٧ - باب من ترك قتال الخوارج للتألف ولئلا ينفر الناس عنه
٦٧ فقرة، ج ١٣ ص ٢٩٠
الصفحة ٢ من ٢
- ج ١٣ ص ٢٩٧
وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَخِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَلِيًّا سَارَ إِلَيْهِمْ حَتَّى إِذَا كَانَ حِذَاءَهُمْ عَلَى شَطِّ النَّهْرَوَانِ أَرْسَلَ يُنَاشِدُهُمْ فَلَمْ تَزَلْ رُسُلُهُ تَخْتَلِفُ إِلَيْهِمْ حَتَّى قَتَلُوا رَسُولَهُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ نَهَضَ إِلَيْهِمْ فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى فَرَغَ مِنْهُمْ كُلُّهُمْ.
-
قَوْلُهُ: (جِيءَ بِالرَّجُلِ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ: عَلَى نَعْتِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي نَعَتَهُ، وَفِي رِوَايَةِ أَفْلَحَ: فَالْتَمَسَهُ عَلِيٌّ فَلَمْ يَجِدْهُ ثُمَّ وَجَدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ تَحْتَ جِدَارٍ عَلَى هَذَا النَّعْتِ.
-
وَفِي رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ: فَقَالَ عَلِيٌّ الْتَمِسُوا فِيهِمُ المخرج فَالْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ فَقَامَ عَلِيٌّ بِنَفْسِهِ حَتَّى أَتَى نَاسًا قَدْ قُتِلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، قَالَ: أَخِّرُوهُمْ، فَوَجَدَهُ مِمَّا يَلِي الْأَرْضَ فَكَبَّرَ ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ اللَّهُ وَبَلَّغَ رَسُولُهُ.
-
وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ: فَلَمَّا قَتَلَهُمْ عَلِيٌّ قَالَ انْظُرُوا، فَنَظَرُوا فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئًا، فَقَالَ ارْجِعُوا فَوَاللَّهِ مَا كَذَبْتُ وَلَا كَذَبْتُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثُمَّ وَجَدُوهُ فِي خَرِبَةٍ فَأَتَوْا بِهِ حَتَّى وَضَعُوهُ بَيْنَ يَدَيْهِ أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ: فَقَالَ عَلِيٌّ: اطْلُبُوا ذَا الثُّدَيَّةِ، فَطَلَبُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَقَالَ: مَا كَذَبْتُ وَلَا كَذَبْتُ اطْلُبُوهُ، فَطَلَبُوهُ، فَوَجَدُوهُ فِي وَهْدَةٍ مِنَ الْأَرْضِ عَلَيْهِ نَاسٌ مِنَ الْقَتْلَى، فَإِذَا رَجُلٌ عَلَى يَدِهِ مِثْلُ سَبَلَاتِ السِّنَّوْرِ، فَكَبَّرَ عَلِيٌّ وَالنَّاسُ وَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ، وَمِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ قُعُودٌ عِنْدَ عَلِيٍّ فَقَامَ رَجُلٌ عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ فِي الْعُمْرَةِ فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقَالَتْ: مَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ الَّذِينَ خَرَجُوا فِيكُمْ؟ قُلْتُ: قَوْمٌ خَرَجُوا إِلَى أَرْضٍ قَرِيبَةٍ مِنَّا يُقَالُ لَهَا حَرُورَاءُ، فَقَالَتْ: أَمَا إِنَّ ابْنَ أَبِي طَالِبٍ لَوْ شَاءَ لَحَدَّثَكُمْ بِأَمْرِهِمْ، قَالَ: فَأَهَلَّ عَلِيٌّ وَكَبَّرَ فَقَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَيْسَ عِنْدَهُ غَيْرُ عَائِشَةَ فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ وَقَوْمٌ يَخْرُجُونَ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ وَفِيهِمْ رَجُلٌ كَأَنَّ يَدَهُ ثَدْيُ حَبَشِيَّةٍ، نَشَدْتُكُمُ اللَّهَ هَلْ أَخْبَرْتُكُمْ بِأَنَّهُ فِيهِمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَجِئْتُمُونِي فَقُلْتُمْ لَيْسَ فِيهِمْ فَحَلَفْتُ لَكُمْ أَنَّهُ فِيهِمْ ثُمَّ أَتَيْتُمُونِي بِهِ تَسْحَبُونَهُ كَمَا نُعِتَ لِي. فَقَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
قَالَ: فَأَهَلَّ عَلِيٌّ وَكَبَّرَ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَضِيِّ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ الْخَفِيفَةِ
ج ١٣ ص ٢٩٨وَالتَّشْدِيدِ عَنْ عَلِيٍّ: اطْلُبُوا المخرج فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
-
وَفِيهِ: فَاسْتَخْرَجُوهُ مِنْ تَحْتِ الْقَتْلَى فِي طِينٍ قَالَ أَبُو الْوَضِيِّ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ حَبَشِيٌّ عَلَيْهِ طُرَيْطِقٌ لَهُ إِحْدَى يَدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ عَلَيْهَا شُعَيْرَاتٌ مِثْلُ شُعَيْرَاتٍ تَكُونُ عَلَى ذَنَبِ الْيَرْبُوعِ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: إِنْ كَانَ وَذَلِكَ الْمُخْرجُ لَمَعَنَا فِي الْمَسْجِدِ وَكَانَ فَقِيرًا قَدْ كَسَوْتُهُ بُرْنُسًا لِي وَرَأَيْتُهُ يَشْهَدُ طَعَامَ عَلِيٍّ وَكَانَ يُسَمَّى نَافِعًا ذَا الثُّدَيَّةِ، وَكَانَ فِي يَدِهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ عَلَى رَأْسِهِ حَلَمَةٌ مِثْلُ حَلَمَةِ الثَّدْيِ عَلَيْهِ شُعَيْرَاتٌ مِثْلُ سَبَلَاتِ السِّنَّوْرِ أَخْرَجَهُمَا أَبُو دَاوُدَ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَرْيَمَ مُطَوَّلًا وَفِيهِ: وَكَانَ عَلِيٌّ يُحَدِّثُنَا قَبْلَ ذَلِكَ أَنَّ قَوْمًا يَخْرُجُونَ وَعَلَامَتُهُمْ رَجُلٌ مُخْدَجُ الْيَدِ، فَسَمِعْتُ ذَلِكَ مِنْهُ مِرَارًا كَثِيرَةً وَسَمِعْتُ المخرج حَتَّى رَأَيْتُهُ يَتَكَرَّهُ طَعَامَهُ مِنْ كَثْرَةِ مَا يَسْمَعُ ذَلِكَ مِنْهُ.
