- باب ما جاء في التسمية على الذبيحة
٣٨ فقرة، ج ٥ ص ٢٤٨
- ج ٥ ص ٢٤٨
١٠٠٧ - مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ يَأْتُونَنَا بِلُحْمَانٍ وَلَا نَدْرِي هَلْ سَمَّوُا اللَّهَ عَلَيْهَا أَمْ لَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((سَمُّوا اللَّهَ عَلَيْهَا ثم كلوها) )
-
قال مالك وذلك فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ
-
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَمْ يُخْتَلَفْ عَنْ مَالِكٍ فِي إِرْسَالِ هَذَا الْحَدِيثِ وَقَدْ أَسْنَدَهُ جَمَاعَةٌ ثِقَاتٌ رَوَوْهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ وَخَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مُسْنَدًا
-
وَقَدْ ذَكَرْنَا الطُّرُقَ عَنْهُمْ بِذَلِكَ فِي ((التَّمْهِيدِ) )
-
وَرَوَاهُ مُرْسَلًا كَمَا رَوَاهُ مالك بن عُيَيْنَةَ وَيَحْيَى الْقِطَّانُ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ لَمْ يَتَجَاوَزُوهُ
-
وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ التَّسْمِيَةَ عَلَى الذَّبِيحَةِ مِنْ سُنَنِ الْإِسْلَامِ
-
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَمْ يَكُنْ إِلَّا بَعَدَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى (وَلَا
ج ٥ ص ٢٤٩تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) الْأَنْعَامِ ١٢١ لِقَوْلِهِ فِيهِ لَا نَدْرِي هَلْ سَمَّوُا اللَّهَ عَلَيْهِ أَمْ لَا
-
وَهَذَا الْحَدِيثُ كَانَ بِالْمَدِينَةِ وَأَهْلُ بَادِيَتِهَا كَانُوا الَّذِينَ يَأْتُونَ إِلَيْهِمْ بِاللُّحْمَانِ
-
وَالْأَمْرُ بِالتَّسْمِيَةِ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ
-
وَقَدْ بَيَّنَّا فِي ((التَّمْهِيدِ) ) مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) الْأَنْعَامِ ١٢١ وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ وَمَا الْأَصْلُ فِيهِ
-
وَأَمَّا قَوْلُهُ سَمُّوا اللَّهَ عَلَيْهَا ثُمَّ كُلُوهَا فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ عَلَى الْأَكْلِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْبَرَكَةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شُرُوطِ الذَّكَاةِ لِأَنَّ الْمَيْتَةَ وَالْأَطْعِمَةَ لَا تَحْتَاجُ إِلَى التَّذْكِيَةِ وَإِنَّمَا قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ لِيُعْلِمَهُمْ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُظَنُّ بِهِ تَرْكُ التَّسْمِيَةِ عَلَى ذَبِيحَتِهِ وَلَا يُظَنُّ بِهِ إِلَّا الْخَيْرُ وَأَمْرُهُ مَحْمُولٌ عَلَى ذَلِكَ مَا خَفِيَ أَمْرُهُ حَتَّى يَسْتَبِينَ فِيهِ غَيْرُهُ
-
وَفِيمَا وَصَفْنَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ عَلَى الذَّبِيحَةِ سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ لَا فَرِيضَةٌ وَلَوْ كَانَتْ فَرْضًا مَا سَقَطَتْ بِالنِّسْيَانِ لِأَنَّ النِّسْيَانَ لَا يُسْقِطُ مَا وَجَبَ عَمَلُهُ مِنَ الْفَرَائِضِ إِلَّا أَنَّهَا عِنْدِي مِنْ مُؤَكَّدَاتِ السُّنَنِ وَهِيَ آكَدُ مِنَ التَّسْمِيَةِ عَلَى الْوُضُوءِ وَعَلَى الْأَكْلِ
-
وَقَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ فَقَالَ سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ
-
١٠٠٨ - مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيَّ أَمَرَ غُلَامًا لَهُ أَنْ يَذْبَحَ ذَبِيحَةً فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَذْبَحَهَا قَالَ لَهُ سَمِّ اللَّهَ فَقَالَ لَهُ الْغُلَامُ قَدْ سَمَّيْتُ فَقَالَ لَهُ سَمِّ اللَّهَ وَيْحَكَ قَالَ لَهُ قَدْ سَمَّيْتُ اللَّهَ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُهَا أَبَدًا
-
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا حَدِيثٌ وَاضِحٌ فِي أَنَّ مَنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَلَى الذَّبِيحَةِ عَمْدًا لَمْ تُؤْكَلْ ذَبِيحَتُهُ تِلْكَ
-
أَلَا تَرَى أَنَّ فِي خَبَرِهِ هَذَا أَرَادَ أَنْ يَذْبَحَهَا فَقَالَ لَهُ سَمِّ اللَّهَ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَذْبَحَهَا وَرَاجَعَهُ بِمَا لَمْ يُصَدِّقُهُ لِأَنَّهُ كَانَ بِمَوْضِعٍ لَا يَخْفَى عَنْهُ ذَلِكَ لقربه
ج ٥ ص ٢٥٠وَعِلْمَ مُعَانَدَتَهُ لِأَنَّهُ كَانَ يُجِيبُهُ بِقَوْلِهِ قَدْ سَمَّيْتُ وَلَا يُسَمِّي وَلَوْ قَالَ فِي مَوْضِعِ قَوْلِهِ قَدْ سَمَّيْتُ بِاسْمِ اللَّهِ اكْتَفَى بِذَلِكَ مِنْهُ فَاعْتَقَدَ أَنَّهُ عَمْدًا تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَلَيْهَا فلم يستحل أكلها
