ اسْتَحَلَّ قِتَالَهُمْ؟ قَالَ: لَمَّا كُنَّا بِصِفِّينَ اسْتَحَرَّ الْقَتْلُ فِي أَهْلِ الشَّامِ فَرَفَعُوا الْمَصَاحِفَ، فَذَكَرَ قِصَّةَ التَّحْكِيمِ، فَقَالَ الْخَوَارِجُ مَا قَالُوا وَنَزَلُوا حَرُورَاءَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ عَلِيٌّ فَرَجَعُوا ثُمَّ قَالُوا: نَكُونُ فِي نَاحِيَتِهِ، فَإِنْ قَبِلَ الْقَضِيَّةَ قَاتَلْنَاهُ وَإِنْ نَقَضَهَا قَاتَلْنَا مَعَهُ، ثُمَّ افْتَرَقَتْ مِنْهُمْ فِرْقَةٌ يَقْتُلُونَ النَّاسَ فَحَدَّثَ عَلِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَمْرِهِمْ.
-
وَعِنْدَ أَحْمَدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ، وَالْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ أَنَّهُ: دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ مَرْجِعَهُ مِنَ الْعِرَاقِ لَيَالِيَ قُتِلَ عَلِيٌّ، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: تُحَدِّثُنِي بِأَمْرِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ عَلِيٌّ، قَالَ: إِنَّ عَلِيًّا لَمَّا كَاتَبَ مُعَاوِيَةَ وَحَكَّمَا الْحَكَمَيْنِ خَرَجَ عَلَيْهِ ثَمَانِيَةُ آلَافٍ مِنْ قُرَّاءِ النَّاسِ فَنَزَلُوا بِأَرْضٍ يُقَالُ لَهَا حَرُورَاءُ مِنْ جَانِبِ الْكُوفَةِ وَعَتَبُوا عَلَيْهِ، فَقَالُوا: انْسَلَخْتَ مِنْ قَمِيصٍ أَلْبَسَكَهُ اللَّهُ وَمِنِ اسْمٍ سَمَّاكَ اللَّهُ بِهِ، ثُمَّ حَكَّمْتَ الرِّجَالَ فِي دِينِ اللَّهِ وَلَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَجَمَعَ النَّاسَ فَدَعَا بِمُصْحَفٍ عَظِيمٍ فَجَعَلَ يَضْرِبُهُ بِيَدِهِ وَيَقُولُ: أَيُّهَا الْمُصْحَفُ حَدِّثِ النَّاسَ، فَقَالُوا مَاذَا إِنْسَانٌ إِنَّمَا هُوَ مِدَادٌ وَوَرَقٌ، وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ بِمَا رُوِّينَا مِنْهُ، فَقَالَ: كِتَابُ اللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ، يَقُولُ اللَّهُ فِي امْرَأَةِ رَجُلٍ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ الْآيَةَ، وَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ أَعْظَمُ مِنِ امْرَأَةِ رَجُلٍ، وَنَقَمُوا عَلَيَّ أَنْ كَاتَبْتُ مُعَاوِيَةَ، وَقَدْ كَاتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو وَلَقَدْ ﴿كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِمُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَنَاظَرَهُمْ فَرَجَعَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْكَوَّاءِ، فَبَعَثَ عَلِيٌّ إِلَى الْآخَرِينَ أَنْ يَرْجِعُوا فَأَبَوْا فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ: كُونُوا حَيْثُ شِئْتُمْ وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لَا تَسْفِكُوا دَمًا حَرَامًا وَلَا تَقْطَعُوا سَبِيلًا وَلَا تَظْلِمُوا أَحَدًا، فَإِنْ فَعَلْتُمْ نَبَذْتُ إِلَيْكُمُ الْحَرْبَ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ: فَوَاللَّهِ مَا قَتَلَهُمْ حَتَّى قَطَعُوا السَّبِيلَ وَسَفَكُوا الدَّمَ الْحَرَامَ، الْحَدِيثَ. وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ فِي الْخَصَائِصِ صِفَةَ مُنَاظَرَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَهُمْ بِطُولِهَا. وَفِي الْأَوْسَطِ لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي السَّائِغَةِ، عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ قَالَ: لَمَّا فَارَقَتِ الْخَوَارِجُ عَلِيًّا خَرَجَ فِي طَلَبِهِمْ فَانْتَهَيْنَا إِلَى عَسْكَرِهِمْ فَإِذَا لَهُمْ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَإِذَا فِيهِمْ أَصْحَابُ الْبَرَانِسِ، أَيِ الَّذِينَ كَانُوا مَعْرُوفِينَ بِالزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ، قَالَ: فَدَخَلَنِي مِنْ ذَلِكَ شِدَّةٌ، فَنَزَلْتُ عَنْ فَرَسِي وَقُمْتُ أُصَلِّي فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ فِي