-
وَفِيهِ: ثُمَّ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَلْتَمِسُوا المخرج فَالْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ حَتَّى جَاءَ رَجُلٌ فَبَشَّرَهُ، فَقَالَ: وَجَدْنَاهُ تَحْتَ قَتِيلَيْنِ فِي سَاقِيَةٍ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا كَذَبْتُ وَلَا كَذَبْتُ، وَفِي رِوَايَةِ أَفْلَحَ: فَقَالَ عَلِيٌّ: أَيُّكُمْ يَعْرِفُ هَذَا؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: نَحْنُ نَعْرِفُهُ، هَذَا حُرْقُوصٌ وَأُمُّهُ هَاهُنَا، قَالَ: فَأَرْسَلَ عَلِيٌّ إِلَى أُمِّهِ فَقَالَتْ: كُنْتُ أَرْعَى غَنَمًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَغَشِيَنِي كَهَيْئَةِ الظُّلَّةِ فَحَمَلْتُ مِنْهُ فَوَلَدْتُ هَذَا.
-
وَفِي رِوَايَةِ عَاصِمِ بْنِ شَمْخٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَشَرَةٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ: الْتَمِسُوا لِيَ الْعَلَامَةَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَإِنِّي لَمْ أَكْذِبْ وَلَا أَكْذِبْ فَجِيءَ بِهِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ حِينَ عَرَفَ الْعَلَامَةَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ مَوْلَى الْأَنْصَارِ عَنْ عَلِيٍّ حَوْلَهَا سَبْعُ هُلْبَاتٍ وَهُوَ بِضَمِّ الْهَاءِ وَمُوَحَّدَةٍ جَمْعُ هُلْبَةٍ، وَفِيهِ أَنَّ النَّاسَ وَجَدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ بَعْدَ قَتْلِ أَهْلِ النَّهْرِ فَقَالَ عَلِيٌّ: إِنِّي لَا أَرَاهُ إِلَّا مِنْهُمْ، فَوَجَدُوهُ عَلَى شَفِيرِ النَّهْرِ تَحْتَ الْقَتْلَى، فَقَالَ عَلِيٌّ: صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَفَرِحَ النَّاسُ حِينَ رَأَوْهُ وَاسْتَبْشَرُوا وَذَهَبَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَجِدُونَهُ.
-
قَوْلُهُ: (قَالَ فَنَزَلَتْ فِيهِ) فِي رِوَايَةِ السَّرَخْسِيِّ: فِيهِمْ.
-
قَوْلُهُ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ اللَّمْزُ الْعَيْبُ، وَقِيلَ: الْوُقُوعُ فِي النَّاسِ، وَقِيلَ: بِقَيْدِ أَنْ يَكُونَ مُوَاجَهَةً، وَالْهَمْزُ فِي الْغِيبَةِ أَيْ يَعِيبُكَ فِي قَسْمِ الصَّدَقَاتِ، وَيُؤَيِّدُ الْقِيلَ الْمَذْكُورَ مَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ الْمَذْكُورِ حَيْثُ وَاجَهَ بِقَوْلِهِ: هَذِهِ قِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى الزِّيَادَةِ إِلَّا فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ لَكِنْ وَقَعَتْ مُقَدِّمَةٌ عَلَى قَوْلِهِ: حِينَ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ، قَالَ: فَنَزَلَتْ فِيهِمْ وَذَكَرَ كَلَامَ أَبِي سَعِيدٍ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَمَّا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ سَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ: إِنَّ هَذِهِ الْقِسْمَةَ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ قَالَ فَنَزَلَتْ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُتْبَةَ بْنِ وَسَّاجٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَا يُؤَيِّدُ هَذِهِ الزِّيَادَةَ: فَجَعَلَ يَقْسِمُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ وَرَجُلٌ جَالِسٌ فَلَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَا أَرَاكَ تَعْدِلُ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَضِيِّ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ نَحْوُهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحَامِلَ لِلْقَائِلِ عَلَى مَا قَالَ مِنَ الْكَلَامِ الْجَافِي وَأَقْدَمَ عَلَيْهِ مِنَ الْخِطَابِ السَّيِّئِ كَوْنُهُ لَمْ يُعْطَ مِنْ تِلْكَ الْعَطِيَّةِ وَأَنَّهُ لَوْ أُعْطِيَ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
-
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَزَادَ فِي آخِرِهِ: فَغَفَلَ عَنِ الرَّجُلِ فَذَهَبَ، فَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ فَطُلِبَ فَلَمْ يُدْرَكْ وَسَنَدُهُ جَيِّدٌ.
