(باب بيان أن من مات على الكفر فهو في النار)
٣ فقرات، ج ٣ ص ٧٩
- ج ٣ ص ٧٩
(وَلَا تَنَالُهُ شَفَاعَةٌ وَلَا تنفعه قرابة المقربين)
-
قَوْلُهُ (أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ أَبِي قَالَ فِي النَّارِ فَلَمَّا قَفَّى دعاه فقال إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ) فِيهِ أَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ فَهُوَ فِي النَّارِ وَلَا تَنْفَعُهُ قَرَابَةُ الْمُقَرَّبِينَ وَفِيهِ أَنَّ مَنْ مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْعَرَبُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَلَيْسَ هَذَا مُؤَاخَذَةٌ قَبْلَ بُلُوغِ الدَّعْوَةِ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ كَانَتْ قَدْ بَلَغَتْهُمْ دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ تَعَالَى وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ هُوَ مِنْ حُسْنِ الْعِشْرَةِ لِلتَّسْلِيَةِ بِالِاشْتِرَاكِ فِي الْمُصِيبَةِ وَمَعْنَى قَفَّى ولى قفاه منصرفا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ
ج ٣ ص ٨٠قَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ لُؤَيٌّ يُهْمَزُ وَلَا يُهْمَزُ وَالْهَمْزُ أَكْثَرُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَا فَاطِمَةُ أَنْقِذِي نَفْسَكِ) هَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ فَاطِمَةُ وَفِي بَعْضِهَا أَوْ أَكْثَرِهَا يافاطم بِحَذْفِ الْهَاءِ عَلَى التَّرْخِيمِ وَعَلَى هَذَا يَجُوزُ ضَمُّ الْمِيمِ وَفَتْحُهَا كَمَا عُرِفَ فِي نَظَائِرِهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) مَعْنَاهُ لَا تَتَّكِلُوا عَلَى قَرَابَتِي فَإِنِّي لَا أَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ مَكْرُوهٍ يُرِيدُهُ اللَّهُ تَعَالَى بِكَمْ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا) ضَبَطْنَاهُ بِفَتْحِ الْبَاءِ الثَّانِيَةِ وَكَسْرِهَا وَهُمَا وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا جَمَاعَاتٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رُوِّينَاهُ بِالْكَسْرِ قَالَ وَرَأَيْتُ لِلْخَطَّابِيِّ أَنَّهُ بِالْفَتْحِ وَقَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ رُوِّينَاهُ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَفَتْحِهَا مِنْ بَلَّهُ يَبُلُّهُ وَالْبَلَالُ الْمَاءُ وَمَعْنَى الْحَدِيثِ سَأَصِلُهَا شُبِّهَتْ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ بِالْحَرَارَةِ وَوَصْلُهَا بِإِطْفَاءِ الْحَرَارَةِ بِبُرُودَةٍ وَمِنْهُ بلوا أرحامكم أى صلوها قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ يَا صَفِيَّةُ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) يَجُوزُ نَصْبُ فَاطِمَةَ وَصْفِيَّةَ وَعَبَّاسٍ وَضَمُّهُمْ وَالنَّصْبُ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ وأما بنت وبن فَمَنْصُوبٌ لَا غَيْرَ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا
ج ٣ ص ٨١مَعْرُوفًا فَلَا بَأْسَ بِالتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ لِمَنْ لَا يَحْفَظُهُ وَأَفْرَدَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَؤُلَاءِ لِشِدَّةِ قَرَابَتِهِمْ قَوْلُهُ (عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ وَزُهَيْرِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَا لما نزلت وأنذر عشيرتك الأقربين قَالَ انْطَلَقَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى رَضْمَةٍ مِنْ جَبَلٍ فَعَلَا أَعْلَاهَا حجرا ثم نادى يابني عَبْدِ مَنَافَاهُ إِنِّي نَذِيرٌ إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ رَأَى الْعَدُوَّ فَانْطَلَقَ يَرْبَأُ أَهْلَهُ فَخَشِيَ أَنْ يَسْبِقُوهُ فَجَعَلَ يَهْتِفُ يَا صَبَاحَاهُ) أَمَّا قَوْلُهُ أَوَّلًا قَالَ انْطَلَقَ فَمَعْنَاهُ قَالَا لان
ج ٣ ص ٨٢الْمُرَادَ أَنَّ قَبِيصَةَ وَزُهَيْرًا قَالَا وَلَكِنْ لَمَّا كَانَا مُتَّفِقَيْنِ وَهُمَا كَالرَّجُلِ الْوَاحِدِ أَفْرَدَ فِعْلَهُمَا وَلَوْ حَذَفَ لَفْظَةَ قَالَ كَانَ الْكَلَامُ وَاضِحًا مُنْتَظِمًا وَلَكِنْ لَمَّا حَصَلَ فِي الْكَلَامِ بَعْضُ الطُّولِ حَسُنَ إِعَادَةٍ قَالَ لِلتَّأْكِيدِ وَمِثْلُهُ فِي الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أنكم مخرجون فَأَعَادَ أَنَّكُمْ وَلَهُ نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ فِي الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ وَالْحَدِيثِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي مَوَاضِعَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا الْمُخَارِقُ وَالِدُ قَبِيصَةَ فَبِضَمِّ الْمِيمِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَأَمَّا الرَّضْمَةُ فَبِفَتْحِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَبِفَتْحِهَا لُغَتَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ الْمَطَالِعِ وَغَيْرُهُ وَاقْتَصَرَ صَاحِبُ العين والجوهري والهروي وغيرهم على الاسكان وبن فَارِسٍ وَبَعْضُهُمْ عَلَى الْفَتْحِ قَالُوا وَالرَّضْمَةُ وَاحِدَةُ الرَّضْمِ وَالرِّضَامِ وَهِيَ صُخُورٌ عِظَامٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ وَقِيلَ هِيَ دُونَ الْهِضَابِ وَقَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ الرَّضْمَةُ حِجَارَةٌ مُجْتَمِعَةٌ لَيْسَتْ بِثَابِتَةٍ فِي الْأَرْضِ كَأَنَّهَا مَنْثُورَةٌ وَأَمَّا يَرْبَأُ فَهُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَبَعْدُهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ ثُمَّ هَمْزَةٌ عَلَى وَزْنِ يَقْرَأُ وَمَعْنَاهُ يَحْفَظُهُمْ وَيَتَطَلَّعُ لهم ويقال لفاعل ذلك ربئة وَهُوَ الْعَيْنُ وَالطَّلِيعَةُ الَّذِي يَنْظُرُ لِلْقَوْمِ لِئَلَّا يَدْهَمَهُمُ الْعَدُوُّ وَلَا يَكُونُ فِي الْغَالِبِ إِلَّا على جبل أو شرف أو شئ مُرْتَفِعٍ لِيَنْظُرَ إِلَى بُعْدٍ وَأَمَّا يَهْتِفُ فَبِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ التَّاءِ وَمَعْنَاهُ يَصِيحُ وَيَصْرُخُ وَقَوْلُهُمْ ياصباحاه كَلِمَةٌ يَعْتَادُونَهَا عِنْدَ وُقُوعِ أَمْرٍ عَظِيمٍ فَيَقُولُونَهَا لِيَجْتَمِعُوا وَيَتَأَهَّبُوا لَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (عَنِ بن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هذه الآية وأنذر عشيرتك الأقربين وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) هُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ فَظَاهِرُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ أَنَّ قَوْلَهُ وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ كَانَ قُرْآنًا أُنْزِلَ ثُمَّ نُسِخَتْ
- ج ٣ ص ٨٣
تِلَاوَتُهُ وَلَمْ تَقَعْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي رِوَايَاتِ الْبُخَارِيِّ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِسَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ) أَمَّا سَفْحُ الْجَبَلِ فَبِفَتْحِ السِّينِ وَهُوَ أَسْفَلُهُ وَقِيلَ عَرْضُهُ وَأَمَّا مُصَدِّقِيَّ فَبِتَشْدِيدِ الدَّالِ وَالْيَاءِ قَوْلُهُ (فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ تَبَّتْ يدا أبي لهب وقد تب كَذَا قَرَأَ الْأَعْمَشُ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ) مَعْنَاهُ أَنَّ الْأَعْمَشَ زَادَ لَفْظَةَ قَدْ بِخِلَافِ الْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ وَقَوْلُهُ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ يَعْنِي أَتَمَّ الْقِرَاءَةَ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ كَمَا يَقْرَؤُهَا النَّاسُ وفي السورة لغتان الهمز وتركه حكاهما بن قُتَيْبَةَ وَالْمَشْهُورُ بِغَيْرِ هَمْزٍ كَسُورِ الْبَلَدِ لِارْتِفَاعِهَا وَمَنْ هَمَزَهُ قَالَ هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ كَسُؤْرِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَهِيَ الْبَقِيَّةُ مِنْهُ وَفِي أَبِي لَهَبٍ لُغَتَانِ قُرِئَ بِهِمَا فَتْحُ الْهَاءِ وَإِسْكَانُهَا وَاسْمُهُ عَبْدُ الْعُزَّى وَمَعْنَى تَبَّ خَسِرَ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ السُّورَةِ عَلَى جَوَازِ تَكْنِيَةِ الْكَافِرِ وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ مَالِكٍ فِي جَوَازِ تَكْنِيَةِ الْكَافِرِ بِالْجَوَازِ وَالْكَرَاهَةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّمَا يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ عَلَى جِهَةِ التَّأَلُّفِ وَإِلَّا فَلَا إِذْ فِي التَّكْنِيَةِ تَعْظِيمٌ وَتَكْبِيرٌ وَأَمَّا تَكْنِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى لِأَبِي لَهَبٍ فَلَيْسَتْ مِنْ هَذَا وَلَا حُجَّةَ فِيهِ إِذَا كَانَ اسْمُهُ عَبْدُ الْعُزَّى وهَذِهِ تَسْمِيَةٌ بَاطِلَةٌ فَلِهَذَا كَنَّى عَنْهُ وَقِيلَ لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ يُعْرَفُ بِهَا وَقِيلَ إِنَّ أَبَا لَهَبٍ لَقَبٌ وَلَيْسَ بِكُنْيَةٍ وَكُنْيَتُهُ أَبُو عُتْبَةَ وَقِيلَ جَاءَ ذِكْرُ أَبِي لَهَبٍ
ج ٣ ص ٨٤لمجانسة الكلام والله أعلم