-
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيمَنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَلَى الصَّيْدِ أَوِ الذَّبِيحَةِ عَامِدًا
-
وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِيمَنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَلَى الذَّبِيحَةِ أَوْ عَلَى الْإِرْسَالِ عَلَى الصَّيْدِ عامدا أو ناسيا
-
فقال مالك والثوري وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ إِنَّ تَرَكَهَا عَمْدًا لَمْ تُؤْكَلِ الذَّبِيحَةُ وَلَا الصَّيْدُ وَإِنْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ فِي ذَلِكَ أُكِلَتْ
-
وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ
-
وَقَالَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ مَنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ مَعَ عِلْمِهِ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ فِيهَا فَقَدِ اسْتَبَاحَ بِغَيْرِ مَا أَذِنَ اللَّهُ لَهُ فِيهِ فَصَارَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ فَلَمْ تُؤْكَلْ ذَبِيحَتُهُ
-
وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ هَذَا إِنَّمَا قِيلَ فِي ذَبِيحَةِ مِنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - مِمَّنْ لا يؤمن بالله
-
وللكلام في ذلك موضع غَيْرُ هَذَا
-
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ تُؤْكَلُ الذَّبِيحَةُ وَالصَّيْدُ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا تَعَمَّدَ فِي ذَلِكَ أو نسيه
-
وهو قول بن عباس وأبي هريرة وعطاء وسعيد بن المسيب والحسن وجابر بن زيد وعكرمة وَعَطَاءٍ وَأَبِي رَافِعٍ وَطَاوُسٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى وَقَتَادَةَ
-
وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَوَى عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ مِمَّنْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ عَلَى الصَّيْدِ أَوِ الذَّبِيحَةِ إِلَّا بن عمر والشعبي وبن سِيرِينَ
-
وَقَدْ أَجْمَعُوا فِي ذَبِيحَةِ الْكِتَابِيِّ أَنَّهَا تُؤْكَلُ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ اللَّهَ عَلَيْهَا إِذَا لَمْ يُسَمِّ عَلَيْهَا غَيْرَ اللَّهِ
-
وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْمَجُوسِيَّ وَالْوَثَنِيَّ لَوْ سَمَّى اللَّهَ لَمْ تُؤْكَلْ ذَبِيحَتُهُ
-
وَفِي ذَلِكَ بَيَانٌ أَنَّ ذَبِيحَةَ الْمُسْلِمِ حَلَالٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِأَنَّهُ ذَبَحَ بِدِينِهِ
-
وروي عن بن عباس وأبى وائل - شقيق بن سلمة - وبن أَبِي لَيْلَى أَنَّهُمْ قَالُوا فِي ذَلِكَ إِذَا ذَبَحْتَ بِدِينِكَ فَلَا يَضُرُّكَ
ج ٥ ص ٢٥١وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ بِأَنْ قَالَ لَمَّا كَانَ الْمَجُوسِيُّ لَوْ سَمَّى اللَّهَ تَعَالَى لَمْ تَنْفَعْ تَسْمِيَتُهُ شَيْئًا لَأَنَّ الْمُرَاعَاةَ لِدِينِهِ كَانَ الْمُسْلِمَ إِذَا تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَامِدًا لَا يضره لأن المراعاة لدينه
-
وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ إِنَّمَا ذَبَحْتَ بِدِينِكَ
-
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكِ
-
وَعَلَى هَذَيْنَ الْقَوْلَيْنِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ
-
قَالَ بن جُرَيْجٍ قُلْتُ لِعَطَاءٍ لَوْ أَنَّ ذَابِحًا ذَبَحَ ذَبِيحَتَهُ لَمْ يَذْكُرْ عَلَيْهَا اسْمَ اللَّهِ أَيَأْكُلُهَا قال نعم سبحان الله أو كل مَنْ ذَبَحَ يَذْكُرُ اسْمَ اللَّهِ
-
قَالَ عَطَاءٌ كُلُّ مُسْلِمٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ امْرَأَةٍ أَوْ صَبِيَّةٍ ذَبَحَ فَكُلْ مِنْ ذَبِيحَتِهِ وَلَا تَأْكُلْ مِنْ ذَبِيحَةِ مَجُوسِيٍّ
-
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ مَنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا لَمْ تُؤْكَلْ ذَبِيحَتُهُ وَلَا صَيْدُهُ
-
وَهَذَا قَوْلٌ لَا نَعْلَمُهُ رَوِيَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ مِمَّنْ يُخْتَلَفُ عَنْهُ فِيهِ إِلَّا مُحَمَّدَ بن سيرين ونافعا مولى بن عُمَرَ
-
وَهَذَانَ يَلْزَمُهُمَا أَنْ يَتَّبِعَا سَبِيلَ الْحُجَّةِ الْمُجْتَمَعَةِ عَلَى خِلَافِ قَوْلِهِمَا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