- (تَنْبِيهٌ) :
-
جَاءَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قِصَّةٌ أُخْرَى تَتَعَلَّقُ بِالْخَوَارِجِ فِيهَا مَا يُخَالِفُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ، وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: جَاءَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي مَرَرْتُ بِوَادِي كَذَا فَإِذَا رَجُلٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ مُتَخَشِّعٌ يُصَلِّي فِيهِ، فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَيْهِ فَاقْتُلْهُ. قَالَ: فَذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ فَلَمَّا رَآهُ يُصَلِّي كَرِهَ أَنْ يَقْتُلَهُ فَرَجَعَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ: اذْهَبْ إِلَيْهِ فَاقْتُلْهُ، فَذَهَبَ فَرَآهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ فَرَجَعَ، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ اذْهَبْ إِلَيْهِ فَاقْتُلْهُ فَذَهَبَ عَلِيٌّ فَلَمْ يَرَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ هَذَا وَأَصْحَابَهُ
ج ١٣ ص ٢٩٩يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ فَاقْتُلُوهُمْ؛ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ.
-
وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنْ يَكُونَ هَذَا الرَّجُلُ هُوَ الْأَوَّلَ وَكَانَتْ قِصَّتُهُ هَذِهِ الثَّانِيَةُ مُتَرَاخِيَةً عَنِ الْأُولَى، وَأَذِنَ ﷺ فِي قَتْلِهِ بَعْدَ أَنْ مَنَعَ مِنْهُ لِزَوَالِ عِلَّةِ الْمَنْعِ وَهِيَ التَّأَلُّفُ، فَكَأَنَّهُ اسْتَغْنَى عَنْهُ بَعْدَ انْتِشَارِ الْإِسْلَامِ كَمَا نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ يُنْسَبُ إِلَى النِّفَاقِ بَعْدَ أَنْ كَانَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ قَبْلَ ذَلِكَ وَكَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ تَمَسَّكَا بِالنَّهْيِ الْأَوَّلِ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ وَحَمَلَا الْأَمْرَ هُنَا عَلَى قَيْدِ أَنْ لَا يَكُونَ لَا يُصَلِّي، فَلِذَلِكَ عَلَّلَا عَدَمَ الْقَتْلِ بِوُجُودِ الصَّلَاةِ أَوْ غَلَّبَا جَانِبَ النَّهْيِ. ثُمَّ وَجَدْتُ فِي مَغَازِي الْأُمَوِيِّ مِنْ مُرْسَلِ الشَّعْبِيِّ فِي نَحْوِ أَصْلِ الْقِصَّةِ: ثُمَّ دَعَا رِجَالًا فَأَعْطَاهُمْ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّكَ لَتَقْسِمُ وَمَا نَرَى عَدْلًا، قَالَ: إِذَنْ لَا يَعْدِلُ أَحَدٌ بَعْدِي، ثُمَّ دَعَا أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ: اذْهَبْ فَاقْتُلْهُ، فَذَهَبَ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَقَالَ: لَوْ قَتَلْتُهُ لَرَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَهُمْ وَآخِرَهُمْ، فَهَذَا يُؤَيِّدُ الْجَمْعَ الَّذِي ذَكَرْتُهُ لِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ثُمَّ مِنَ التَّرَاخِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لِعَلِيٍّ وَأَنَّهُ كَانَ الْإِمَامَ الْحَقَّ، وَأَنَّهُ كَانَ عَلَى الصَّوَابِ فِي قِتَالِ مَنْ قَاتَلَهُ فِي حُرُوبِهِ فِي الْجَمَلِ وَصِفِّينَ وَغَيْرِهِمَا، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَصْرِ فِي الصَّحِيفَةِ فِي قَوْلِهِ فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ: مَا عِنْدَنَا إِلَّا الْقُرْآنُ وَالصَّحِيفَةُ مُقَيَّدٌ بِالْكِتَابَةِ لَا أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ شَيْءٌ مِمَّا أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَحْوَالِ الْآتِيَةِ إِلَّا مَا فِي الصَّحِيفَةِ، فَقَدِ اشْتَمَلَتْ طُرُقُ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ كَانَ عِنْدَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عِلْمٌ بِهَا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِقِتَالِ الْخَوَارِجِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا ذُكِرَ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُخْبِرُ بِأَنَّهُ سَيَقْتُلُهُ أَشْقَى الْقَوْمِ فَكَانَ ذَلِكَ فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ.
-
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّفْيُ مُقَيَّدًا بِاخْتِصَاصِهِ بِذَلِكَ فَلَا يَرِدُ حَدِيثَ الْبَابِ لِأَنَّهُ شَارَكَهُ فِيهِ جَمَاعَةٌ وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ هُوَ زِيَادَةٌ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ كَانَ صَاحِبَ الْقِصَّةِ فَكَانَ أَشَدَّ عِنَايَةً بِهَا مِنْ غَيْرِهِ.
