باب التشديد في أن يمر أحد بين يدي المصلي
٩٩ فقرة، ج ٢ ص ٢٧٣
الصفحة ١ من ٣
- ج ٢ ص ٢٧٣
٣٣١ - ذَكَرَ فِيهِ مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَدَعُ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِيَدْرَأْهُ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ
-
قَدْ ذَكَرْنَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي سَعِيدٍ فِي التَّمْهِيدِ وَذَكَرْنَا أَبَاهُ فِي الصحابة
-
وعن بن وَهْبٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِسْنَادٌ آخَرُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
-
وَهُوَ مَحْفُوظٌ أَيْضًا لِعَطَاءٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِي هَذَا طُرُقٌ قَدْ ذَكَرْتُهَا وَبَعْضُهَا فِي التَّمْهِيدِ
-
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ كَرَاهِيَةُ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي إِذَا كَانَ وَحْدَهُ وَصَلَّى إِلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْإِمَامِ إِذَا صَلَّى إِلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ
-
وَأَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَدْخُلَ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي وَبَيْنَ سُتْرَتِهِ وَمِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَدْنُوَ الْمُصَلِّي من سترته
ج ٢ ص ٢٧٤هَذَا كُلُّهُ فِي الْإِمَامِ وَفِي الْمُنْفَرِدِ فَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَلَا يَضُرُّهُ مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ كَمَا أَنَّ الْإِمَامَ وَالْمُنْفَرِدَ لَا يَضُرُّ وَاحِدًا مِنْهُمَا مَنْ مَرَّ مِنْ وَرَاءِ سُتْرَتِهِ لِأَنَّ سُتْرَةَ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ وَقَدْ قِيلَ الْإِمَامُ نَفْسُهُ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ
-
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ مَا قُلْنَاهُ كَمَا وَصَفْنَا فِي الْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ دُونَ الْمَأْمُومِينَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي وَمَعْنَاهُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ إِذَا كَانَ أَحَدُهُمْ يُصَلِّي وَحْدَهُ لِحَدِيثِ بن عَبَّاسٍ فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضَ الصَّفِّ فَنَزَلْتُ وَأَرْسَلْتُ الْأَتَانَ تَرْتَعُ فَدَخَلَتِ الصَّفَّ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ
-
وَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ أَوِ الْمُنْفَرِدُ مُصَلِّيًا إِلَى سُتْرَةٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ مَنْ يَمُرُّ مِنْ وَرَاءِ سُتْرَتِهِ
-
هَذَا كُلُّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى مَا رَسَمْتُهُ
-
وَمِمَّا يُوَضِّحُ لَكَ أَنَّ الْإِمَامَ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ حَدِيثُ هِشَامِ بْنِ الْغَازِي عن نافع عن بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ أَوِ الْعَصْرَ فَجَاءَتْ بَهْمَةٌ تَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يُدَارِيهَا حَتَّى رَأَيْتُهُ أَلْصَقَ مَنْكِبَهُ بِالْجِدَارِ فَمَرَّتْ خَلْفَهُ
-
وَقَدْ ذَكَرْنَا إِسْنَادَهُ فِي التَّمْهِيدِ وَذَكَرْنَاهُ مِنْ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ
-
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ
-
وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ (مِنْهُ إِلَّا) الْقَلِيلُ الَّذِي لَا يُخْرِجُ الْمُصَلِّيَ عَنْ عَمَلِ صَلَاتِهِ إِلَى غَيْرِهَا وَلَا يَشْتَغِلُ بِهِ عَنْهَا نَحْوَ حَكِّ الْجَسَدِ حَكًّا غَيْرَ طَوِيلٍ (وَأَخْذِ الْبَرْغُوثِ) وَقَتْلِ الْعَقْرَبِ بِمَا خَفَّ مِنَ الضَّرْبِ
-
وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي مَوَاضِعَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ
-
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي (الْحَدِيثِ فَإِنْ أَبَى) فَلْيُقَاتِلْهُ فَالْمُقَاتَلَةُ هُنَا الْمُدَافِعَةُ وَأَحْسَبُهُ كَلَامًا خَرَجَ عَلَى التَّغْلِيطِ وَلِكُلِّ شَيْءٍ حَدٌّ
-
وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يُقَاتِلُهُ بِسَيْفٍ وَلَا يَبْلُغُ بِهِ مَبْلَغًا يُفْسِدُ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ صَلَاتَهُ
-
وَفِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى هَذَا مَا يُبَيِّنُ لَكَ الْمُرَادَ بِمَعْنَى (الْحَدِيثِ
-
فَإِنْ دَافَعَهُ مُدَافَعَةً لَا يَقْصِدُ بِهَا إِلَّا قَتْلَهُ فَكَانَ فِيهَا تَلَفُ نَفْسِهِ كَانَ عَلَيْهِ ديته كاملة
ج ٢ ص ٢٧٥فِي مَالِهِ وَقَدْ (قِيلَ عَلَى) عَاقِلَتِهِ وَقِيلَ هِيَ هَدْرٌ عَلَى حَسَبِ ثَنِيَّةِ الْعَاضِّ