ج ١٣ ص ٢٩٧قِتَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَكَ طَاعَةٌ فَائْذَنْ لِي فِيهِ، فَمَرَّ بِي عَلِيٌّ فَقَالَ لَمَّا حَاذَانِي: تَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّكِّ يَا جُنْدَبُ، فَلَمَّا جِئْتُهُ أَقْبَلَ رَجُلٌ عَلَى بِرْذَوْنَ يَقُولُ: إِنْ كَانَ لَكَ بِالْقَوْمِ حَاجَةٌ فَإِنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوا النَّهْرَ، قَالَ: مَا قَطَعُوهُ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ كَذَلِكَ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ كَذَلِكَ، قَالَ: لَا مَا قَطَعُوهُ وَلَا يَقْطَعُونَهُ وَلَيُقْتَلَنَّ مَنْ دُونَهُ عَهْدٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، قُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ رَكِبْنَا فَسَايَرْتُهُ فَقَالَ لِي: سَأَبْعَثُ إِلَيْهِمْ رَجُلًا يَقْرَأُ الْمُصْحَفَ يَدْعُوهُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِمْ فَلَا يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ حَتَّى يَرْشُقُوهُ بِالنَّبْلِ وَلَا يُقْتَلُ مِنَّا عَشَرَةٌ وَلَا يَنْجُو مِنْهُمْ عَشَرَةٌ، قَالَ: فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَوْمِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رَجُلًا فَرَمَاهُ إِنْسَانٌ، فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَعَدَ، وَقَالَ عَلِيٌّ: دُونَكُمُ الْقَوْمُ، فَمَا قُتِلَ مِنَّا عَشَرَةٌ وَلَا نَجَا مِنْهُمْ عَشَرَةٌ.
-
وَأَخْرَجَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ بسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ قَالَ: حَدَّثَنَا رَجُلٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ قَالَ: لَحِقْتُ بِأَهْلِ النَّهْرِ فَإِنِّي مَعَ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ أَسِيرُ إِذْ أَتَيْنَا عَلَى قَرْيَةٍ بَيْنَنَا نَهْرٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنَ الْقَرْيَةِ مُرَوَّعًا، فَقَالُوا لَهُ: لَا رَوْعَ عَلَيْكَ، وَقَطَعُوا إِلَيْهِ النَّهْرَ، فَقَالُوا لَهُ: أَنْتَ ابْنُ خَبَّابٍ صَاحِبُ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: فَحَدِّثْنَا عَنْ أَبِيكَ فَحَدَّثَهُمْ بِحَدِيثِ يَكُونُ فِتْنَةٌ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ فَكُنْ، قَالَ: فَقَدَّمُوهُ فَضَرَبُوا عُنُقَهُ، ثُمَّ دَعَوْا سُرِّيَّتَهُ وَهِيَ حُبْلَى فَبَقَرُوا عَمَّا فِي بَطْنِهَا. وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مِجْلَزٍ لَاحِقِ بْنِ حُمَيْدٍ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ لِأَصْحَابِهِ: لَا تَبْدَءُوهُمْ بِقِتَالٍ حَتَّى يُحْدِثُوا حَدَثًا، قَالَ: فَمَرَّ بِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَبَّابٍ، فَذَكَرَ قِصَّةَ قَتْلِهِمْ لَهُ وَبِجَارِيَتِهِ وَأَنَّهُمْ بَقَرُوا بَطْنَهَا وَكَانُوا مَرُّوا عَلَى سَاقَتِهِ فَأَخَذَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ تَمْرَةً فَوَضَعَهَا فِي فِيهِ فَقَالُوا لَهُ تَمْرَةُ مُعَاهَدٍ فِيمَ اسْتَحْلَلْتَهَا؟ فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَبَّابٍ: أَنَا أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنْ هَذِهِ التَّمْرَةِ، فَأَخَذُوهُ فَذَبَحُوهُ، فَبَلَغَ عَلِيًّا فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ: أَقِيدُونَا بِقَاتِلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ، فَقَالُوا: كُلُّنَا قَتَلَهُ، فَأَذِنَ حِينَئِذٍ فِي قِتَالِهِمْ.