-
وَفِيهِ الْكَفُّ عَنْ قَتْلِ مَنْ يَعْتَقِدُ الْخُرُوجَ عَلَى الْإِمَامِ مَا لَمْ يَنْصِبْ لِذَلِكَ حَرْبًا أَوْ يَسْتَعِدَّ لِذَلِكَ لِقَوْلِهِ: فَإِذَا خَرَجُوا فَاقْتُلُوهُمْ، وَحَكَى الطَّبَرِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ لَا يُكَفَّرُ بِاعْتِقَادِهِ، وَأَسْنَدَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ كَتَبَ فِي الْخَوَارِجِ بِالْكَفِّ عَنْهُمْ: مَا لَمْ يَسْفِكُوا دَمًا حَرَامًا أَوْ يَأْخُذُوا مَالًا فَإِنْ فَعَلُوا فَقَاتِلُوهُمْ وَلَوْ كَانُوا وَلَدِي، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: مَا يَحِلُّ فِي قِتَالِ الْخَوَارِجِ؟ إِذَا قَطَعُوا السَّبِيلَ وَأَخَافُوا الْأَمْنَ. وَأَسْنَدَ الطَّبَرِيُّ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ كَانَ يَرَى رَأْيَ الْخَوَارِجِ وَلَمْ يَخْرُجْ؟ فَقَالَ: الْعَمَلُ أَمْلَكُ بِالنَّاسِ مِنَ الرَّأْيِ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَصَفَ الْخَوَارِجَ بِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ الْحَقَّ بِأَلْسِنَتِهِمْ ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ قَوْلَهُمْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ حَقًّا مِنْ جِهَةِ الْقَوْلِ فَإِنَّهُ قَوْلٌ لَا يُجَاوِزُ حُلُوقَهُمْ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ أَخْبَرَ أَنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ الْمُوَافِقَ لِلْقَوْلِ الطَّيِّبِ هُوَ الَّذِي يَرْفَعُ الْقَوْلَ الطَّيِّبَ، قَالَ: وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قِتَالُ الْخَوَارِجِ وَقَتْلُهُمْ إِلَّا بَعْدَ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِدُعَائِهِمْ إِلَى الرُّجُوعِ إِلَى الْحَقِّ وَالْإِعْذَارِ إِلَيْهِمْ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّرْجَمَةِ بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِيهَا وَاسْتُدِلَّ بِهِ لِمَنْ قَالَ بِتَكْفِيرِ الْخَوَارِجِ.
-
وَهُوَ مُقْتَضَى صَنِيعِ الْبُخَارِيِّ حَيْثُ قَرَنَهُمْ بِالْمُلْحِدِينَ وَأَفْرَدَ عَنْهُمُ الْمُتَأَوِّلِينَ بِتَرْجَمَةٍ، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ فَقَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّهُمْ كُفَّارٌ لِقَوْلِهِ ﷺ يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ وَلِقَوْلِهِ: لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ، وَفِي لَفْظٍ: ثَمُودَ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا إِنَّمَا هَلَكَ بِالْكُفْرِ. وَبِقَوْلِهِ: هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَلَا يُوصَفُ بِذَلِكَ إِلَّا الْكُفَّارُ، وَلِقَوْلِهِ: إِنَّهُمْ أَبْغَضُ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلِحُكْمِهِمْ عَلَى كُلِّ مَنْ خَالَفَ مُعْتَقَدَهُمْ بِالْكُفْرِ وَالتَّخْلِيدِ فِي النَّارِ فَكَانُوا هُمْ أَحَقَّ بِالِاسْمِ مِنْهُمْ.
-
وَمِمَّنْ جَنَحَ إِلَى ذَلِكَ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ فَقَالَ فِي فَتَاوِيهِ: احْتَجَّ مَنْ كَفَّرَ الْخَوَارِجَ وَغُلَاةَ الرَّوَافِضِ بِتَكْفِيرِهِمْ
ج ١٣ ص ٣٠٠أَعْلَامَ الصَّحَابَةِ لِتَضَمُّنِهِ تَكْذِيبَ النَّبِيِّ ﷺ فِي شَهَادَتِهِ لَهُمْ، بِالْجَنَّةِ، قَالَ: وَهُوَ عِنْدِي احْتِجَاجٌ صَحِيحٌ، قَالَ: وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْهُمْ بِأَنَّ الْحُكْمَ بِتَكْفِيرِهِمْ يَسْتَدْعِي تَقَدُّمَ عِلْمِهِمْ بِالشَّهَادَةِ الْمَذْكُورَةِ عِلْمًا قَطْعِيًّا، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّا نَعْلَمُ تَزْكِيَةَ مَنْ كَفَّرُوهُ عِلْمًا قَطْعِيًّا إِلَى حِينِ مَوْتِهِ وَذَلِكَ كَافٍ فِي اعْتِقَادِنَا تَكْفِيرَ مَنْ كَفَّرَهُمْ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ: مَنْ قَالَ لِأَخِيهِ كَافِرٌ فَقَدْ بَاءَ بِهِ أَحَدُهُمَا.