-
وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِيهِ الْقَوْدَ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
-
وَقَدْ أَجْمَعُوا أَيْضًا أَنَّهُ إِذَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَمْ يُدْرِكْهُ مِنْ مَقَامِهِ الَّذِي يَقُومُ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَمْشِي إِلَيْهِ كَيْ لَا يَصِيرَ الْمُصَلِّي مِثْلَهُ
-
وَهَذَا كُلُّهُ يُبَيِّنُ لَكَ مَا ادَّعَيْنَاهُ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ وَأَنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرِهِ
-
(وَقَالَ بن الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ إِذَا جَازَ) الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي فَلَا يَرُدُّهُ
-
قَالَ وَكَذَلِكَ لَا يَرُدُّهُ وَهُوَ سَاجِدٌ
-
وَقَالَ أَشْهَبُ إِذَا (مَرَّ مِنْ قُدَّامِهِ فَلْيَرُدَّهُ بِإِشَارَةٍ وَلَا يَمْشِ إِلَيْهِ) لِأَنَّ مَشْيَهُ إِلَيْهِ أَشُدُّ مِنْ مُرُورِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ
-
قَالَ فَإِنْ مَشَى إِلَيْهِ وَرَدَّهُ لَمْ تفسد بِذَلِكَ صَلَاتُهُ وَإِنَّمَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَدْرَأَهُ دَرَأً لَا يَشْتَغِلُ بِهِ عَنْ صَلَاتِهِ فَإِنْ غَلَبَهُ فَلْيَدَعْهُ يَبُوءُ بِإِثْمِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي مُرُورِهِ أَنَّهُ لَا يَقْطَعُ الْمَارُّ صَلَاةَ الْمُصَلِّي والكراهة للمار صلاة أكثر منها للمصلي
-
ذكر بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ الْأَسْوَدِ قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ
-
مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ لَا يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَفْعَلْ فَإِنَّ الْمَارَّ أَبْغَضُ مِنَ الْمُمَرِّ عَلَيْهِ
-
وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَقْطَعُ الصلاة شيء
-
رواه أبو الْخُدْرِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
-
وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ
-
وَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي خالد الأحمر وبن فُضَيْلٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ إِنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْكَ فَلَا تَرُدَّهُ
-
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ كَانَ أَبُو سعيد الخدري يشدد في هذا وهو رواية الْحَدِيثِ طَلَبًا لِاسْتِعْمَالِ ظَاهِرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
-
ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أبو معاوية عن عاصم عن بن سِيرِينَ قَالَ كَانَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ قَائِمًا يُصَلِّي فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ يَمُرُّ بَيْنَ
ج ٢ ص ٢٧٦يَدَيْهِ فَمَنَعَهُ فَأَبَى أَنْ لَا يَمْضِيَ فَدَفَعَهُ أَبُو سَعِيدٍ فَطَرْحَهُ فَقِيلَ لَهُ تَصْنَعُ هَذَا بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ وَاللَّهِ لَوْ أَبَى إِلَّا أَنْ آخُذَ بِشَعْرِهِ لَأَخَذْتُ
-
قَالَ وَحَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الْحَمِيدِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَامَلَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمَرَّ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي فَجَبَذَهُ حَتَّى كَادَ يَخْرِقَ ثِيَابَهُ
-
وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَارُّ عَاتِيًا جَبَّارًا لَا يُرِيدُ الرُّجُوعَ
-
وَقَوْلُهُ كَادَ يَخْرِقَ ثِيَابَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَخْرِقْ وَلِكُلِّ شَيْءٍ وَجْهٌ
-
وَالَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مَا وَصَفْتُ لَكَ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
-
وَقَدْ رَوَيْنَا عَنِ الثَّوْرِيِّ قَالَ إِنَّهُ لَيَمُرُّ بَيْنَ يَدِي الرَّجُلُ الضَّعِيفُ فَلَا أَكَابِرُهُ وَيَمُرُّ بَيْنَ يدي المتجبر فلا أدعه
-
ذكر بن أَبِي حَاتِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ قَالَ سَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ يَقُولُ إِنَّهُ لَيَمُرُّ بَيْنَ يَدِي الْمِسْكِينُ وَأَنَا أُصَلِّي فَأَدَعُهُ فَإِذَا مَرَّ أَحَدٌ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ يَتَمَشَّى بَطَرًا لَمْ أَدَعْهُ
-
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عِنْدَهُ دَفْعُ الْمَارِّ وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ أَبَاحَتْهُ السُّنَّةُ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَفْعَلَهُ وَالْكَرَاهَةُ كُلُّهَا إِنَّمَا هِيَ لِلْمَارِّ دُونَ الْمُصَلِّي