باب ما جاء في القرآن
١٩٥ فقرة، ج ٢ ص ٤٧٩
الصفحة ٣ من ٥
- ج ٢ ص ٤٨٨
قَالَ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِئْسَ مَا لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَقُولَ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ بَلْ هُوَ نُسِّيَ
-
وَقَدْ ذَكَرْتُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ وَغَيْرَهَا فِي التمهيد بأسانيدها
-
وفي حديث بن مَسْعُودٍ هَذَا كَرَاهَةُ قَوْلِ الرَّجُلِ نَسِيتُ وَإِبَاحَةُ قَوْلِهِ أُنْسِيتُ
-
قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (وَمَا أنسنيه إلا الشيطن) الْكَهْفِ ٦٣
-
وَأَمَّا حَدِيثُ الْمُوَطَّأِ إِنِّي لَأَنْسَى أَوْ أُنَسَّى فَإِنَّمَا هُوَ شَكٌّ مِنَ الْمُحَدِّثِ فِي أَيِّ اللَّفْظَتَيْنِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِ الْمُوَطَّأِ مَقْطُوعًا وَلَا غَيْرَ مَقْطُوعٍ
-
وقد كان بن عُيَيْنَةَ يَذْهَبُ فِي أَنَّ النِّسْيَانَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ صَاحَبُهُ اللَّوْمُ وَيُضَافُ إِلَيْهِ فِيهِ الْإِثْمُ هُوَ التَّرْكُ لِلْعَمَلِ بِهِ
-
وَمَعْلُومٌ أَنَّ النِّسْيَانَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ التَّرْكُ
-
قَالَ اللَّهُ عَزَّ وجل (فلما نسوا ما ذكروا به) الْأَنْعَامِ ٤٤ أَيْ تَرَكُوا
-
وَقَالَ (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) التَّوْبَةِ ٦٧ أَيْ تَرَكُوا طَاعَةَ اللَّهِ فَتَرَكَ رَحْمَتَهُمْ
-
وَنَحْوَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ شَاكِرٍ قَالَا
ج ٢ ص ٤٨٩حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ حَدَّثَنَا سعد بن معاذ قال حدثنا بن أَبِي مَرْيَمَ قَالَ حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يَقُولُ فِي مَعْنَى مَا جَاءَ مِنَ الْأَحَادِيثِ فِي نِسْيَانِ الْقُرْآنِ قَالَ هُوَ تَرْكُ الْعَمَلِ بِمَا فِيهِ قال الله تعالى (اليوم ننسكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا) الْجَاثِيَةِ ٣٤
-
وَلَيْسَ مَنِ اشْتَهَى حِفْظَهُ وَتَفَلَّتَ مِنْهُ بِنَاسٍ لَهُ إِذَا كَانَ يُحَلِّلُ حَلَالَهُ وَيُحَرِّمُ حَرَامَهُ
-
قَالَ وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ مَا نَسِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا مِنْهُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى إلا ما شاء الله) الْأَعْلَى ٦ ٧
-
وَقَدْ نَسِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ أَشْيَاءَ وَقَالَ ذَكَّرَنِي هَذَا آيَةً أُنْسِيتُهَا
-
قَالَ سُفْيَانُ وَلَوْ كَانَ كَمَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ الْجُهَّالُ مَا أَنْسَى اللَّهُ نَبِيَّهُ مِنْهُ شَيْئًا
-
٤٤٥ - وَأَمَّا حَدِيثُهُ بَعْدَ هَذَا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الحارث بن هشام سأل رسول الله كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْيَانًا يَأْتِينِي فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ فَيَفْصِمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِي الْمَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ قَالَتْ عَائِشَةُ وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عرقا
ج ٢ ص ٤٩٠فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يُبَيِّنُ بِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم كان يَسْأَلُهُ أَصْحَابُهُ عَنْ مَعَانِي دِينِهِمْ وَغَيْرِ دِينِهِمْ وأنه صلى الله عليه وسلم كَانَ يُجِيبُهُمْ يَصْبِرُ لَهُمْ وَيُعَلِّمُهُمْ وَكَانَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ تَسْأَلُ وَطَائِفَةٌ تَحْفَظُ وَكُلُّهُمْ أَدَّى وَبَلَّغَ مَا عَلِمَ وَلَمْ يَكْتُمْ حَتَّى أَكْمَلَ اللَّهُ دِينَهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
-
وَكِتَابُ اللَّهِ أَصَحُّ شَاهِدٍ في ذلك يقول الله عز وجل (يسئلونك عن الخمر والميسر) البقرة ٢١٩ و (ويسئلونك عن اليتمى) البقرة ٢٢٠ و (يسئلونك ماذا ينفقون) الْبَقَرَةِ ٢١٥ وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ
-
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ نَوْعَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ مِنْ أَنْوَاعِ نُزُولِ الْوَحْيِ
-
وَقَدْ وَرَدَ فِي غَيْرِ مَا حَدِيثٍ مِنْ نُزُولِ الْوَحْيِ أَنْوَاعٌ حَتَّى الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جَعَلَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ وَلَكِنَّهُ أَرَادَ بِهَذَا الْحَدِيثِ نُزُولَ مَا يُتْلَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ
-
وَقَدْ رَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جبير عن بن عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ الْوَحْيُ إِذَا نَزَلَ سَمِعَتِ الْمَلَائِكَةُ صَوْتًا كَإِمْرَارِ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفَا
-
وَفِي حَدِيثِ يَوْمِ حُنَيْنٍ أَنَّهُمْ سَمِعُوا صَلْصَلَةً بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ كَإِمْرَارِ الْحَدِيدِ عَلَى الطَّسْتِ
-
وَقَالَتْ عَائِشَةُ كَانَ أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ كَانَ يَرَى الرُّؤْيَا فَتَأْتِي كَأَنَّهَا فلق الصبح
ج ٢ ص ٤٩١وقد كان صلى الله عليه وسلم يُبْدَى لَهُ جِبْرِيلُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
-
وَأَحْيَانًا يَأْتِيهِ جِبْرِيلُ فِي هَيْئَةِ إِنْسَانٍ فَيُكَلِّمُهُ مُشَافَهَةً كَمَا يُكَلِّمُ الْمَرْءُ أَخَاهُ
ج ٢ ص ٤٩٢وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَحَدِيثِهِ حِينَ جَاءَهُ جِبْرِيلُ فِي صِفَةِ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ
-
وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَيَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ يَحْمَرُّ وَجْهُهُ وَيَغِطُّ غَطِيطَ الْبَكْرِ وَيَنْفُخُ
-
إِلَى ضُرُوبٍ كَثِيرَةٍ لَسْتُ أُحْصِيهَا وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي ذَلِكَ آثارا كثيرة متفرقة في التمهيد
-
وروى بن وهب عن يونس بن يزيد عن بن شِهَابٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أو من ورائ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يشاء إنه على حكيم) الشورة ٥١
-
قَالَ تَرَى هَذِهِ الْآيَةَ تَعُمُّ مَنْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ مِنَ الْبَشَرِ كُلِّهِمْ
-
وَالْكَلَامُ كَلَامُ اللَّهِ الَّذِي كَلَّمَ بِهِ مُوسَى (عَلَيْهِ السَّلَامُ) مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ
-
وَالْوَحْيُ مَا يُوحِي اللَّهُ إِلَى النَّبِيِّ مِنْ أَنْبِيَائِهِ فَيُثَبِّتُ اللَّهُ مَا أَرَادَ مِنَ الْوَحْيِ فِي قَلْبِ النَّبِيِّ فَيَتَكَلَّمُ بِهِ النَّبِيُّ فَيَكْتُبُهُ فَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ وَوَحْيُهُ
-
وَمِنْهُ مَا يَكُونُ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ لَا يُكَلِّمُ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ وَلَكِنَّهُ يَكُونُ سِرَّ غَيْبٍ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ رُسُلِهِ
-
وَمِنْهُ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ وَلَا يَكْتُمُونَهُ أَحَدًا وَلَا يُؤْمَرُونَ بِكِتْمَانِهِ وَلَكِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ بِهِ النَّاسَ حَدِيثًا وَيُبَيِّنُونَ لَهُمْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يُبَيِّنُوهُ لِلنَّاسِ وَيُبَلِّغُوهُمْ إِيَّاهُ
-
وَمِنَ الْوَحْيِ مَا يُرْسِلُ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ مَلَائِكَتِهِ فَيُوحِيهِ وَحْيًا فِي قُلُوبِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ
-
وَقَدْ بَيَّنَ فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ كَانَ يُرْسِلُ جِبْرِيلَ إِلَى مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) فَقَالَ فِي كِتَابِهِ (قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ على قلبك) البقرة
ج ٢ ص ٤٩٣وقال عز وجل (وإنه لتنزيل رب العلمين نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ من المنذرين بلسان عربي مبين) الشُّعَرَاءِ ١٩٢ ١٩٥
-
وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا) قَالَ أَنْ يَنْفُثَ فِي نَفْسِهِ (أو من ورائ حِجَابٍ) قَالَ مُوسَى حِينَ كَلَّمَهُ اللَّهُ (أَوْ يُرْسِلُ رَسُولًا) قَالَ جِبْرِيلُ إِلَى مُحَمَّدٍ وَأَشْبَاهِهِ من الرسل (صلوات الله عليهم أجمعين) الشُّورَى ٥١
-
أَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ صَلْصَلَةُ الْجَرَسِ فَإِنَّهُ أَرَادَ فِي مِثْلِ صَوْتِ الْجَرَسِ
-
وَالصَّلْصَلَةُ الصَّوْتُ يُقَالُ صَلْصَلَةُ الطَّسْتِ وَصَلْصَلَةُ الْجَرَسِ وَصَلْصَلَةُ الْفَخَّارِ
-
وَأَمَّا قَوْلُهُ فَيَفْصِمُ عَنِّي فَمَعْنَاهُ يَنْفَرِجُ عَنِّي وَيَذْهَبُ عَنِّي
-
وَيُقَالُ فَصَمَ بِمَعْنَى ذَهَبَ
-
وَقِيلَ فُصِمَ كَمَا يُفْصَمُ الْخَلْخَالُ إِذَا فتحته يتخرجه مِنَ الرِّجْلِ
-
وَكُلُّ عُقْدَةٍ حَلَلْتَهَا فَقَدْ فَصَمْتَهَا
-
قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوثقى لا انفصام لها) الْبَقَرَةِ ٢٥٦ وَانْفِصَامُ الْعُرْوَةِ أَنْ تَنْفَكَّ عَنْ مَوْضِعِهَا