-
وَفِي لَفْظِ مُسْلِمٍ: مَنْ رَمَى مُسْلِمًا بِالْكُفْرِ أَوْ قَالَ عَدُوُّ اللَّهِ إِلَّا حَاد عَلَيْهِ، قَالَ: وَهَؤُلَاءِ قَدْ تَحَقَّقَ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ يَرْمُونَ جَمَاعَةً بِالْكُفْرِ مِمَّنْ حَصَلَ عِنْدَنَا الْقَطْعُ بِإِيمَانِهِمْ فَيَجِبُ أَنْ يُحْكَمَ بِكُفْرِهِمْ بِمُتْقَضَى خَبَرِ الشَّارِعِ، وَهُوَ نَحْوُ مَا قَالُوهُ فِيمَنْ سَجَدَ لِلصَّنَمِ وَنَحْوِهِ مِمَّنْ لَا تَصْرِيحَ بِالْجُحُودِ فِيهِ بَعْدَ أَنْ فَسَّرُوا الْكُفْرَ بِالْجُحُودِ، فَإِنِ احْتَجُّوا بِقِيَامِ الْإِجْمَاعِ عَلَى تَكْفِيرِ فَاعِلِ ذَلِكَ قُلْنَا وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ الْوَارِدَةُ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ تَقْتَضِي كُفْرَهُمْ وَلَوْ لَمْ يَعْتَقِدُوا تَزْكِيَةَ مَنْ كَفَّرُوهُ عِلْمًا قَطْعِيًّا، وَلَا يُنَجِّيهِمُ اعْتِقَادُ الْإِسْلَامِ إِجْمَالًا وَالْعَمَلُ بِالْوَاجِبَاتِ عَنِ الْحُكْمِ بِكُفْرِهِمْ كَمَا لَا يُنَجِّي السَّاجِدَ لِلصَّنَمِ ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَمِمَّنْ جَنَحَ إِلَى بَعْضِ هَذَا الْبَحْثِ الطَّبَرِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ؛ فَقَالَ بَعْدَ أَنْ سَرَدَ أَحَادِيثَ الْبَابِ: فِيهِ الرَّدُّ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: لَا يَخْرُجُ أَحَدٌ مِنَ الْإِسْلَامِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِهِ حُكْمَهُ إِلَّا بِقَصْدِ الْخُرُوجِ مِنْهُ عَالِمًا فَإِنَّهُ مُبْطِلٌ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: يَقُولُونَ الْحَقَّ وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَيَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ وَلَا يَتَعَلَّقُونَ مِنْهُ بِشَيْءٍ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُمْ لَمْ يَرْتَكِبُوا اسْتِحْلَالَ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ إِلَّا بِخَطَإٍ مِنْهُمْ فِيمَا تَأَوَّلُوهُ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ عَلَى غَيْرِ الْمُرَادِ مِنْهُ. ثُمَّ أَخْرَجَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَذَكَرَ عِن دَهُ الْخَوَارِجَ وَمَا يَلْقَوْنَ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، فَقَالَ: يُؤْمِنُونَ بِمُحْكَمِهِ وَيَهْلِكُونَ عِنْدَ مُتَشَابِهِهِ. وَيُؤَيِّدُ الْقَوْلَ الْمَذْكُورَ الْأَمْرُ بِقَتْلِهِمْ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَا يَحِلُّ قَتْلُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ - وَفِيهِ - التَّارِكُ لِدِينِهِ، الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: يُؤَيِّدُ الْقَوْلَ بِتَكْفِيرِهِمْ التَّمْثِيلُ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، يَعْنِي الْآتِيَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، فَإِنَّ ظَاهِرَ مَقْصُودِهِ أَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنَ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَتَعَلَّقُوا مِنْهُ بِشَيْءٍ كَمَا خَرَجَ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ لِسُرْعَتِهِ وَقُوَّةِ رَامِيهِ بِحَيْثُ لَمْ يَتَعَلَّقْ مِنَ الرَّمِيَّةِ بِشَيْءٍ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ، وَقَالَ صَاحِبُ الشِّفَاءِ فِيهِ: وَكَذَا نَقْطَعُ بِكُفْرِ كُلِّ مَنْ قَالَ قَوْلًا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى تَضْلِيلِ الْأُمَّةِ أَوْ تَكْفِيرِ الصَّحَابَةِ، وَحَكَاهُ صَاحِبُ الرَّوْضَةِ فِي كِتَابِ الرِّدَّةِ عَنْهُ وَأَقَرَّهُ.
-
وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْأُصُولِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ إِلَى أَنَّ الْخَوَارِجَ فُسَّاقٌ وَأَنَّ حُكْمَ الْإِسْلَامِ يَجْرِي عَلَيْهِمْ لِتَلَفُّظِهِمْ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَمُوَاظَبَتِهِمْ عَلَى أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا فُسِّقُوا بِتَكْفِيرِهِمُ الْمُسْلِمِينَ مُسْتَنِدِينَ إِلَى تَأْوِيلٍ فَاسِدٍ وَجَرَّهُمْ ذَلِكَ إِلَى اسْتِبَاحَةِ دِمَاءِ مُخَالِفِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَالشَّهَادَةِ عَلَيْهِمْ بِالْكُفْرِ وَالشِّرْكِ.
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ الْخَوَارِجَ مَعَ ضَلَالَتِهِمْ فِرْقَةٌ مِنْ فِرَقِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَجَازُوا مُنَاكَحَتَهُمْ وَأَكْلَ ذَبَائِحِهِمْ، وَأَنَّهُمْ لَا يُكَفَّرُونَ مَا دَامُوا مُتَمَسِّكِينَ بِأَصْلِ الْإِسْلَامِ.
وَقَالَ عِيَاضٌ: كَادَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَكُونُ أَشَدَّ إِشْكَالًا عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ غَيْرِهَا، حَتَّى سَأَلَ الْفَقِيهُ عَبْدُ الْحَقِّ الْإِمَامَ أَبَا الْمَعَالِي عَنْهَا فَاعْتَذَرَ بِأَنَّ إِدْخَالَ كَافِرٍ فِي الْمِلَّةِ وَإِخْرَاجَ مُسْلِمٍ عَنْهَا عَظِيمٌ فِي الدِّينِ، قَالَ: وَقَدْ تَوَقَّفَ قَبْلَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ وَقَالَ: لَمْ يُصَرِّحِ الْقَوْمُ بِالْكُفْرِ وَإِنَّمَا قَالُوا أَقْوَالًا تُؤَدِّي إِلَى الْكُفْرِ.
-
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالزَّنْدَقَةِ وَالَّذِي يَنْبَغِي الِاحْتِرَازُ عَنِ التَّكْفِيرِ مَا وَجَدَ إِلَيْهِ سَبِيلًا فَإِنَّ اسْتِبَاحَةَ دِمَاءِ الْمُصَلِّينَ الْمُقِرِّينَ بِالتَّوْحِيدِ خَطَأٌ، وَالْخَطَأُ فِي تَرْكِ أَلْفِ كَافِرٍ فِي الْحَيَاةِ أَهْوَنُ مِنَ الْخَطَإِ فِي سَفْكِ دَمٍ لِمُسْلِمٍ وَاحِدٍ. وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْهُمْ قَوْلُهُ فِي ثَالِثِ أَحَادِيثِ الْبَابِ بَعْدَ وَصْفِهِمْ بِالْمُرُوقِ مِنَ الدِّينِ كَمُرُوقِ السَّهْمِ فَيَنْظُرُ الرَّامِي إِلَى سَهْمِهِ إِلَى أَنْ قَالَ: فَيَتَمَارَى فِي الْفُوقَةِ هَلْ عَلِقَ بِهَا شَيْءٌ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: ذَهَبَ جُمْهُورُ
ج ١٣ ص ٣٠١الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْخَوَارِجَ غَيْرُ خَارِجِينَ عَنْ جُمْلَةِ الْمُسْلِمِينَ لِقَوْلِهِ: يَتَمَارَى فِي الْفُوقِ لِأَنَّ التَّمَارِي مِنَ الشَّكِّ، وَإِذْ وَقَعَ الشَّكُّ فِي ذَلِكَ لَمْ يُقْطَعْ عَلَيْهِمْ بِالْخُرُوجِ مِنَ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ عَقْدُ الْإِسْلَامِ بِيَقِينٍ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ إِلَّا بِيَقِينٍ قَالَ: وَقَدْ سُئِلَ عَلِيٌّ عَنْ أَهْلِ النَّهْرِ هَلْ كَفَرُوا؟ فَقَالَ: مِنَ الْكُفْرِ فَرُّوا.
قُلْتُ: وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ عَنْ عَلِيٍّ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ اطَّلَعَ عَلَى مُعْتَقَدِهِمُ الَّذِي أَوْجَبَ تَكْفِيرَهُمْ عِنْدَ مَنْ كَفَّرَهُمْ، وَفِي احْتِجَاجِهِ بِقَوْلِهِ: يَتَمَارَى فِي الْفُوقِ نَظَرٌ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ وَكَمَا سَيَأْتِي لَمْ يَعْلَقْ مِنْهُ بِشَيْءٍ، وَفِي بَعْضِهَا سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ، وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ تَرَدَّدَ هَلْ فِي الْفُوقِ شَيْءٌ أَوْ لَا ثُمَّ تَحَقَّقَ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَقْ بِالسَّهْمِ وَلَا بِشَيْءٍ مِنْهُ مِنَ الرَّمْيِ بِشَيْءٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ عَلَى اخْتِلَافِ أَشْخَاصٍ مِنْهُمْ، وَيَكُونُ فِي قَوْلِهِ: يَتَمَارَى إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ يَبْقَى مَعَهُ مِنَ الْإِسْلَامِ شَيْءٌ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: وَالْقَوْلُ بِتَكْفِيرِهِمْ أَظْهَرُ فِي الْحَدِيثِ، قَالَ: فَعَلَى الْقَوْلِ بِتَكْفِيرِهِمْ يُقَاتِلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَتُسْبَى أَمْوَالُهُمْ وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي أَمْوَالِ الْخَوَارِجِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ تَكْفِيرِهِمُ يُسْلَكُ بِهِمْ مَسْلَكَ أَهْلِ الْبَغْيِ إِذَا شَقُّوا الْعَصَا وَنَصَبُوا الْحَرْبَ، فَأَمَّا مَنِ اسْتَسَرَّ مِنْهُمْ بِبِدْعَةٍ فَإِذَا ظُهِرَ عَلَيْهِ هَلْ يُقْتَلُ بَعْدَ الِاسْتِتَابَةِ أَوْ لَا يُقْتَلُ بَلْ يُجْتَهَدُ فِي رَدِّ بِدْعَتِهِ؟ اخْتُلِفَ فِيهِ بِحَسَبِ الِاخْتِلَافِ فِي تَكْفِيرِهِمْ، قَالَ: وَبَابُ التَّكْفِيرِ بَابٌ خَطِرٌ وَلَا نَعْدِلُ بِالسَّلَامَةِ شَيْئًا، قَالَ وَفِي الْحَدِيثِ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ حَيْثُ أَخْبَرَ بِمَا وَقَعَ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْخَوَارِجَ لَمَّا حَكَمُوا بِكُفْرِ مَنْ خَالَفَهُمُ اسْتَبَاحُوا دِمَاءَهُمْ وَتَرَكُوا أَهْلَ الذِّمَّةِ فَقَالُوا نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَتَرَكُوا قِتَالَ الْمُشْرِكِينَ وَاشْتَغَلُوا بِقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ آثَارِ عِبَادَةِ الْجُهَّالِ الَّذِينَ لَمْ تَنْشَرِحْ صُدُورُهُمْ بِنُورِ الْعِلْمِ وَلَمْ يَتَمَسَّكُوا بِحَبْلٍ وَثِيقٍ مِنَ الْعِلْمِ، وَكَفَى أَنَّ رَأْسَهُمْ رَدَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَمْرَهُ وَنَسَبَهُ إِلَى الْجَوْرِ نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ.
قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ قِتَالَ الْخَوَارِجِ أَوْلَى مِنْ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ، وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ فِي قِتَالِهِمْ حِفْظَ رَأْسِ مَالِ الْإِسْلَامِ، وَفِي قِتَالِ أَهْلِ الشِّرْكِ طَلَبُ الرِّبْحِ، وَحِفْظُ رَأْسِ الْمَالِ أَوْلَى، وَفِيهِ الزَّجْرُ عَنِ الْأَخْذِ بِظَوَاهِرِ جَمِيعِ الْآيَاتِ الْقَابِلَةِ لِلتَّأْوِيلِ الَّتِي يُفْضِي الْقَوْلُ بِظَوَاهِرِهَا إِلَى مُخَالَفَةِ إِجْمَاعِ السَّلَفِ، وَفِيهِ التَّحْذِيرُ مِنَ الْغُلُوِّ فِي الدِّيَانَةِ وَالتَّنَطُّعِ فِي الْعِبَادَةِ بِالْحَمْلِ عَلَى النَّفْسِ فِيمَا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ الشَّرْعُ، وَقَدْ وَصَفَ الشَّارِعُ الشَّرِيعَةَ بِأَنَّهَا سَهْلَةٌ سَمْحَةٌ، وَإِنَّمَا نَدَبَ إِلَى الشِّدَّةِ عَلَى الْكُفَّارِ وَإِلَى الرَّأْفَةِ بِالْمُؤْمِنِينَ، فَعَكَسَ ذَلِكَ الْخَوَارِجُ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
-
وَفِيهِ جَوَازُ قِتَالِ مَنْ خَرَجَ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ الْعَادِلِ، وَمَنْ نَصَبَ الْحَرْبَ فَقَاتَلَ عَلَى اعْتِقَادٍ فَاسِدٍ، وَمَنْ خَرَجَ يَقْطَعُ الطُّرُقَ وَيُخِيفُ السَّبِيلَ وَيَسْعَى فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ، وَأَمَّا مَنْ خَرَجَ عَنْ طَاعَةِ إِمَامٍ جَائِرٍ أَرَادَ الْغَلَبَةَ عَلَى مَالِهِ أَوْ نَفْسِهِ أَوْ أَهْلِهِ فَهُوَ مَعْذُورٌ وَلَا يَحِلُّ قِتَالُهُ وَلَهُ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَأَهْلِهِ بِقَدْرِ طَاقَتِهِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي نَضْرٍ عَنْ عَلِيٍّ وَذَكَرَ الْخَوَارِجَ فَقَالَ: إِنْ خَالَفُوا إِمَامًا عَدْلًا فَقَاتِلُوهُمْ، وَإِنْ خَالَفُوا إِمَامًا جَائِرًا فَلَا تُقَاتِلُوهُمْ فَإِنَّ لَهُمْ مَقَالًا.
قُلْتُ: وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ مَا وَقَعَ لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ثُمَّ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي الْحَرَّةِ ثُمَّ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ثُمَّ لِلْقُرَّاءِ الَّذِينَ خَرَجُوا عَلَى الْحَجَّاجِ فِي قِصَّةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَفِيهِ ذَمُّ اسْتِئْصَالِ شَعْرِ الرَّأْسِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بَيَانَ صِفَتِهِمُ الْوَاقِعَةِ لَا لِإِرَادَةِ ذَمِّهَا، وَتَرْجَمَ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ: بَيَانُ أَنَّ سَبَبَ خُرُوجِ الْخَوَارِجِ كَانَ بِسَبَبِ الْأَثَرَةِ فِي الْقِسْمَةِ مَعَ كَوْنِهَا كَانَتْ صَوَابًا فَخَفِيَ عَنْهُمْ ذَلِكَ، وَفِيهِ إِبَاحَةُ قِتَالِ الْخَوَارِجِ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَقَتْلُهُمْ فِي الْحَرْبِ وَثُبُوتُ الْأَجْرِ لِمَنْ قَتَلَهُمْ، وَفِيهِ أَنَّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَخْرُجُ مِنَ الدِّينِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْصِدَ
ج ١٣ ص ٣٠٢الْخُرُوجَ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْتَارَ دِينًا عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ، وَأَنَّ الْخَوَارِجَ شَرُّ الْفِرَقِ الْمُبْتَدِعَةِ مِنَ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ وَمِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.
قُلْتُ: وَالْأَخِيرُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِتَكْفِيرِهِمْ مُطْلَقًا، وَفِيهِ مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لِعُمَرَ لِشِدَّتِهِ فِي الدِّينِ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُكْتَفَى فِي التَّعْدِيلِ بِظَاهِرِ الْحَالِ وَلَوْ بَلَغَ الْمَشْهُودُ بِتَعْدِيلِهِ الْغَايَةَ فِي الْعِبَادَةِ وَالتَّقَشُّفِ وَالْوَرَعِ حَتَّى يُخْتَبَرَ بَاطِنُ حَالِهِ.
-
الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: (عَبْدُ الْوَاحِدِ) هُوَ ابْنُ زِيَادٍ، وَالشَّيْبَانِيُّ، هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ، وَيُسَيْرُ بْنُ عَمْرٍو بِتَحْتَانِيَّةٍ أَوَّلُهُ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ مُصَغَّرٌ، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا أُسَيْرٌ، وَوَقَعَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ كَحَدِيثِ الْبَابِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ هَذَا الْحَدِيثُ الْوَاحِدُ، وَهُوَ مِنْ بَنِي مُحَارِبِ بْنِ ثَعْلَبَةَ نَزَلَ الْكُوفَةَ وَيُقَالُ إِنَّ لَهُ صُحْبَةً، وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي تَارِيخِهِ: حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ عَمْرِو بْنِ يُسَيْرِ بْنِ عُمَرَ، وَأَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ يُسَيْرِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ، وَيُقَالُ لَهُ: أُسَيْرُ بْنُ جَابِرٍ، كَذَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ عُمَيْرٍ فِي فَضِيلَةِ أُوَيْسٍ الْقَرْنِيِّ، وَقِيلَ: هُوَ أُسَيْرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَابِرٍ نُسِبَ لِجَدِّهِ.
-
قَوْلُهُ: (سَمِعْتُهُ يَقُولُ وَأَهْوَى بِيَدِهِ قِبَلَ الْعِرَاقِ) أَيْ مِنْ جِهَتِهِ، وَفِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ: نَحْوَ الْمَشْرِقِ.
-
قَوْلُهُ: (يَمْرُقُونَ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْمُرُوقُ الْخُرُوجُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ، يُقَالُ: مَرَقَ السَّهْمُ مِنَ الْغَرَضِ إِذَا أَصَابَهُ ثُمَّ نَفَذَ مِنْهُ فَهُوَ يَمْرُقُ مِنْهُ مَرْقًا وَمُرُوقًا، وَانْمَرَقَ مِنْهُ، وَأَمْرَقَهُ الرَّامِي إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْمُمَرِّقِ: مُمَرِّقٌ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهُ، وَمِنْهُ قِيلَ: مَرَقَ الْبَرْقُ لِخُرُوجِهِ بِسُرْعَةٍ.
-
قَوْلُهُ: (مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ) زَادَ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: قَالَ أُسَيْرٌ: قُلْتُ: مَا لَهُمْ عَلَامَةٌ؟ قَالَ: سَمِعْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لَا أَزِيدُكَ عَلَيْهِ، وَفِي هَذَا أَنَّ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ صَرَّحَ بِأَنَّ الْحَرُورِيَّةَ هُمُ الْمُرَادُ بِالْقَوْمِ الْمَذْكُورِينَ فِي أَحَادِيثِ هَذَيْنِ الْبَابَيْنِ، فَيُقَوِّي مَا تَقَدَّمَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ تَوَقَّفَ فِي الِاسْمِ وَالنِّسْبَةِ لَا فِي كَوْنِهِمُ الْمُرَادَ.
قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْخَوَارِجِ عَنْ عَلِيٍّ تَامًّا وَمُخْتَصَرًا: عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ، وَسُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ، وَعُبَيْدَةُ بْنُ عَمْرٍو، وَزَيْدُ بْنُ وَهْبٍ، وَكُلَيْبٌ الْجَرْمِيُّ، وَطَارِقُ بْنُ زِيَادٍ، وَأَبُو مَرْيَمَ.
قُلْتُ: وَأَبُو وَضِيٍّ، وَأَبُو كَثِيرٍ، وَأَبُو مُوسَى، وَأَبُو وَائِلٍ فِي مُسْنَدِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ.، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَأَبُو جُحَيْفَةَ عِنْدَ الْبَزَّارِ.، وَأَبُو جَعْفَرٍ الْفَرَّاءُ مَوْلَى عَلِيٍّ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ. وَكَثِيرُ بْنُ نُمَيْرٍ، وَعَاصِمُ بْنُ ضَمْرَةَ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَرَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَوْ بَعْضِهِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَأَبُو ذَرٍّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَحُذَيْفَةُ، وَأَبُو بَكْرَةَ، وَعَائِشَةُ، وَجَابِرٌ، وَأَبُو بَرْزَةَ، وَأَبُو أُمَامَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى، وَسَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ.
قُلْتُ: وَرَافِعُ بْنُ عَمْرٍو، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَجُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَرِيسٍ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، وَطَلْقُ بْنُ عَلِيٍّ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ مِنْ طَرِيقِ الْفَرَزْدَقِ الشَّاعِرِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَأَبَا سَعِيدٍ وَسَأَلَهُمَا، فَقَالَ: إِنِّي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَإِنَّ قَوْمًا يَخْرُجُونَ عَلَيْنَا يَقْتُلُونَ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيُؤَمِّنُونَ مَنْ س وَاهُمْ فَقَالَا لِي: سَمِعْنَا النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: مَنْ قَتَلَهُمْ فَلَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ وَمَنْ قَتَلُوهُ فَلَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ، فَهَؤُلَاءِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ نَفْسًا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالطُّرُقُ إِلَى كَثْرَتِهِمْ مُتَعَدِّدَةٌ كَعَلِيٍّ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَأَبِي بَكْرَةَ، وَأَبِي بَرْزَةَ، وَأَبِي ذَرٍّ، فَيُفِيدُ مَجْمُوعُ خَبَرِهِمَا الْقَطْعَ بِصِحَّةِ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .