حرف الهمزة
٣٬٦٩٨ فقرة، ج ١ ص ٣٥
الصفحة ١ من ٩٣
- ج ١ ص ٣٥
أي هذا باب الأحاديث المبدوءة بحرف الهمزة وابتدأه بحرف الهمزة مع الألف وجعل مطلعه حديث إتيان باب الجنة إشارة إلى أن الغاية المطلوبة من تأليفه هذا الكتاب التقرب إلى الله الموصل إلى الفوز بإتيان باب الجنة تفاؤلا بكون أول ما يقرع الأسماع منه ذكر الجنة وإتيانها ولأن جميع ما يأتي بعده في أحكام العبادة ومتعلقاتها ودخول الجنة أفضل من جميع العبادات كما أفتى به السبكي أي أشرف وأرفع. ووجهه الولي العراقي بأن ثواب الله تعالى أشرف من أفعالنا فقال:
ج ١ ص ٣٥٢ - (آتي) بالمد (باب الجنة) أي أجيء بعد الانصراف من الحشر للحساب إلى أعظم المنافذ التي يتوصل منها إلى دار الثواب وهو باب الرحمة أو هو باب التوبة كما في النوادر: فإن قلت هل لتعبيره بالإتيان دون المجيء من ⦗٣٦⦘ نكتة؟ قلت: نعم وهي الإشارة إلى أن مجيئه يكون بصفة من ألبس خلع الرضوان فجاء على تمهل وأمان من غير نصب في الإتيان إذ الإتيان كما قال الراغب مجيء بسهولة. قال: والمجيء أعم ففي إيثاره عليه مزية زهية. وفي الكشاف وغيره: إن أهل الجنة لا يذهب بهم إليها إلا راكبين فإذا كان هذا في آحاد المؤمنين فما بالك بإمام المرسلين؟ قال الراغب: والباب يقال لمدخل الشيء وأصله مداخل الأمكنة كباب الدار والمدينة ومنه يقال في العلم باب كذا وهذا العلم باب إلى كذا أي منه يتوصل إليه ومنه خبر: " أنا مدينة العلم وعلي بابها " أي به يتوصل وقد يقال أبواب الجنة وأبواب جهنم للأسباب الموصلة إليها انتهى. والجنة في الأصل المرة من الجن مصدر جنه ستره ومدار التركيب على ذلك سمي به الشجر المظلل لالتفاف أغصانه وسترها ما تحته ثم البستان لما فيه من الأشجار المتكاثفة المظللة ثم دار الثواب لما فيها من الجنان مع أن فيها ما لا يوصف من القصور لأنها مناط نعيمها ومعظم ملاذها. وقال الزمخشري: الجنة اسم لدار الثواب كلها وهي مشتملة على جنات كثيرة مرتبة مراتب على حسب استحقاق العاملين لكل طبقة منهم جنة منها قال ابن القيم: ولها سبعة عشر اسما وكثرة الأسماء آية شرف المسمى أولها هذا اللفظ العام المتناول لتلك الدار وما اشتملت عليه من أنواع النعيم والبهجة والسرور وقرة العين ثم دار السلام: أي السلامة من كل بلية ودار الله ودار الخلد ودار الإقامة وجنة المأوى وجنة عدن والفردوس وهو يطلق تارة على جميع الجنان وأخرى على أعلاها وجنة النعيم والمقام الأمين ومقعد صدق وقدم صدق وغير ذلك مما ورد به القرآن (يوم القيامة) فعالة تقحم فيها التاء للمبالغة والغلبة وهي قيام مستعظم والقيام هو الاستقلال بأعباء ثقيلة ذكره الحراني (فأستفتح) السين للطلب وآثر التعبير بها إيماء إلى القطع بوقوع مدخولها وتحققه أي أطلب انفراجه وإزالة غلقه يعني بالقرع لا بالصوت كما يرشد إليه خبر أحمد: " آخذ بحلقة الباب فأقرع " وخبر البخاري عن أنس: " أنا أول من يقرع باب الجنة " والفاء سببية أي يتسبب عن الإتيان الاستفتاح ويحتمل جعلها للتعقيب بل هو القريب. فإن قلت ما وجهه؟ قلت: الإشارة إلى أنه قد أذن له من ربه بغير واسطة أحد لا خازن ولا غيره وذلك أن من ورد باب كبير فالعادة أن يقف حتى ينتهي خبره إليه ويستأمر فإن أذن في إدخاله فتح له. فالتعقيب إشارة إلى أنه قد صانه ربه عن ذل الوقوف وأذن له في الدخول قبل الوصول بحيث صار الخازن مأموره منتظرا لقدومه (فيقول الخازن) أي الحافظ وهو المؤتمن على الشيء الذي استحفظه والخزن حفظ الشيء في الخزانة ثم عبر به عن كل حفظ ذكره الراغب سمي الموكل بحفظ الجنة خازنا لأنها خزانة الله تعالى أعدها لعباده وأل فيه عهدية والمعهود رضوان وظاهره أن الخازن واحد وهو غير مراد بدليل خبر أبي هريرة: " من أنفق زوجين في سبيل الله دعاه خزنة الجنة كل خزنة باب هلم " فهو صريح في تعدد الخزنة إلا أن رضوان أعظمهم ومقدمهم وعظيم الرسل إنما يتلقاه عظيم الحفظة (من أنت) أجاب بالاستفهام وأكده بالخطاب تلذذا بمناجاته وإلا فأبواب الجنة شفافة وهو العلم الذي لا يشتبه والمتميز الذي لا يلتبس وقد رآه رضوان قبل ذلك وعرفه ومن ثم اكتفى بقوله
-
(فأقول محمد) وإن كان المسمى به كثيرا. فإن قلت ينافي كون أبواب الجنة شفافة خبر أبي يعلى عن أنس " أقرع باب الجنة فيفتح لي باب من ذهب وحلقه من فضة " قلت: ما في الجنة لا يشبه ما في الدنيا إلا في مجرد الاسم كما في خبر يأتي فلا مانع من كون ذهب الجنة شفافا فتدبر. ثم إنه لم يقل أنا لإيهامه مع ما فيه من الإشعار بتعظيم المرء نفسه وهو سيد المتواضعين وهذه الكلمة جارية على ألسنة الطغاة المتجبرين إذا ذكروا مفاخرهم وزهوا بأنفسهم قال في المطامح: وعادة العارفين المتقين أن يذكر أحدهم اسمه بدل قوله: " أنا " إلا في نحو إقرار بحق فالضمير أولى
وقال ابن الجوزي: أنا لا يخلو عن نوع تكبر كأنه يقول أنا لا أحتاج إلى ذكر اسمي ولا نسبي لسمو مقامي. وقال بعض المحققين: ذهب طائفة من العلماء وفرقة من الصوفية إلى كراهة إخبار الرجل عن نفسه بقوله أنا تمسكا بظاهر الحديث حتى قالوا كلمة أنا لم تزل مشئومة على أصحابها وأرادوا أن إبليس اللعين إنما لعن ⦗٣٧⦘ بقولها وليس كما أطلقوا بل المنهي عنه ما صحبه النظر إلى نفسه بالخيرية كما نقرر. ولا ننكر إصابة الصوفية في دقائق علومهم وإشاراتهم في التبرئ من الدعاوى الوجودية لكنا نقول إن الذي أشاروا إليه بهذا راجع إلى معان تتعلق بأحوالهم دون ما فيه التعلق بالقول كيف وقد ناقض قولهم نصوص كثيرة وهم أشد الناس فرارا عن مخالفتها كقوله تعالى حكاية عنه عليه الصلاة والسلام: " إنما أنا بشر مثلكم " " وأنا أول المسلمين " " وما أنا من المتكلفين " وخبر " أنا سيد ولد آدم " : قال بعض العارفين والحاصل أن ذلك يتفاوت بتفاوت المقامات والأحوال فالمتردد في الأحوال المتجول في الفناء والتكوين ينافي حاله أن يقول أنا ومن رقى إلى مقام البقاء بالله وتصاعد إلى درجات التمكين فلا يضره. انتهى. وأما من ليس من هذه الطائفة فقد قال النووي: لا بأس بقوله أنا الشيخ فلان أو القاضي فلان إذا لم يحصل التمييز إلا به وخلا عن الخيلاء والكبر والزهو والقول عبارة عن جملة ما يتكلم به المتكلم على وجه الحكاية. ذكره جمع. وقال القاضي: هو التلفظ بما يفيد ويقال للمعنى المتصور في النفس المعبر عنه باللفظ ويقال للمذهب والرأي مجازا وأصله قول الزمخشري من المجاز هذا قول فلان أي ورأيه ومذهبه
-
(فيقول بك) قيل الباء متعلقة بالفعل بعدها ثم هي سببية قدمت للتخصيص أي بسببك (أمرت) بالبناء للمفعول والفاعل هو الله (أن لا أفتح) كذا في نسخة المؤلف بخطه وهكذا ذكره في جامعه الكبير والذي وقفت عليه في نسخ مسلم الصحيحة المقروءة " لا أفتح " بإسقاط أن (لأحد) من الخلائق (قبلك) لا بسبب آخر وقبل الباء صلة للفعل: " وأن لا أفتح " بدل من الضمير المجرور أي أمرت بفتح الباب لك قبل غيرك من الأنبياء وفي رواية: " ولا أقوم لأحد بعدك " وذلك لآن قيامه إليه خاصة إظهارا لمرتبته ومزيته ولا يقوم في خدمة أحد غيره بل خزنة الجنة يقومون في خدمته وهو كالملك عليهم وقد أقامه الله في خدمته صلى الله عليه وسلم حتى مشى إليه وفتح له " وأحد " يستعمل في النفي فيكون لاستغراق جنس الناطقين وتناول القليل والكثير على طريق الاجتماع والافتراق. وعلم من السياق أن طلب الفتح إنما هو من الخازن وإلا لما كان هو المجيب. فإن قلت ورد عن الحسن وقتادة وغيرهما أن أبواب الجنة يرى ظاهرها من باطنها وعكسه وتتكلم وتعقل ما يقال لها انفتحي انغلقي كما نقله ابن القيم وغيره فلم طلب الفتح من الخازن ولم يطلبه منها بلا واسطة؟ قلت: الظاهر أنها مأمورة بعدم الاستقلال بالفتح والغلق وأنها لا تستطيع ذلك إلا بأمر عريفها المالك لأمرها بإذن ربها وإنما يطالب بما يراد من القوم عرفاؤهم. فإن قلت: ما فائدة جعل الخازن للجنات مع أن الخزن إنما يكون في المتعارف حفظا لما يخاف ضياعه أو تلفه أو تطرق النقص إليه فيفوت كله أو بعضه على صاحبه والجنة لا يمكن فيها ذلك؟ قلت: إن خزن ملائكة الجنة نعيمها إنما يكون لأهلها فكل منهم يجعل إليه مراعاة قسط معلوم من تلك النعم لمن أعد له حتى إذا وافى الجنة كان الخازن هو الممكن له منه فخزنه إياه قبل التسليم هو مقامه على ملاحظة ما جعل سبيله وانتظار من أهل له وإيصاله إليه فهذا هو المراد لا حفظها من أحد يخاف منه عليها ذكره الحليمي
-
فإن قلت: ما ذكر من أن رضوان هو متولي الفتح يعارضه خبر أبي نعيم والديلمي: " أنا أول من يأخذ بحلقة باب الجنة فيفتحها الله عز وجل لي " قلت: لا معارضة فإن الله تعالى هو الفاتح الحقيقي وتولي رضوان ذلك إنما هو بإقداره وتمكينه. ثم إن ظاهر الحديث استشكل بأن الزمخشري والقاضي ذكرا أن أبواب الجنة تفتح لأهلها قبل مجيئهم بدليل: {جنات عدن مفتحة لهم الأبواب} ووجهه الإمام الرازي بأنه يوجب السرور والفرح حيث نظروا الأبواب مفتحة من بعد وبأنه يوجب الخلاص من ذل الوقوف للاستفتاح. وأجيب أولا بخروج المصطفى ومن تبعه عن سياق الآية. واعترض بأنه خلاف الظاهر بلا ضرورة وثانيا بأن الجملة الحالية قيد لمجيء المجموع فيكون مقتضاها تحقق الفتح قبل مجيء الكل فلا ينافي تأخره عن مجيء إنسان واحد أو زمرة واحدة. ونوزع بأن فعل الجمع إذا قيد بزمن فالمفهوم المتبادر منه أنه زمن لصدور الفعل عنهم فإنا إذا قلنا زيد وعمرو وبكر ضربوا بعد الطلوع لم يفهم منه إلا صدور الضرب عنهم في ذلك الزمن حتى لو ضرب واحد منهم قبله رمى بالكذب وثالثا بأن المراد بالأبواب في الآية أبواب المنازل التي في الجنة لا أبواب الجنة المحيطة بالكل والمراد في الحديث باب نفس الجنة المحيطة ونوقش بأن الجنة والنار حيث وقعا في القرآن معا مفردين أو متقابلين فالمراد منهما أصلهما ورابعا بأنا لا نسلم دلالة الآية على تقدم الفتح إذ لو فتح عند إتيانهم صح. إذ ⦗٣٨⦘ الجنان مفتحة لهم أبوابها غايته أن المدح في الأول أبلغ وبأن اسم المفعول العامل إذ كان بمعنى الاستقبال فعدم الدلالة ظاهر إذ المعنى ستفتح لهم وكذا إن كان هو بمعنى الحال مريدا به حال الدخول وإن أريد به حال التكلم ففيه بعد. وخامسا قال بعض المحققين وهو أحسنها إن أبوابها تفتح أولا بعد الاستفتاح من جمع ويكون مقدما بالنسبة إلى البعض كما يقتضيه خبر: " إن الأغنياء يدخلون الجنة بعد الفقراء بخمس مئة عام " والظاهر أنها بعد الفتح للفقراء لا تغلق وسادسا بأن الجنة لكونها دار الله ومحل كرامته ومعدن خواصه إذا انتهوا إليها صادفوا أبوابها مغلقة فيرغبون إلى مالكها أن يفتحها لهم ويستشفعون إليه بأولي العزم فكلهم يحجم حتى تقع الدلالة على أفضلهم فيأتي إلى العرش ويخر ساجدا لربه فيدعه ما شاء الله أن يدعه ثم يأذن له في الرفع وأن يسأل حاجته فيشفع في فتحها فيشفعه تعظيما لخطرها وإظهارا لمنزلته عنده ودفعا لتوهم الغبي أنها كالجنان التي يدخلها من شاء ولا يعارضه: " مفتحة لهم الأبواب " لدلالة السياق على أن المعنى أنهم إذا دخلوها لم تغلق أبوابها عليهم بل تبقى مفتحة إشارة إلى تصرفهم وذهابهم وإيابهم ودخول الملائكة عليهم من كل باب بالتحف والألطاف من ربهم وإلى أنها دار أمن لا يحتاجون فيها إلى غلق الأبواب كما كانوا في الدنيا فلا تدافع بين الآية والخبر
-
ثم إن الأولية في الحديث لا تشكل بإدريس حيث أدخل الجنة بعد موته وهو فيها كما ورد لآن المراد الدخول التام يوم القيامة وإدريس يحضر الموقف للسؤال عن التبليغ ولا بأن السبعين ألفا الداخلين بغير حساب يدخلون قبله لأن دخولهم بشفاعته فينسب إليه واعترض بأن التعبير بسبعين ألفا فيه قصور لثبوت الزيادة هو القصور لأن العرب تريد به المبالغة في التكثير ومثله غير كثير ألا ترى إلى ما ذكره المفسرون: {في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا} ولا بخبر أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال: " بم سبقتني فما دخلت الجنة إلا سمعت خشخشتك أمامي " لأنها رؤية منام ولا يقدح فيه أن رؤيا الأنبياء حق إذ معناه أنها ليست من الشيطان وبلال مثل له ماشيا أمامه إشارة إلى أنه استوجب الدخول لسبقه للإسلام وتعذيبه في الله وأن ذلك صار أمرا محققا وقد أشار إلى ذلك السمهودي فقال في حديث بلال إنه يدخل الجنة قبل المصطفى وإنما رآه أمامه في منامه والمراد منه سريان الروح في حالة النوم في تلك الحالة تنبيها على فضيلة عمله وأما الجواب بأن دخوله كالحاجب به إظهارا لشرفه فلا يلائم السياق إذ لو كان كذلك لما قال له " بم سبقتني " وليت شعري ما يصنع من أجاب به بخبر أبي يعلى وغيره: " أول من يفتح له باب الجنة أنا إلا أن امرأة تبادرني فأقول مالك أو من أنت؟ فتقول أنا امرأة قعدت على يتامى " وخبر البيهقي " أول من يقرع باب الجنة عبد أدى حق الله وحق مواليه " وأقول هذه أجوبة كلها لا ظهور لها ولا حاجة إليها إذ ليس في هذا الخبر إلا أنه أول من يفتح له الباب وليس فيه أنه أول داخل بل يحتمل أنه يستفتح لهم ويقدم من شاء من أمته في الدخول كما هو المتعارف في الدنيا فإن أبيت إلا جوابا على فرض أنه أول داخل وهو ما ورد في أحاديث أخرى فدونك جوابا يثلج الفؤاد بعون الرؤوف الجواد وهو أنه قد ثبت في خبر مسدد أن دخول المصطفى يتعدد فالدخول الأول لا يتقدم ولا يشاركه فيه أحد ويتخلل بينه وبين ما بعده دخول غيره فقد روى الحافظ ابن منده بسنده عن أنس رفعه: " أنا أول الناس تنشق الأرض عن جمجمتي يوم القيامة ولا فخر وأعطى لواء الحمد ولا فخر وأنا سيد الناس يوم القيامة ولا فخر وأنا أول من يدخل الجنة ولا فخر أجيء باب الجنة فآخذ بحلقتها فيقولون من؟ فأقول أنا محمد فيفتحون لي فأجد الجبار مستقبلي فأسجد له فيقول ارفع رأسك وقل يسمع لك واشفع تشفع فأرفع رأسي فأقول: أمتي أمتي فيقول اذهب إلى أمتك فمن وجدت في قلبه مقال حبة من شعير من الإيمان فأدخله الجنة فأقبل فمن وجدت في قلبه ذلك فأدخله الجنة فإذا الجبار مستقبلي فأسجد له " الحديث وكرر فيه الدخول أربعا وفي البخاري نحوه وبه تندفع الاشكالات ويستغنى عن تلك التكلفات وفي أبي داود أن أبا بكر أول من يدخل من هذه الأمة ولعله أول داخل من الرجال بعده وإلا فقد جزم المؤلف وغيره بأن أول من يدخل بعد النبي صلى الله عليه وسلم بنته فاطمة لخبر أبي نعيم: " أنا أول من يدخل الجنة ولا فخر وأول من يدخل علي الجنة ابنتي فاطمة " وقد انبسط الكلام في هذا الخبر وما كان لنا باختيار لكن تضمن أسرارا جرنا حبها إلى إبداء بعضها وبعد ففي الزوايا خبايا
-
(حم م) في كتاب الإيمان (عن أنس) بن مالك
ج ١ ص ٣٩⦗٣٩⦘ ٣ - (آخر من يدخل الجنة) أي من الموحدين لأن الكفار مخلدون لا يخرجون من النار أبدا ولم يصب من قال من أمة محمد إذ الموحدون الذين يعذبون ثم يدخلونها لا ينحصرون في أمة محمد. وفي عدة أخبار إن هذه الأمة يخفف عن عصاتها ويخرجون قبل عصاة غيرها كخبر الدارقطني: " إن الجنة حرمت على الأنبياء كلهم حتى أدخلها وحرمت على الأمم حتى تدخلها أمتي " قال ابن القيم فهذه الأمة أسبق الأمم خروجا من الأرض وأسبقهم إلى أعلى مكان في الموقف وأسبقهم إلى ظل العرش وأسبقهم إلى فصل القضاء وأسبقهم إلى الجواز على الصراط وأسبقهم إلى دخول الجنة. ووقع في النوادر للحكيم من حديث أبي هريرة " إن أطول أهل النار فيها مكثا من يمكث سبعة آلاف سنة " قال ابن حجر وسنده واه (رجل) يختص بالذكر من الناس ويقال الرجلة للمرأة إذا كانت متشبهة به في بعض الأحوال ذكره الراغب (يقال له) أي يدعى (جهينة) بالتصغير: اسم قبيلة سمي به الرجل (فيقول أهل الجنة) أي يقول بعضهم لبعض والمراد بأهلها سكانها من البشر والملائكة والحور العين وغيرهم لكن في السياق إيماء إلى أن القائل من البشر (عند) بتثليث العين (جهينة) بجيم ثم هاء ووقع في التذكرة الحمدونية أنه روى أيضا حنيفة بالفاء ولم أقف على هذه الرواية (الخبر اليقين) أي الجازم الثابت المطابق للواقع من أنه هل بقي أحد في النار يعذب أو لا. وهذه الآخرية لا يعارضها حديث مسلم: " آخر من يدخل الجنة رجل يمشي على الصراط فهو يمشي مرة ويكبو مرة وتسفعه النار مرة فإذا جاوزها التفت إليها فقال تبارك الذي نجاني منك " الحديث لإمكان الجمع بأن جهينة آخر من يدخل الجنة ممن دخل النار وعذب فيها مدة ثم أخرج وهذا آخر من يدخل الجنة ممن ينصرف فيمر على الصراط في ذهابه إلى الجنة ولم يقض بدخوله النار أصلا ولا ينافيه قوله وتسفعه النار مرة لأن المراد أنه يصل إليه لهبها وهو خارج عن حدودها. ثم رأيت ابن أبي جمرة جمع بنحوه فقال: هذا آخر من يخرج منها بعد أن يدخلها حقيقة وذاك آخر من يدخل ممن يمر على الصراط فيكون التعبير بأنه خرج من النار بطريق المجاز لأنه أصابه من حرها وكربها ما يشاركه فيه بعض من دخلها. وما ذكر من أن اسمه جهينة هو ما وقع في هذا الخبر. قال القرطبي والسهيلي: وجاء أن اسمه هناد وجمع بأن أحد الاسمين لأحد المذكورين والآخر للآخر. ومن الأمثال عند العرب قبل الإسلام: عند جهينة الخبر اليقين. قال ابن حمدون: ولذلك خبر مشهور متداول وهو رجل كان اسمه جهينة عنده خبر من قتيل قد خفي أمره فذكروا ذلك فصار مثلا مستعملا بينهم قال الراغب وآخر: يقابل الأول وآخر يقابل به الواحد والتأخير يقابل التقديم والدخول ضد الخروج ويستعمل في الزمان والمكان والأعمال والاستخبار والسؤال عن الخبر <تنبيه> ما ذكرته آنفا من أن عذاب الكفار في جهنم دائم أبدا هو ما دلت عليه الآيات والأحاديث وأطبق عليه جمهور الأئمة سلفا وخلفا. ووراء ذلك أقوال يجب تأويلها. فمنها ما ذهب إليه الشيخ محي الدين بن العربي أنهم يعذبون فيها مدة ثم تنقلب عليهم وتبقى طبيعة نارية لهم يتلذذون بها لموافقتها لطبيعتهم فإن الثناء بصدق الوعد لا بصدق الوعيد والحضرة الإلهية تطلب الثناء المحمود بالذات فيثنى عليها بصدق الوعد لا بصدق الوعيد بل بالتجاوز {فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله} لم يقل وعيده بل قال ويتجاوز عن سيئاتهم مع أنه توعد على ذلك وأثنى على إسماعيل بأنه كان صادق الوعد وقد زال الإمكان في حق الحق لما فيه من طلب المرجح:
فلم يبق إلا صادق الوعد وحده. . . وما لوعيد الحق عين تعاين. . . وإن دخلوا دار الشقاء فإنهم
-
على لذة فيها نعيم مباين. . . نعيم جنان الخلد والأمر واحد. . . وبينهما عند التجلي تباين
-
يسمى عذابا من عذوبة طعمه. . . وذاك له كالقشر والقشر صاين
وقال في موضع آخر: إن أهل النار إذا دخلوها لا يزالون خائفين مترقبين أن يخرجوا منها فإذا أغلقت عليهم أبوابها اطمأنوا لأنها خلقت على وفق طباعهم. قال ابن القيم: وهذا في طرف والمعتزلة القائلون بأنه يجب على الله تعذيب ⦗٤٠⦘ من توعده بالعذاب في طرف فأولئك عندهم لا ينجو من النار من دخلها أصلا وهذا عنده لا يعذب بها أصلا والقولان مخالفان لما علم بالاضطرار أن الرسول جاء به وأخبر به عن الله انتهى. وما ذكره من أن ابن العربي يقول إنه لا يعذب بها أصلا ممنوع فإن حاصل كلامه ومتابعيه أن لأهل النار الخالدين فيها حالات ثلاث الأولى أنهم إذا دخلوها سلط العذاب على ظواهرهم وبواطنهم وملكهم الجزع والاضطراب فطلبوا أن يخفف عنهم العذاب أو أن يقضى عليهم أو أن يرجعوا إلى الدنيا فلم يجابوا والثانية أنهم إذا لم يجابوا وطنوا أنفسهم على العذاب فعند ذلك رفع الله العذاب عن بواطنهم وخبت نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة. والثالثة أنهم بعد مضي الأحقاب ألفوا العذاب واعتادوه ولم يتعذبوا بشدته بعد طول مدته ولم يتألموا به وإن عظم إلى أن آل أمرهم إلى أن يتلذذوا به ويستعذبوه حتى لو هبت عليهم نسيم من الجنة استكرهوه وعذبوا به كالجعل وتأذيه برائحة الورد: عافانا الله من ذلك. ومنها قول جمع إن النار تفنى فإن الله تعالى جعل لها أمدا تنتهي إليه ثم يزول عذابها لقوله تعالى {خالدين فيها إلا ما شاء ربك} {خالدين فيها مادامت السماوات والأرض} {لابثين فيها أحقابا} قال هؤلاء: وليس في القرآن دلالة على بقاء النار وعدم فنائها إنما الذي فيه أن الكفار خالدون فيها وأنهم غير خارجين منها وأنهم لا يفتر عنهم العذاب وأنهم لا يموتون فيها وأن عذابهم فيها مقيم وأنه غرام لازم. وهذا لا نزاع فيه بين الصحابة والتابعين إنما النزاع في أمر آخر وهو أن النار أبدية أو مما كتب عليه الفناء وأما كون الكفار لا يخرجون منها ولا يدخلون الجنة فلم يختلف فيه أحد من أهل السنة. وقد نقل ابن تيمية القول بفنائها عن ابن عمر وابن عمرو وابن مسعود وأبي سعيد وابن عباس وأنس والحسن البصري وحماد بن سلمة وغيرهم روى عبد بن حميد بإسناد رجاله ثقات عن عمر: لو لبث أهل النار في النار عدد رمل عالج لكان لهم يوم يخرجون فيه. وروى أحمد عن ابن عمرو بن العاص: " ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد " وحكاه البغوي وغيره عن أبي هريرة وغيره. وقد نصر هذا القول ابن القيم كشيخه ابن تيمية وهو مذهب متروك وقول مهجور لا يصار إليه ولا يعول عليه. وقد أول ذلك كله الجمهور وأجابوا عن الآيات المذكورة بنحو عشرين وجها وعما نقل عن أولئك الصحب بأن معناه ليس فيها أحد من عصاة المؤمنين أما مواضع الكفار فهي ممتلئة منهم لا يخرجون منها أبدا كما ذكره الله تعالى في آيات كثيرة. وقد قال الإمام الرازي: قال قوم إن عذاب الله منقطع وله نهاية واستدلوا بآية: {لابثين فيها أحقابا} وبأن معصية الظلم متناهية فالعقاب عليها بما لا يتناهى ظلم والجواب أن قوله " أحقابا " لا يقتضي أن له نهاية لأن العرب يعبرون به وبنحوه عن الدوام. ولا ظلم في ذلك لأن الكافر كان عازما على الكفر ما دام حيا فعوقب دائما فهو لم يعاقب بالدائم إلا على دائم فلم يكن عذابه إلا جزاء وفاقا
-
(حط في) كتاب (رواه مالك) أي في كتاب أسماه من روى عن مالك من وجهين من حديث عبد الله بن الحكم عن مالك عن نافع (عن) عبد الله (ابن عمر) بن الخطاب ومن حديث جامع ابن سوار عن زهير بن عباد عن أحمد بن الحسين اللهبي عن عبد الملك ابن الحكم ورواه الدارقطني من هذين الوجهين في غرائب مالك. ثم قال: هذا حديث باطل وجامع ضعيف وكذا عبد الملك انتهى. وأقره عليه في اللسان. وقال في الفتح فيه عبد الملك وهو واه ورواه العقيلي من طريق ضعيف عن أنس. وما جرى عليه المؤلف من أن سياق الحديث هكذا هو ما وقفت عليه من خطه من نسخ هذا الكتاب. والثابت في رواية الخطيب خلافه ولفظه: آخر من يدخل الجنة رجل من جهينة يقال له جهينة فيقول أهل الجنة: عند جهينة الخبر اليقين سلوه هل بقي أحد من الخلائق يعذب؟ فيقول لا. انتهى. ومثله الدارقطني وهكذا أورده عنه المصنف في جامعه الكبير. ثم قال: قال الدارقطني باطل وأقره عليه. وقد أكثر المؤلف في هذا الجامع من الأحاديث الضعيفة. قال ابن مهدي. لا ينبغي الاشتغال بكتابة أحاديث الضعفاء فإن أقل ما يفوته أن يفوته بقدر ما كتب من حديث أهل الضعف من حديث الثقات. وقال ابن المبارك: لنا في صحيح الحديث شغل عن سقيمه اه. على أنه كان ينبغي له - أي المؤلف - أن يعقب كل حديث بالإشارة بحاله بلفظ ⦗٤١⦘ صحيح أو حسن أو ضعيف في كل حديث فلو فعل ذلك كان أنفع وأصنع ولم يزد الكتاب به إلا وريقات لا يطول بها. وأما ما يوجد في بعض النسخ من الرمز إلى الصحيح والحسن والضعيف بصورة رأس صاد وحاء وضاد فلا ينبغي الوثوق به لغلبة تحريف النساخ على أنه وقع له ذلك في بعض دون بعض كما رأيته بخطه فكان المتعين ذكر كتابه صحيح أو حسن أو ضعيف في كل حديث قال الحافظ العلائي على من ذكر حديثا اشتمل سنده على من فيه ضعف أن يوضح حاله خروجا عن عهدته وبراءة من ضعفه انتهى وابن عمر هو العلم الفرد أحد العبادلة الأربعة. قال جابر: ما منا أحد إلا مالت به الدنيا ومال بها إلا هو وذكر الخلافة يوم موت أبيه فقال بشرط أن لا يجري فيها محجم دم مات سنة ثلاث أو أربع وسبعين رضي الله عنه
ج ١ ص ٤١٤ - (آخر قرية) بفتح القاف وكسرها كما في تاريخ السمهودي من القرى وهو الجمع سميت به لاجتماع الناس فيها (من قرى الإسلام خرابا: المدينة) النبوية علم لها بالغلبة فلا يستعمل معرفا إلا فيها والنكرة اسم لكل مدينة من مدن بالمكان أقام به أو من دان إذا أطاع إذ يطاع السلطان فيها وهي أبيات كثيرة تجاوز حد القرى ولم تبلغ حد الأمصار ونسبوا للكل مديني وللمدينة النبوية مدني للفرق كذا قرره جمع. فإن قلت: ما ذكروه من أنها تجاوز حد القرى بينه وبين هذا الحديث تعارض حيث جعلها من القرى؟ قلت: كلا فإنها كانت في صدر الإسلام قبل الهجرة لا تجاوز حد القرى وكان إذ ذاك الإسلام إنما في في القرى ولم ينتشر في المدن والأمصار فلما هاجر المسلمون إليها واتسع الإسلام تجاوزت حد القرى فغلب عليها حينئذ اسم المدينة والخراب ذهاب العمارة والعمارة إحياء المحل وشغله بما وضع له ذكره الحراني. وفي الكشاف التخريب والإخراب الإفساد بالنقص والهدم قيل وفيه أن بلاده لا تزال عامرة إلى آخر وقت وأنت تعلم أنه لا دلالة في هذا الخبر إذ لا تعرض فيه بكون ديار الكفر تخرب قبل خراب قرى الإسلام التي آخرها خرابا المدينة نعم يؤخذ منه ذلك بضميمة الخبر الآتي بعده ومن ثم حسن تعقيبه به وبه يعلم أن ذكر الإسلام لا مفهوم له على أن عيسى بعد نزوله يرفع الجزية ويقتل الكفرة فتصير الكل دار إسلام
-
(ت) في أواخر جامعة (عن أبي هريرة) وقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث جنادة بن مسلم وقد رمز المصنف لضعفه وهو كما قال فإن الترمذي ذكر في العلل أنه سأل عنه البخاري فلم يعرفه وجعل يتعجب منه. وقال: كنت أرى أن جنادة هذا مقارب الحديث انتهى. وقد جزم بضعف جنادة المذكور جمع منهم المزني وغيره. قال السبكي كغيره: وإذا ضعف الرجل في السند ضعف الحديث من أجله ولم يكن فيه دلالة على بطلانه من أصله ثم قد يصح من طريق أخرى وقد يكون هذا الضعيف صادقا ثبتا في تلك الرواية فلا يدل مجرد تضعيفه والحمل عليه على بطلان ما جاء في نفس الأمر انتهى. قالوا: وإذا قوي الضعف لا ينجبر بوروده من وجه آخر وإن كثرت طرقه ومن ثم اتفقوا على ضعف حديث " من حفظ على أمتي أربعين حديثا " مع كثرة طرقه لقوة ضعفه وقصورها عن الجبر بخلاف ما خف ضعفه ولم يقصر الجابر عن جبره فإنه ينجبر ويعتضد
ج ١ ص ٤١٥ - (آخر من يحشر) بالبناء للمجهول أي يموت. قال عكرمة في قوله تعالى: {وإذا الوحوش حشرت} حشرها موتها أو المراد آخر من يساق إلى المدينة كما في لفظ رواية مسلم والحشر. كما قال القاضي: السوق من جهات مختلفة إلى مكان واحد وأصله الجمع والضم المتفرق. وقال الزمخشري: الحشر سوق الناس إلى المحشر. وقال الحراني: الجمع وغيره. وقال الراغب: إخراج الجماعة عن مقرهم وإزعاجهم (راعيان) تثنية راع وهو حافظ الماشية. قال الراغب: والرعي في الأصل حفظ الحيوان إما بغذائه الحافظ لحياته أو بذب العدو عنه يقال رعيته أي حفظته فسمي كل سائس لنفسه أو لغيره ⦗٤٢⦘ (راعيا من مزينة) بالتصغير قبيلة من مضر معروفة وفي رواية " رجل من جهينة وآخر من مزينة " وفي رواية أنهما كانا ينزلان بجبل ورقان (يريدان) أي يقصدان (المدينة) الشريفة أي المدينة الكاملة التي تستحق أن يقال لها مدينة على الإطلاق كالبيت للكعبة ولها نحو مئة اسم منهما طابة وطيبة مشددة ومخففة وطايب ككاتب ودار الأخيار ودار الأبرار ودار الإيمان ودار السنة ودار السلامة ودار الفتح ودار الهجرة. وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى. قال النووي: لا يعرف في البلاد أكثر أسماء منها ومن مكة (ينعقان) بفتح المثناة تحت وسكون النون وكسر العين المهملة. قال الكشاف: النعيق التصويت يقال نعق المؤذن ونعق الراعي صوت (بغنمهما) يزجرانها بأصواتهما ويسوقانها يطلبان الكلأ وفيه إشارة إلى طول أملهما وأن ما وقع من أشراط الساعة لم يشغلهما عن الشغل بالمعاش والاهتمام بالأمور الدنيوية ويحتمل أنهما قصداها بماشيتهما للإقامة بها مع أهل الإيمان للحماية من أهل الطغيان ولعل الغنم مشتركة فلذلك لم يثنها (فيجدانها) أي الغنم والفاء تعقيبية (وحوشا) بضم أوله بأن ينقلب ذواتها أو بأن تتوحش فتنفر من صياحهما أو الضمير للمدينة والواو مفتوحة روايتان أي يجدان المدينة خالية ليس فيها أحد. والوحش الخلاء أو سكنها الوحش لانقراض سكانها. قال النووي: وهو الصحيح والأول غلط وتعقبه ابن حجر بأن قوله (حتى إذا بلغا) أي الراعيان (ثنية الوداع) أي انتهيا إليها يؤيد الأول لأن وقوع ذلك قبل دخول المدينة. وأقول: هذا غير دافع لترجيح النووي إذ إحاطهما بخلو المدينة من سكانها ومصيرها مسكن الوحوش لا يتوقف على دخولها بل يحصل العلم به بالقرب منها والإشراف على حريمها وهذا أمر كالمحسوس وإنكاره مكابرة والبلاغ والإبلاغ الانتهاء إلى المقصد. وثنية الوداع بمثلثة وفتح الواو: ومحل عقبة عند حرم المدينة سمي به لأن المودعين يمشون مع المسافر من المدينة إليها وهو اسم قديم جاهلي كذا ذكره القاضي تبعا لعياض وغيره. وفي تاريخ السمهودي: هي معروفة بباب المدينة خلف سوقها القديم بين مسجد الراية ومسجد النفس الزكية قرب سلع ووهم من قال هي من جهة مكة سميت به لتوديع النساء اللاتي استمتعوا بهن فيها عند رجوعهم من خيبر أو خروجهم إلى تبوك وفي رواية " ما كان أحد يدخل المدينة إلا منها " فإن لم يعبر منها مات قبل أن يخرج لوبائها كما زعمت اليهود فإذا وقف عليها قيل قد ودع فسميت به وقيل لوداع النبي صلى الله عليه وسلم بعض المسلمين بالمدينة في بعض خرجاته وقيل ودع فيها بعض سراياه وقيل غير ذلك (خرا على وجوههما) ميتين أي أخذتهما الصعقة حين النفخة الأولى وهذا ظاهر في أن ذلك يكون لإدراكهما الساعة ففيه رد لقول البعض أنه وقع في بعض الفتن حين خلت المدينة وبقيت ثمارها للعوافي وذلك في وقعة الحرة حين وجه يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة في جيش إلى المدينة فقتل من فيها من بقايا المهاجرين والأنصار وخيار التابعين وهم ألف وسبع مئة ومن الأخلاط عشرة آلاف. قال السمهودي: قال القرطبي وجالت الخيل في المسجد النبوي وبالت وراثت بين القبر والمنبر وخلت المدينة من أهلها وبقيت ثمارها للعوافي انتهى. وذكر نحوه ابن حزم والخر السقوط يقال خر سقط سقوطا يسمع منه خرير ذكره الراغب وغيره. فإن قلت: هل لإيثاره " خر " على سقط من فائدة؟ قلت: أجل وهي التنبيه على اجتماع أمرين السقوط وحصول الصوت منه إشارة إلى أن فراق روحيهما لبدنيهما بعنف وشدة وسرعة خطفة من أثر تلك الصعقة التي لم تأت على مخلوق إلا جعلته كالرميم ونظيره قوله تعالى: {يخرون للأذقان سجدا} والوجه مجتمع حواس الحيوان وأحسن ما في الإنسان وموقع الفتنة من الشيء الفتان وهو أول ما يحاول ابتداؤه من الأشياء ذكره الحراني. فإن قلت: المناسب لقوله " خرا " وما قبله تثنية الوجه فما وجه جمعه؟ قلت: لعله أراد بالوجوه مقدم الأعضاء المقدمة فكل عضو له وجه وظهر فالسقوط يكون على كل مقدم من الأعضاء والوجه كما يراد به ما هو المتبادر يطلق ويراد به أشرف ما ظهر من الإنسان أو غيره كما تقرر
-
(ك) في الفتن (عن أبي هريرة) وقال: على شرطهما وأقره الذهبي لكن رمز المؤلف لحسنه ⦗٤٣⦘ فقط وهو قطعة من حديث رواه الشيخان لفظ برواية البخاري: " ستكون المدينة على خير ما كانت لا يغشاها إلا العوافي وآخر من يحشر " إلى آخر ما هنا بنصه وقال القسطلاني وغيره: وقوله " وآخر " إلى آخره يحتمل كونه حديثا غير الأول لا تعلق له به وكونه من بقيته انتهى وسواء كان كلا أو بعضا فهو في الصحيح فاستدراك الحاكم له غير قويم كرمز المؤلف لحسنه فقط
ج ١ ص ٤٣٦ - (آخر ما أدرك الناس) من النوس وهو التحرك أو الأنس لأن بعضهم يأنس ببعض. قال ابن الكمال: والإدراك إحاطة الشيء بكماله " والناس " بالرفع في جميع الطرق كما في الفتح قال ويجوز نصبه أي مما بلغ الناس (من كلام النبوة الأولى) أي مما اتفق عليه الأنبياء لأنه جاء في زمن النبوة الأولى وهي عهد آدم واستمر إلى شرعنا إلى آخر ما وجدوا مأمورا به في زمن النبوة الأولى إلى أن أدركناه في شرعنا ولم ينسخ في ملة من الملل بل ما من نبي إلا وقد ندب إليه وحث عليه ولم يبدل فيما بدل من شرائعهم ففائدة إضافة الكلام إلى النبوة الأولى الإشعار بأن ذلك من نتائج الوحي ثم تطابقت عليه العقول وتلقته جميع الأمم بالقبول. ذكره جمع. وقال القاضي: معناه أن مما بقي فأدركوه من كلام الأنبياء المتقدمين أن الحياء هو المانع من اقتراف القبائح والاشتغال بمنهيات الشرع ومستهجنات العقل وذلك أمر قد علم صوابه وظهر فضله واتفقت الشرائع والعقول على حسنه وما هذه صفته لم يجر عليه النسخ والتبديل وقيد النبوة الأولى إيذانا باتفاق كلمة الأنبياء على استحسانه من أولهم إلى آخرهم (إذا لم تستح) أيها الإنسان وهو بمثناة تحتية واحدة آخره (فاصنع ما شئت) أمر بمعنى الخبر أي إذا لم تخش من العار عملت ما شئت لم يردعك عن مواقعة المحرمات رادع وسيكافئك الله على فعلك ويجازيك على عدم مبالاتك بما حرمه عليك. وهذا توبيخ شديد فإن من لم يعظم ربه ليس من الإيمان في شيء أو هو للتهديد من قبيل: " اعملوا ما شئتم " أي اصنع ما شئت فسوف ترى غيه كأنه يقول إذ قد أبيت لزوم الحياء فأنت أهل لأن يقال لك افعل ما شئت وتبعث عليه ويتبين لك فساد حالك أو هو على حقيقته ومعناه إذا كنت في أمورك آمنا من الحياء في فعلها لكونها على القانون الشرعي الذي لا يستحي منه أهله فاصنع ما شئت ولا عليك من متكبر يلومك ولا من متصلف يستعيبك فإن ما أباحه الشرع لا حياء في فعله. وعلى هذا الحديث مدار الإسلام من حيث إن الفعل إما أن يستحيا منه وهو الحرام والمكروه وخلاف الأولى واجتنابها مشروع أولا وهو الواجب والمندوب والمباح وفعلها مشروع وكيفما كان أفاد أن الحياء كان مندوبا إليه في الأولين كما أنه محثوث عليه في الآخرين وقد ثبت أنه شعبة من الإيمان أي من حيث كونه باعثا على امتثال المأمور وتجنب المنهي لا من حيث كونه خلقا فإنه غريزة طبيعية لا يحتاج في كونها شعبة منه إلى قصد. قال الطبراني: وقد ذكر النووي أن قانون الشرع في معنى الحياء لا يحتاج إلى اكتساب ونية فينبغي حمل الحديث على هذا المعنى والقانون فيه أنك إذا أردت أمرا أو اكتساب فعل وأنت بين الإقدام والإحجام فيه فانظر إلى ما تريد أن تفعله فإن كان مما لا يستحيا منه من الله ولا من أنبيائه قديما وحديثا فافعله ولا تبالي من الخلق وإن استحيت منهم وإلا فدعه. فدخل الحديث إذا في جوامع الكلم التي خص الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم. وقد عده العسكري وغيره من الأمثال وقد نظم بعضهم معنى الحديث فقال:
إذا لم تخش عاقبة الليالي. . . ولم تستحي فاصنع ما تشاء
-
والحياء انقباض يجده الإنسان في نفسه يحمله على عدم ملابسة ما يعاب به ويستقبح منه ونقيضه التصلف في الأمور وعدم المبالاة بما يستقبح ويعاب وكلاهما جبلي ومكتسب لكن الناس ينقسمون في القدر الحاصل منهما على أقسام فمنهم من جبل على الكثير من الحياء ومنهم من جبل على القليل ومنهم من جبل على الكثير من التصلف ومنهم من جبل على القليل ثم إن أهل الكثير من النوعين على مراتب وأهل القليل كذلك فقد يكثر أهل النوعين حتى يصير نقيضه كالمعدوم ثم هذا الجبلي سبب في تحصيل المكتسب فمن أخذ نفسه بالحياء واستعمله فاز بالحظ الأوفر ومن تركه فعل ما شاء وحرم ⦗٤٤⦘ خيري الدنيا والآخرة
-
(ابن عساكر في تاريخه) تاريخ الشام (عن ابن مسعود) عقبة بن عمرو بن ثعلبة (البدري) الأنصاري قال البخاري وإسناده ضعيف لضعف فتح المصري لكن يشهد له ما رواه البيهقي في الشعب عن أبي مسعود المذكور بلفظ إن آخر ما بقي من النبوة الأولى والباقي سواء بل رواه البخاري عن ابن مسعود بلفظ إن مما أدرك الناس إلى آخر ما هنا
ج ١ ص ٤٤٧ - (آخر ما تكلم به إبراهيم) أعجمي معرب أصله إبراهام على ما نقل عن سيبويه لكن في القاموس إبراهيم وإبراهام وإبراهوم مثله الهاء وإبرهم بفتح الهاء بلا ألف اسم أعجمي. قال ابن الكمال: وعليه لا يكون إبراهيم معربا. وقال المحقق في شرح المختصر: إجماع أهل العربية على منع صرف إبراهيم ونحوه للعلمية والعجمة يوضح ما ذكرناه من وقوع المعرب فيه يعني القرآن (حين ألقي) بالبناء للمفعول أي ألقاه نمروذ (في النار) التي أعدها له ليحترق وكان عمره ستة عشر سنة على ما في الكشاف وتاريخ ابن عساكر. والإلقاء كما قال الراغب طرح الشيء حيث يلقاه ثم صار في التعارف اسما لكل طرح والنار جوهر لطيف مضيء حار محرق من نار ينور إذا نفر لأن فيها حركة واضطرابا والنور ضوءها وضوء كل نير والإضاءة الإنارة ذكره الزمخشري (حسبي الله) مبتدأ وخبر أي كافيني وكافلني هو الله من أحسبه الشيء كفاه (ونعم) كلمة مبالغة تجمع المدح كله ذكره الحراني. وقال الراغب: كلمة تستعمل في المدح بإزاء بئس (الوكيل) أي نعم الموكول إليه الله تعالى وذلك لأن الخليل لعلو منصبه وسمو مقامه وشموخ همته لم يشخص أمله لشيء سوى ربه ولم يرض بإسعاف أحد غيره بل قصر نظره عليه وأعرض عن الأسباب والعدد ضاربا عنها صفحا واغتنى بمسببها كافيا وحسيبا فإنه تعالى جعل لكل شيء عدة يدفع بها فللبغي التحرز والتحفظ وللمكر الحزم والتيقظ وللحسد التواضع للحاسد ومداراته وللكائد سد الأبواب التي يجد منها السبيل إليه فرأى هذا النبي الجليل السيد الخليل أن الله أكبر من تلك العدد والأسباب فاغتنى به كافيا وحسيبا فكان له حافظا ورقيبا فشمله بالإسعاد والإسعاف فلم يحترق منه إلا موضع الكتاف وفيه ندب إلى اعتقاد العجز واستشعار الافتقار والاعتصام بحول الله وقوته وأن الحازم لا يكل أمره إذا ابتلي ببلاء إلا إلى ربه ولا يعتضد إلا به وفي الخبر أنه إنما نجي بذلك <فائدة> من كرامة هذه الأمة على ربها أنه أوجد فيها من وقع له كما وقع للخليل من عدم تأثير النار فيه. روى ابن وهب عن ابن لهيعة أن الأسود العنسي لما ادعى النبوة وغلب على صنعاء أخذ ذؤيب بن كليب الخولاني - وكان أسلم في عهد المصطفى - فألقاه في النار فلم تضره النار فذكر المصطفى ذلك لأصحابه فقال عمر: الحمد لله الذي جعل في أمتنا مثل إبراهيم الخليل. ووقع عند ابن الكلبي أنه ذؤيب بن وهب. وقال في سياقه طرحه في النار فوجده حيا
-
(خط) في ترجمة محمد بن يزداد (عن أبي هريرة) الدوسي (وقال) أي الخطيب حديث (غريب) أي تفرد به حافظ ولم يذكره غيره ورواه عنه أيضا الديلمي هكذا (والمحفوظ) عند المحدثين (عن) أبي العباس عبد الله (ابن عباس) ترجمان القرآن الذي قال فيه علي كرم الله وجهه كأنما ينظر إلى الغيب من وراء ستر رقيق وأخرج ابن عساكر أنه كان يسمى حكيم المعضلات ولم يرو عن أحد من الصحابة في الفتوى أكثر منه وعمي آخر عمره كأبيه وجده (موقوف) عليه غير مرفوع لكن مثله لا يقال من قبل الرأي فهو في حكمه وهذا الموقوف صحيح فقد أخرجه البخاري في صحيحه عنه بلفظ: كان آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار حسبنا الله ونعم الوكيل. وفي رواية له عنه أيضا: حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم حين ألقي في النار وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم
ج ١ ص ٤٥⦗٤٥⦘ ٨ - (آخر أربعاء) بالمد وكسر الموحدة على الأشهر. قال في المصباح: ولا نظير له في المفردات وإنما يأتي وزنه في الجموع وبعض بني أسد يفتح الباء والضم لغة قليلة انتهى. وبه عرف أن من تعقب النووي والرضي في قولهما أنه مثلث الباء فقد وهم. وسمي أربعاء لأن الرابع واحد من أربعة وهو رابع الأيام من الأحد الذي هو أول الأسبوع على الأرجح أشار إليه الراغب قال: ويسمى في الجاهلية دبار لتشاؤمهم به والدبار الهلاك. قال والألف فيه وفي الثلاثاء بدل من الهاء نحو حسن وحسنة وحسناء فخص اللفظ باليوم (في الشهر) لفظ رواية الخطيب من الشهر والشهر من الشهرة يقال أشهر الشهر إذا طلع هلاله وأشهرنا دخلنا في الشهر سمي به لشهرته وظهوره. قال الراغب الشهر مدة مشهورة بإهلال الهلال أو باعتبار جزء من اثني عشر جزءا من دوران الشمس من نقطة إلى تلك النقطة وقال الإمام الرازي كالحكماء هو عبارة عن حركة القمر من نقطة معينة من فلكه الخاص به إلى أن يعود إلى تلك النقطة بعينها (يوم نحس) بالإضافة على الأجود أي شؤم وبلاء (مستمر) مطرد شؤمه أو دائم الشؤم أو مستحكمه وروي " يوم نحس " بالرفع والتنوين فيهما ومستمر نعت لنحس أو ليوم أو عطف بيان أو بدل. واليوم لغة عبارة عما بين طلوع الشمس وغروبها من الزمن وشرعا ما بين طلوع الفجر الثاني والغروب قال محقق: وفاؤه ياء وعينه واو. وقال في البحر: وليس قوله " نحس " على جهة الطيرة وكيف يريد ذلك والأيام كلها لله. وقد جاء في تفضيل بعض الأيام على بعض أخبار كثيرة وهو من الفأل الذي كان يحبه. وأما الطيرة فيكرهها وليست من الدين بل من فعل الجاهلية وقول الكهان والمنجمين فانهم يقولون يوم الأربعاء يوم عطارد وعطارد نحس مع النحوس سعد مع السعود وقولهم خارج عن الدين ويجوز كون ذكر الأربعاء نحس على طريق التخويف والتحذير أي احذروا ذلك اليوم لما نزل فيه من العذاب وكان فيه من الهلاك وجددوا لله توبة خوفا أن يلحقكم فيه بؤس كما وقع لمن قبلكم وكان صلى الله عليه وسلم إذا رأى مخيلة فزع إلى الصلاة حتى إذا نزل المطر سري عنه ويقول ما يؤمنني أن يكون فيها عذاب كما وقع لبعض الأمم السابقة فكان يحذر أمته من مثل ما قال أولئك: {هذا عارض ممطرنا} فأتاهم بخلاف ما ظنوا قال تعالى: {بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم} وكما قال حين أتى الحجر: لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين " وكما رغب في يوم عاشوراء لما جعل الله فيه من نجاة موسى وبني إسرائيل من فرعون حذر من يوم الأربعاء لما كان فيه انتهى. وقال السهيلي نحوسته على من تشاءم وتطير بأن كان عادته التطير وترك الإقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في تركه وتلك صفة من قل توكله فذلك الذي تضره نحوسته في تصرفه فيه. وقال بعضهم: التطير مكروه كراهة شرعية إلا أن الشرع أباح لمن أصابه في آخر أربعاء شيء من نحو جائحة أن يدع التصرف فيه لا على جهة الطيرة واعتقاد أنه يضره أو يصيبه فيه فقر أو بؤس بل على جهة اعتقاد إباحة الإمساك فيه لما كرهته النفس لا ابتغاء التطير ولكن إثباتا للرخصة في التوقي فيه لمن شاء مع وجوب اعتقاد أن شيئا لا يضر شيئا. وقال الحليمي: علمنا ببيان الشريعة أن من الأيام نحسا والذي يقابل النحس السعد فإذا ثبت أن بعض الأيام نحس ثبت أن بعضها سعد والأيام في هذا كالأشخاص منها مسعودة ومنها منحوسة ومن الناس شقي وسعيد فإذا أضاف أحد إلى الأيام أو الكواكب أنها تسعد باختيارها أوقاتا أو أشخاصا أو تنحسها فذلك باطل وإن قال: إن الكواكب طبائع وأمزجة مختلفة وتلك تتغير منها باتصال بعضها ببعض وانفصال بعضها عن بعض فطرة فطرها الله تعالى عليها تتأدى بتوسط النيرين إلى الأرض وما فيها فأي شيء منها كان هو المتأدى إلى الأجسام الأرضية كانت الآثار التي تحدث فيها عنه بحسبها فقد يكون منها ما هو سبب للاغتنام ما هو سبب للصحة والسلامة وما هو سبب لحسن الخلق وبذل المعروف والإنصاف والرغبة في الخير وما هو سبب للقبائح والظلم والإقدام على ⦗٤٦⦘ الشر فهذا يكون لكنه بفعل الله وحده انتهى
-
وأخرج الخطيب في التاريخ في ترجمة ابن مجاشع المدائني أن عليا كرم الله وجهه كره أن يتزوج الرجل أو يسافر في المحاق أو إذا نزل القمر العقرب. قال: والمحاق إذا بقي من الشهر يوم أو يومان وفي الفردوس عن عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعا: " لولا أن تكره أمتي لأمرتها أن لا يسافروا يوم الأربعاء وأحب الأيام إلي الشخوص فيها يوم الخميس ". وبيض ولده لسنده. وأما حمل الحديث على الأربعاء الذي أرسل فيه الريح على عاد بخصوصه فمناف للسياق مع أنه لا يلزم من تعذيب قوم فيه كونه نحسا على غيرهم وحمله على أنه نحس على المفسدين لا المصلحين هلهل بالمرة إذ لا اختصاص للأربعاء به وأخرج أبو يعلى عن ابن عباس رضي الله عنهما وابن عدي وتمام في فوائده عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه مرفوعا: " يوم السبت يوم مكر وخديعة ويوم الأحد يوم غرس وبناء ويوم الاثنين يوم سفر وطلب رزق ويوم الثلاثاء يوم حديد وبأس ويوم الأربعاء لا أخذ ولا عطاء ويوم الخميس يوم طلب الحوائج والدخول على السلاطين ويوم الجمعة يوم خطبة ونكاح ". قال السخاوي: وسنده ضعيف وذكر الزمخشري أن يزيدا قال لأخيه: اخرج معي في حاجة فقال: هو الأربعاء. قال: فيه ولد يونس. قال: لا جرم قد بانت به بركته في اتساع موضعه وحسن كسوته حتى خلصه الله. قال: وفيه ولد يوسف. قال: فما أحسن ما فعل به إخوته حتى طال حبسه وغربته. قال: وفيه نصر المصطفى صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب. قال: أجل ولكن بعد أن زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر. وفي بعض الآثار النهي عن قص الأظافر يوم الأربعاء وأنه يورث البرص قال في المطامح: وأخبر ثقة من أصحابنا عن ابن الحاج وكان من العلماء المتقين أنه هم بقص أظافره يوم الأربعاء فتذاكر الحديث الوارد في كراهته فتركه ثم رأى أنها سنة حاضرة فقصها فلحقه برص فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في نومه فقال له: ألم تسمع نهيي عن ذلك: فقال: يا رسول الله لم يصح عندي الحديث عنك. قال: يكفيك أن تسمع ثم مسح بيده على بدنه فزال البرص جميعا. قال ابن الحاج: فجددت مع الله سبحانه وتعالى توبة أن لا أخالف ما سمعت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبدا. والحاصل أن توقي يوم الأربعاء على جهة الطيرة وطن اعتقاد المنجمين حرام شديد التحريم إذ الأيام كلها لله تعالى لا تضر ولا تنفع بذاتها وبدون ذلك لا ضير ولا محذور ومن تطير حاقت به نحوسته ومن أيقن بأنه لا يضر ولا ينفع إلا الله لم يؤثر فيه شيء من ذلك قال:
تعلم أنه لا طير إلا. . . على متطير وهو الشرور
-
وفي حديث رواه ابن ماجه عن ابن عمر مرفوعا وخرجه الحاكم من طريقين آخرين: " لا يبدو جذام ولا برص إلا يوم الأربعاء " وكره بعضهم العيادة يوم الأربعاء. وعليه - قيل: لم يؤت في الأربعاء مريض إلا دفناه في الخميس. وفي منهاج الحليمي وشعب البيهقي أن الدعاء يستجاب يوم الأربعاء بعد الزوال. وذكر برهان الإسلام في تعليم المتعلم عن صاحب الهداية أن ما بدئ شيء يوم الأربعاء إلا وتم فلذلك كان جمع من الشيوخ يتحرون ابتداء الجلوس للتدريس فيه وذلك لأن العلم نور فبدايته يوم خلق النور فيه تناسب معنى على التمام واستحب بعضهم غرس الأشجار فيه لخبر ابن حبان والديلمي عن جابر مرفوعا: " من غرس يوم الأربعاء فقال: سبحان الباعث الوارث أتته بأكلها " قالوا: ولما أرسل ملك الروم كتابه إلى المعتصم يتهدده كتب على ظهر الجواب ما تراه لا ما تسمعه وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار وقام فخرج من فوره في وقته يوم الأربعاء ولم يدخل بيته فمنعه المنجمون وقالوا: الطالع نحس فقال: عليهم لا علينا وسار فيه فأسر ستين ألفا وقتل ستين ألفا وكانت وقعة أعز الله فيها الإسلام وأهله: قال الحافظ ابن حجر: غضب السلطان على الكمال البارزي كاتم السر ثم رضي عنه وخلع عليه يوم الأربعاء رابع عشر ربيع الأول سنة أربع وأربعين وثمان مئة وركب في موكب لم ير مثله فاجتمع فيه خمس أربعات والثمان مئة تشتمل على أربعمائتين انتهى. واعلم أنهم كما كانوا ينفرون من يوم الأربعاء كانوا ينفرون من يوم الأحد. قال الزمخشري: صبح ثمود العذاب يوم الأحد. قال: وفي الأثر نعوذ بالله من يوم الأحد فإن له حدا كحد السيف. وكتب يزيد إلى عبيد الله بن زياد أن يوجه عبد الله بن حازم إلى خراسان لمعونة مسلم بن زياد فقال عبيد الله أخرجوه يوم الأحد إذا ضرب الناقوس حتى لا يرجع للأبد فأحس ابن حازم فتعلل حتى لم يخرج إلا حتى زاغت الشمس. وقال: قولوا له ذهب حد الأحد وكما ورد في يوم الأربعاء النحوسة ⦗٤٧⦘ ورد في الثلاثاء أنه مكروه ففي الفردوس من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: " خلق الله الأمراض يوم الثلاثاء. وفيه أنزل إبليس إلى الأرض وفيه خلق الله جهنم وفيه سلط الله ملك الموت على أرواح بني آدم وفيه قتل قابيل هابيل وفيه توفي موسى وهارون وفيه ابتلي أيوب " الحديث بطوله وفي ترجمة العلم للبلقيني عن بعضهم أن من المجرب الذي لم يخطئ قط أنه متى كان اليوم الرابع عشر من الشهر القمري يوم الأحد وفعل فيه شيء لم يتم وكذا للسفر وغيره وأن ذلك وقع للناصر فرج وغيره. وقد أخر بعضهم السفر في أول السنة وقال إن سافرت في المحرم فجدير أن أحرم أو في صفر خشيت على يدي أن تصفر فأخره إلى ربيع فسافر فمرض ولم يظفر بطائل فقال ظننته ربيع الرياض فإذا هو ربيع الأمراض وفي المثل السائر: " لا تعادي الأيام فتعاديك " قال:
ومن غالب الأيام فاعلم بأنه. . . سينكص عنها لاهيا غير غالب
-
<فائدة> وقفت على أبيات بخط الحافظ الدمياطي وقال إنها تعزى لعلي رضي الله تعالى عنه وهي:
فنعم اليوم السبت حقا. . . لصيد إن أردت بلا امتراء. . . وفي الأحد البناء لأن فيه
-
تبدى الله في خلق السماء. . . وفي الاثنين إن سافرت فيه. . . سترجع بالنجاح وبالثراء
-
وإن ترد الحجامة في الثلاثا. . . ففي ساعاته هرق الدماء. . . وإن شرب امرئ يوما دواء
-
فنعم اليوم يوم الأربعاء. . . وفي يوم الخميس قضاء حاج. . . فإن الله يأذن بالقضاء
-
وفي الجمعات تزويج وعرس. . . ولذات الرجال مع النساء. . . وهذا العلم لا يدريه إلا. . . نبي أو وصي الأنبياء
-
(وكيع) أي القاضي أبو بكر محمد بن الخلف المعروف بوكيع بفتح الواو وكسر الكاف وعين مهملة (في الغرر) أي في كتاب الغرر من الأخبار (وابن مردويه) أبو بكر أحمد بن موسى (في التفسير) المسند من عدة طرق عن ابن عباس وعن عائشة وعن علي وعن أنس وغيرهم. (خط) في ترجمة ابن الوزير صاحب ديوان المهدي (عن ابن عباس) وفيه سلمة بن الصلت قال أبو حاتم متروك وجزم ابن الجوزي بوضعه وحكاه في الكبير ولم يتعقبه وقال ابن رجب: حديث لا يصح ورواه الطبراني من طريق آخر عن ابن عباس موقوفا. قال السخاوي: وطرقه كلها واهية. وروى الطبراني بسند ضعيف: " يوم الأربعاء يوم نحس مستمر " والحديث المشروح يفيده
ج ١ ص ٤٧٩ - (آدم) أبو البشر من أديم الأرض أي ظاهر وجهها سمي به لخلقه منه أو من الأدمة وهي السمرة ولا يشكل ببراعة جماله وأن حسن يوسف ثلث حسنه لأن سمرته بين البياض والحمرة قيل اشتقاقه يؤيد أنه عربي ومنع بأن توافق اللغتين غير ممتنع وبأنه لا دلالة على أن الاشتقاق من خواص كلام العرب ورد بأن الأصل عدم التوافق واطراد الاشتقاق وهو وإن صح تكلمه بكل لسان لكن الغالب بالسرياني كما تدل عليه أسامي أولاده (في السماء الدنيا) أي القريبة بروحه وزعم أنه بجسمه يأتي رده والسماء اسم جنس يطلق على الواحد والمتعدد ويشمل سائر الأجسام العلوية والمراد هنا هذه المظلة وهي كما قال الحراني وجمع: أشرف من الأرض (قال صاحب الكشف: الأكثرون على تفضيل الأرض على السماء لأن الأنبياء خلقوا منها وعبدوا الله فيها اه) من جهة العلو الذي لا يرام والجوهر البالغ في الأحكام والزينة البديعة النظام المنبثة عن المصالح الجسام وكثرة المنافع والأعلام (تعرض عليه أعمال) جمع عمل. قال الحراني: " هو فعل بني على علم أو زعم (ذريته) أي نسله فعيلة من الذر بمعنى التفريق أو فعولة أو فعيلة من الذرء بمعنى الخلق ولا مانع من عرض المعاني وإن كانت أعراضا لأنها في عالم الملكوت متشكلة بأشكال تخصها بحيث ترى وتنطق وإنما تمتنع رؤيتها في هذا العالم فلا ضرورة لتأويل الأعمال بصحفها ومعنى العرض أنه يراهم بمواضعهم لكنه يرى السعداء من الجانب الأيمن وغيرهم من الجانب الأيسر فالتقييد للنظر لا للمنظور فلا يلزم من رؤيته لأرواح ⦗٤٨⦘ الكفار وهو في السماء أن تفتح لهم أبوابها ولا لأرواح المؤمنين وفيهم الأحياء أن تنزع من أجسادها وتصعد ثم تعاد للأبدان. ومن فوائد العرض الشفاعة فيمن أذن له ولكونه أول الأنبياء كان في أول السماوات وفي رواية: " إذا نظر إلى جهة يمينه ضحك وإذا نظر إلى جهة شماله بكى " (ويوسف في السماء الثانية) قال في الكشاف: اسم عبراني. وقيل: عربي وليس بصحيح لأنه لو كان عربيا لانصرف لخلوه عن سبب آخر سوى التعريف انتهى. قال ابن الكمال: ومن اللطائف الاتفاقية أن الأسف لغة الحزن والأسيف العبد وقد اتفق اجتماعهما في يوسف (وابنا الخالة يحيى) اسم أعجمي على الأظهر في الكشاف أو عربي ومنع صرفه للعلمية والوزن
قال الحراني: سمي بصفة الدوام مع أنه قتل إشعارا بوفاء حقيقة الروحانية الحياتية دائما لا يطرقه طارق موت الظاهر حيث قتل شهيدا (وعيسى) اسم معرب أصله بالعبرية يسوع وهو غير مشتق وزعم أنه من العيس وهو بياض يخالطه صفرة منع بأن الاشتقاق العربي لا يدخل المعجم عند الأكثر وفيه ما مر. قال ابن السكيت: ويقال ابنا خالة لا ابنا عمة وابنا عم لا ابنا خال لأن ابني الخالة أم كل منهما خالة الآخر لزوما بخلاف ابنا العمة. واعلم أنه قد يشكل جعل عيسى ويحيى ابني خالة بأن امرأة عمران وهي حنة جدة عيسى إنما هي أخت إيشاع أم يحيى. وأجيب بأن الأخت كثيرا ما تطلق على بنت الأخت فبهذا الاعتبار جعلهما ابني خالة وقيل كانت إيشاع أخت حنة من الأم وأخت مريم من الأب على أن عمران نكح أولا أم حنة فولدت له أيشاع ثم نكح حنة بناء على حل نكاح الربائب في شرعهم فولدت مريم فكانت إيشاع أخت مريم من الأب لأب وخالتها من الأم لأنها أخت حنة من أمها (في السماء الثالثة وإدريس في السماء الرابعة) اسم أعجمي غير مشتق ولا منصرف وزعم أنه سمي به لكثرة دراسته أبطله في الكشاف بأنه لو كان إفعيلا من الدرس لم يكن فيه إلا سبب واحد وهو العلمية وكان منصرفا فمنع صرفه دليل العجمة واسمه خنوخ أو اخنوخ كما في القاموس وغيره (وهارون في السماء الخامسة وموسى في السماء السادسة) غير منصرف للعجمة والعلمية وموسى بالعبري ماء وشجر سمي به لأنه وجد بين ماء وشجر لما ألقته أمه فيه فهو اسم اقتضاه حاله وقيل هو من ماس إذا تبختر في مشيته ولا منافاة بين هذا وبين خبر أنه رأى موسى قائما يصلي في قبره فقد يكون رآه في مسيره قائما ثم عرج به كالمصطفى فرآه ثم وسرعة الانتقال لهؤلاء كلمح البصر بل هو أقرب وسيجيء لهذا مزيد تنبيه. ولا بينه وبين خبر الشيخين أنه رأى يحيى وعيسى في الثانية لاحتمال الانتقال وأما الجواب بالتعدد فرد بتوقفه على توقيف
-
(وإبراهيم في السماء السابعة) زاد في رواية: مسندا ظهره إلى البيت المعمور. وذكر في رواية أنه رآهم كذلك في السماء وفي أخرى أنه لقيهم فيها كذلك. وخص هؤلاء الأنبياء بالذكر واللقاء لما ذكروه أن من رأى نبيا في النوم فإن رؤياه تؤذن بما يشبه حال النبي المرئي من شدة أو رخاء أو غيرهما فأول من لقي آدم الذي أخرجه عدوه إبليس من الجنة وذلك شبيه بأول أحوال المصطفى حين أخرجه أعداؤه من حرم الله وجواره والجامع المشقة وكراهة فراق الوطن ثم رجوعه لما منه خرج ثم يوسف في الثانية المؤذن بحالة ثانية تشبه حالة يوسف لأن يوسف ظفر بإخوته لعد ما أخرجوه فصفح عنهم والمصطفى ظفر يوم بدر بأقاربه كالعباس وعقيل فعفا عنهم ثم يحيى وعيسى في الثالثة وهما الممتحنان باليهود فصار نبينا صلى الله عليه وسلم إلى حالة ثالثة كحالهما في الامتحان باليهود فكذبوه وآذوه وظاهروا عليه بعد سكنه بالمدينة ثم سموه بالشاه فلم تزل تلك الأكلة تعاوده حتى قطعت أبهره ثم إدريس في الرابعة وهو المكان الذي سماه الله عليا وهو أول من خط بالعلم فكان مؤذنا بحالة رابعة لنبينا من علو الشأن ورفعة المكان حتى كتب بالقلم إلى الملوك بما أخافهم وأزعجهم فهذا مقام علي وخط بالقلم كنحو ما أوتي إدريس وهارون في الخامسة وهو المحبب في قومه فآذن بحب قريش وقاطبة ⦗٤٩⦘ العرب له بعد بغضهم وموسى في السادسة لأن حاله يشبه حاله حين أمر بغزو الشام فظهر على الجبابرة التي فيها وإبراهيم في السابعة إشارة إلى دخوله مكة في السابعة من الهجرة وأن آخر أحوال نبينا حجه إلى البيت وإبراهيم هو الداعي إلى الحج والرافع لقواعد الكعبة المحجوجة ذكره السهيلي وغيره
وقال ابن أبي جمرة: حكمة رؤية آدم في السماء الدنيا أنه أول الأنبياء وأول الآباء فكان الأول في الأولى لتأنيس البنوة بالأبوة ويوسف في الثانية لأن هذه الأمة تدخل الجنة على صورته ويحيى وعيسى في الثالثة لأنهما أقرب الأنبياء عهدا به وإدريس في الرابعة لقوله تعالى: {ورفعناه مكانا عليا} والرابعة من السبع وسط معتدل وهارون لقربه من أخيه وموسى أرفع منه لكونه الكليم وإبراهيم في السابعة لأن منزلة الخليل أرفع المنازل. وقال القونوي: العالم السفلي مرآة للآثار والقوى والخواص المودعة في العالم العلوي وكذا العالم العلوي على اختلاف طبقاته مرآة تتعين في كل طبقة منه نتائج القوى والآثار السلفية التي تركبت منه وانعجنت في نشأة أهل هذا العالم ثم انفصلت وعادت إليه بصورة غير صورتها الأولى سيما نتائج الصفات والأفعال والتوجهات الصادرة من الإنسان الذي هو نسخة الكل ومرآة تنطبع فيها قوى كل عالم وآثار كل فلك وتوجه كل ملك وتتفاوت نسبته إلى كل فلك وعالم بحسب غلبة ما نعجن من القوى والخواص فيه من ذلك الفلك في أول تكوينه في أثناء توجهه وترقياته بعلمه وعمله وأخلاقه واستعداداته المستفادة بواسطة نشأته وبحسب حظه من الاعتدال الخصيص بالكمل وإلى ذلك أشار المصطفى بقوله: " آدم في السماء الدنيا " الذي هو ملك القمر ويوسف في الثانية إلى آخره فهو إخبار عن صور مناسباتهم بذلك الفلك وتعريف مراتب مظاهرهم الناتجة من أعمالهم وأخلاقهم وصفاتهم المكتسبة مما انعجن فيهم من قوى الأفلاك وتوجهات الأملاك وحصلت الغلبة لبعض تلك القوى والآثار على بعض في كل منهم حال اجتماعهما فيه وحيازة نشأته لها وإلا فمن البين أن الأرواح غير متحيزة فكيف يوصف سكانها في السماوات
-
(ابن مردويه) في تفسيره (عن أبي سعيد) سعد بن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر واسمه خدرة الأنصاري (الخدري) بضم الخاء المعجمة نسبة إلى خدرة المذكور. وزعم بعضهم أن خدرة أم الأبجر استصغر يوم أحد وغزا مع المصطفى غزوة بايعه على أن لا تأخذه في الله لومة لائم وإسناده ضعيف لكن المتن صحيح فإنه قطعة من حديث الإسراء الذي خرجه الشيخان عن أنس لكن فيه خلف في الترتيب
ج ١ ص ٤٩١٠ - (آفة الظرف الصلف) أي عاهة براعة اللسان وذكاء الجنان التيه والتكبر على الأقران والتمدح بما ليس في الإنسان إذ الآفة بالمد العاهة أو عرض يفسد ما يصيبه أو نقص أو خلل يلحق الشيء فيفسده والكل متقارب والظرف كفلس الكيس والبراعة والذكاء. قال الزمخشري: ومنه قول عمر إذا كان اللص ظريفا لم يقطع أي كيسا يدرأ الحد باحتجاجه. قال بعضهم: والمراد هنا الاتصاف بالحسن والأدب والفصاحة والفهم. وقال الراغب: الظرف بالفتح اسم لحالة نجمع عامة الفضائل النفسية والبدنية والخارجية تشبيها بالظرف الذي هو الوعاء ولكونه واقعا على ذلك قيل لمن حصل له علم وشجاعة ظريف ولمن حسن لباسه ورياشه وأثاثه ظريف فالظرف أعم من الحرية والكرم انتهى. والصلف محركا مجاوزة قدر الظرف والادعاء فوق ذلك تكبرا ذكره الخليل وتفسير ابن العربي الظرف هنا بالفعل لا يلائم السياق (وآفة الشجاعة) بشين معجمة (البغي) أي وعاهة شدة القلب عند البأس تجاوز الحد وطلب الإنسان ما ليس له. والشجاعة: قوة القلب والاستهانة بالحرب. وقال الراغب: إن اعتبرت في النفس فصرامة القلب على الأهوال وربط الجأش وإن اعتبرت بالفعل فالإقدام على موضع الفرصة وهي فضيلة بين التهور والجبن ومن ثم عرفت بأنها ملكة متوسطة بين الجبن والتهور ويتفرع عنها علو الهمة والصبر والنجدة والبغي: طلب التطاول بالظلم والإفساد من بغى الجرح إذا ترامى إلى الفساد ذكره الزمخشري: وقال الراغب: البغي طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرى تجاوزه وإلا فتارة تعتبر في القدر الذي هو الكمية وتارة في الوصف الذي هو الكيفية ويكون ⦗٥٠⦘ محمودا وهو تجاوز العدل إلى الإحسان والفرض إلى التطوع ومذموما وهو تجاوز الحق إلى الباطل وهو أكثر استعمالاته ومنه هنا
-
(وآفة السماحة) بفتح السين المهملة وخفة الميم (المن) أي وعاهة الجود والكرم تعديد النعمة على المنعم عليه والسماحة المساهلة والجود والاتساع فيه يقال عليك بالحق فإن في الحق مسمحا أي متسعا ومندوحة عن الباطل ذكره الزمخشري. والمن الإنعام أو تزيين الفعل وإظهار المعروف وهو منا مذموم ومن الله محمود لأن غيره لا يملك المعطى والعطاء وليس في عطائه شرف بل إهانة والله مالك للكل وعطاؤه تشريف فمنه تشريف وهداية للشكر الجالب للمزيد ومن غيره تكدير وتعيير تنكسر منه الخواطر وتحبط العطايا وإن كانت خواطر. قال بعضهم: والتحقيق أنها لما لم تمش من غيره تعالى واعتادت أنفس الكرام النفرة عنها لا يفعلها وإن حسنت منه للتحرز عن المنفر انتهى. ويرده أنه تعالى من صريحا في مواضع من كتابه فإنكاره مكابرة. قال ابن عربي: والمن هنا من أمراض النفس التي يجب التداوي منها ودواؤه أنه لا يرى أنه أوصل إليه إلا ما هو له في علم الله وأنه أمانة عنده كانت بيده لم يعرف صاحبها فلما أخرجها بالعطاء لمن عين له عرفا فشكر الله على أدائها فمن استحضر ذلك عند الإعطاء نفعه انتهى. وأما من المصطفى على الأنصار في قصة الحديبية فليس من ذلك فإنه من بالهداية إلى الإسلام فهو راجع إلى الله والمصطفى مبلغ وواسطة بدليل قوله لهم في المنة ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله بي؟
-
(وآفة الجمال الخيلاء) أي وعاهة حسن الصور أو المعاني العجب والكبر ومن ثم كره نكاح ذات الجمال البارع لما ينشأ عنه من شدة التيه والإدلال والعجب والتحكم في المقال وقد قيل من بسطه الإدلال قبضه الإذلال. قال الراغب: والجمال الحسن الكثير واعتبر فيه معنى الكثرة ولا بد والخيلاء التكبر عن تخيل فضيلة تتراءى للمرء في نفسه. وقال الراغب: أن يظن بنفسه ما ليس فيها من قولهم خلت الشيء ظننته ولقصور هذا المعنى قال حكيم: إعجاب المرء بنفسه أن يظن بها ما ليس فيها مع ضعف قوة فيظهر فرحه بها والزهو الاستخفاف من الفرح بنفسه (وآفة العبادة الفترة) بفتح فسكون أي وعاهة الطاعة التواني والتكاسل بعد كمال النشاط والاجتهاد فيها. والعبادة أقصى غاية الخضوع والتذلل ومنه طريق معبد أي مذلل بالأقدام وثوب ذو عبدة إذا كان في غاية الصفاقة ولذلك لا يستعمل إلا في الخضوع لله فمن وفق لألف العبادة ولزومها فليحذر من فترة الإخلال بها فان طرقته فترة فليفزع إلى ربه في دفعها
-
(وآفة الحديث) أي ما يتحدث به وينقل. قال الراغب: كل كلام الإنسان يقال له حديث. والفترة كما قال الزمخشري: السكون بعد الحدة واللين بعد الشدة ومن المجاز فتر البرد وكان الماء حارا ففترته وفتر العامل من عمله قصر فيه وفتر السحاب إذا تحير لا يسير (الكذب) أي الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه فمن أدخل حديثه الكذب عرضه للإعراض عنه وعطل النفع به وهو حرام لتعليقه تعالى استحقاق العذاب به حيث رتب عليه في قوله تعالى {لهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون} لكن قد يعرض ما يصيره مباحا بل واجبا إن ترتب على عدمه لحوق ضرر بمحترم. فقول القاضي كالزمخشري: هو حرام كله أي أصله ذلك وخروجه عن الحرمة إنما هو العارض كقول الفقهاء العارية سنة مع أنها قد تجب لدفع مؤذ أو ستر وقول النبي: " إنما البيع عن تراض " مع أنه قد يجب لنحو مضطر وكم له من نظير وبه يعرف سقوط اعتراض المؤلف عليهما (وآفة العلم النسيان) أي وعاهة العلم أن يهمله العالم حتى يذهب عن ذهنه ومن ثم قال الحكماء: لا تخل قلبك من المذاكرة فيعود عقيما ولا تعف طبعك عن المناظرة فيعود سقيما وأعظم آفات العلم النسيان الحادث عن غفلة التقصير وأعمال التواني فعلى من ابتلى به أن يستدرك تقصيره بكثرة الدرس ويوقظ غفلته بإدامة النظر فقد قالوا لن يدرك العلم من لا يطيل درسه ويكد نفسه وكثرة الدرس كدود لا يصبر عليه إلا من يرى العلم مغنما والجهالة مغرما فيحتمل تعب الدرس ليدرك راحة العلم وتنتفي عنه معرة الجهل وعلى قدر الرغبة يكون الطلب وبحسب الراحة يكون التعب وربما استثقل المتعلم الدرس والحفظ اعتمادا واتكل بعد فهم المعاني على الرجوع إلى الكتب ومطالعتها عند الحاجة ⦗٥١⦘ فما هو إلا كمن أطلق ما صاده ثقة بالقدرة عليه بعد الامتناع منه فلا تعقبه الثقة إلا خجلا والتفريط إلا ندما وكان الزهري يسمع على مشايخه إلى الليل ثم يأتي جاريته فيوقظها فيقول لها حدثني فلان بكذا وفلان بكذا فتقول: ومالي ولهذا؟ فيقول: إنك لا تنتفعي لكني سمعت الآن فأردت أن أستذكره. وكان ابن رجاء يأتي صبيان الكتاب فيجمع الغلمان فيحدثهم لئلا ينسى. قال النخعي: من سره أن يحفظ العلم فليحدث حتى يسمعه ولو ممن لا يشتهيه فإذا فعل كان كالكتاب في صدره ولا ينافي ذلك الحديث الآتي إن إضاعة العلم أن تحدث به غير أهله لأن محله إذا كان لغير مصلحة كالتذكر هنا. والنسيان ذهول ينتهي إلى زوال المدرك من القوة المدركة والحافظة وحيث يحتاج في حصوله إلى سبب جديد والسهو ذهول عن المدركة بحيث لا ينتهي إلى زواله منها بل ينتبه له بأدنى تنبيه. والتذكر استعادة ما أثبته القلب مما تنحى عنه بنسيان أو غفلة
-
(وآفة الحلم) بكسر المهملة فسكون اللام (السفه) بالتحريك أي وعاهة الأناة والتثبت وعدم العجلة الخفة والطيش والحلم ملكة ورزانة في البدن توجب الصبر على الأذى يورثها وفور العقل. والسفه خفة في البدن أو في المعاني يقتضيها نقصان العقل. وقال الحراني: هو خفة الرأي في مقابلة ما يراد منه من المتانة والرزانة. وقال الراغب: التسرع إلى القول القبيح والفعل القبيح (وآفة الحسب) بفتح المهملتين (الفخر) بفتح فسكون وتحرك أي وعاهة الشرف بالآباء إدعاء العظم والتمدح بالخصال. قيل لبعض الحكماء: ما الذي لا يحسن وإن كان حقا؟ قال: مدح الرجل نفسه وإن كان محقا. قال الزمخشري: الحسب ما يعده الشخص من مآثره ومآثر آبائه ومنه قولهم من فاته حسب نفسه لم ينفعه حسب أبيه. والفخر كما في المصباح: المباهاة بالمكارم والمناقب. وقال الراغب: المباهاة بالأشياء الخارجة عن الإنسان وذلك نهاية الحمق فمن نظر بعين عقله وانحسر عنه قناع جهله عرف أن أعراض الدنيا عارية مستردة لا يأمن في كل ساعة أن يسترجع. قال بعض الحكماء لمفتخر: إن افتخرت بفرسك فالحسن له دونك أو بثيابك ومتاعك فالجمال لهما دونك أو بآبائك فالفخر فيهم لا فيك ولو تكلمت هذه الأشياء لقالت هذه محاسننا فأين محاسنك
-
(وآفة الجود) بضم الجيم (السرف) بالتحريك أي وعاهة السخاء التبذير والإنفاق في غير طاعة وتجاوز المقاصد الشرعية. والجود إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي وهو أعم من الصدقة. والسرف صرف الشيء فيما ينبغي زائدا على ما ينبغي. والتبذير صرفه فيما لا ينبغي. ذكره جمع. وقال الماوردي: الإسراف تجاوز في الكمية وهو جهل بمقادير الحقوق. والتبذير تجاوز في موضع الحق فهو جهل بمواقعها وكلاهما مذموم والثاني أدخل في الذم إذ المسرف مخطئ بالزيادة والمبذر مخطئ بالكل ومن جهل مواقع الحقوق ومقاديرها بماله وأخطأها فهو كمن جهلها بفعاله. وقال الراغب: التبذير التفريق أصله إلقاء البذر وطرحه فاستعير لكل مضيع ماله فتبذير البذر تضييع في الظاهر لمن لم يعرف مآل ما يلقيه. ثم القصد بهذه الجملة الحث على تجنب هذه الأخلاق والتنفير عنها والتحذير منها وأنه ما من خلق كريم إلا وله آفة تنشأ من طمع لئيم فنبه على أن الإنسان يكون بالمرصاد لدفع ما يرد عليه من هذه الآفات " تنبيه " قد ذكر الحكماء آفات من هذا الجنس فقالوا: آفة العلم الملل وآفة العمل رؤية النفس وآفة العقل الحذر وآفة العارف الظهور من غير وارد من جهة الحق وآفة المحبة الشهوة وآفة التواضع الذلة وآفة الصبر الشكوى وآفة التسليم التفريط في جنب الله وآفة الغنى الطمع وآفة العز البطر وآفة البطالة فقد الدنيا والآخرة وآفة الكشف التكليم به وآفة الصحبة المنازعة وآفة الجهل الجدل وآفة الطالب التسلل دون الإقدام على المكاره وآفة الفتح الالتفات للعمل وآفة الفقير الكشف وآفة السالك الوهم وآفة الدنيا الطلب وآفة الآخرة الإعراض وطلب الأعواض وآفة الكرامات الميل إليها وآفة العدل الانتقام وآفة التعبد الوسوسة وآفة الاطلاق الخروج عن المراسم وآفة الوجود رؤية الكمال. وذكروا آفات أخر وفي هذا الكفاية
-
(هب) وكذا ابن لال في المكارم وزاد: " وآفة الدين الهوى " (وضعفه) قال السخاوي: وفيه مع ضعفه انقطاع (عن) باب مدينة العلم ربان سفينة الفهم سيد الحنفاء زين الخلفاء ذي القلب العقول ⦗٥٢⦘ واللسان والسؤال بشهادة الرسول أمير المؤمنين (علي) بن أبي طالب القائل فيه المصطفى: " من كنت مولاه فعلي مولاه " والقائل هو لو شئت لأوقرت لكم من تفسير سورة الفاتحة سبعين وقرا. والقائل: أنا عبد الله وأخو رسوله والصديق الأكبر لا يقولها بعدي إلا كاذب. قتل بالكوفة شهيدا وعمر كالنبي وصاحبيه. ثم إن اقتصار المؤلف على عزو تضعيفه للبيهقي يؤذن بأنه غير موضوع وقد رواه الطبراني بتقديم وتأخير عازيا لعلي أيضا وتعقبه الهيتمي بأن فيه أبا رجاء الحبطي وهو كذاب وبما تقرر عرف خطأ من زعم كبعض شراح الشهاب أنه حسن
ج ١ ص ٥٢١١ - (آفة) أهل (الدين) أو المرا الدين نفسه لأن شؤم كل منهم يعود على الشريعة بالوهن (ثلاثة) من الرجال أحدهم (فقيه) أي عالم (فاجر) أي مائل عن الحق هاتك ستر الديانة. والفجور هو الانبعاث في المعاصي. وفي المغرب: الفجر الشق ومنه الفجور والفسوق والعصيان لأن الفاجر ينفتح له طريق المعصية ويتسع فيها. وفي غيره أصل الفجر الشق ومنه: {وفجرنا خلالهما نهرا} والفجور شق ستر الديانة (و) الثاني (إمام) أي سلطان سمي به لأنه يتقدم على غيره والمراد هنا حاكم (جائر) أي ظالم والإمام من يؤتم أي يقتدى به والجمع إمام أيضا. قال المولى حسن الرومي: فعلم أن ما ذكره القاضي كالزمخشري في: {واجعلنا للمتقين إماما} تمحل لا ضرورة إليه وكثيرا ما يجتمع على أئمة (و) الثالث (مجتهد) أي عابد مجد في العبادة (جاهل) بأحكام الدين. قال الحراني: والجهل التقدم في الأمور المبهمة بغير علم والمراد هنا عدم العلم بالواجب عليه من الشرائع الظاهرة والتنكير للتحقير. وخص هؤلاء لعظم الضرر بهم إذ بهم تزل الأقدام فالعالم يقتدى به والإمام تعتقد العامة وجوب طاعته حتى في غير طاعة والمتعبد يعظم الاعتقاد فيه. وقدم الفقيه لأن ضرره أعظم إذ بتساهله وتهوره تنقلب الأحكام وتضل الأنام ويعود الوهن على الإسلام. قال علي كرم الله وجهه كفى بالجهل ذما أن يتبرأ منه من هو فيه. وقال بعضهم: خير المواهب العقل وشر المصائب الجهل
-
(فر) من حديث نهشل عن الضحاك (عن) عبد الله (ابن عباس) ورواه عنه أبو نعيم ومن طريقه وعنه تلقاه الديلمي ونهشل. قال الذهبي في الضعفاء. قال ابن راهويه كان كاذبا والضحاك لم يلق ابن عباس ومن ثم قال المؤلف في درر البحار سنده واه اه
ج ١ ص ٥٢١٢ - (آفة العلم النسيان) قال التوربشتي: النسيان ترك ضبط ما استودع إما لضعف قلبه أو عن غفلة أو قصد. قال الماوردي: النسيان نوعان أحدهما ينشأ عن ضعف القوة المتخيلة عن حفظ ما يغفل عنه الذهن ومن هذا حاله قل على الأضداد احتجاجه وكثر إلى الكتب احتياجه وليس لمن بلي به إلا الصبر أو الإقلال لأنه على القليل أقدر وبالصبر أحرى وأن ينال ويظفر. وقال الحكماء: اتعب قدميك فكم تعب قدمك. وقالوا: إذا اشتد الكلف هانت الكلف والثاني يحدث عن غفلة التقصير وإعمال التواني فينبغي لمن ابتلي به استدراك تقصيره بكثرة الدرس وإيقاظ غفلته بإدامة النظر ومن ثم قيل أكمل الراحة ما كان عن كد التعب وأعز العلم ما كان عن ذل الطلب (وإضاعته) أي إهماله وإتلافه وإهلاكه (أن تحدث به غير أهله) ممن لا يفهمه أو لا يعمل به فتحديثك له به إهمال له أي جعلته بحيث صار مهملا أو إتلاف وإهلاك لعدم معرفته بما تحدثه به أو لعدم الانتفاع به وكذا من هو لاه أو متغافل أو مستخف به وهذا على الثاني استعارة بالكناية. وأخرج البيهقي عن وهب أن ذا القرنين لما بلغ مطلع الشمس قال له ملكها صف لي الناس قال: محادثتك من لا يعقل كلامك بمنزلة من يضع الموائد لأهل القبور وكمن يطبخ الحديد يلتمس أدمة. قال لقمان نقل الصخور من مواضعها أيسر من إفهام من لا يفهم. وأخرج البيهقي عن كثير الحضرمي لا تحدث بالحكمة عند السفهاء فيكذبوك ولا بالباطل عند الحكماء فيمقتوك ولا تمنع العلم أهله فيأثم ولا تحدث به غير أهله فيحمقك إن عليك في علمك حقا كما أن عليك في مالك حقا
-
(ش) وكذا ابن عبد البر في كتاب العلم (عن) أبي محمد سليمان بن مهران ⦗٥٣⦘ (الأعمش) الكوفي الكاهلي تابعي ثقة جليل رأى بعض الصحابة ولم يثبت له منهم سماع وكان أكثر أهل عصره حديثا وأعلمهم بالفرائض وكان يسمى بالمصحف لصدقه (مرفوعا) إلى النبي (معضلا) وهو ما سقط من إسناده اثنان على التوالي وهو بفتح الضاد من أعضله أعياه فهو معضل فكأن المحدث الذي حدث به أعياه فلم ينتفع به من يرويه عنه (وأخرج) ابن أبي شيبة (صدره فقط) وهو: " آفة العلم النسيان " (عن) أبي عبد الرحمن عبد الله (ابن مسعود موقوفا) أي مقصورا عليه فلم يتجاوز به إلى النبي وظاهر اقتصار المؤلف على عزوه لابن أبي شيبة من طريقه أنه لا يعرف لغيره وإلا لذكره تقوية له لكونه معلولا والأمر بخلافه فقد رواه بتمامه من هذا الوجه الدارمي في مسنده والعسكري في الأمثال عن الأعمش معضلا ورواه عنه ابن عدي من عدة طرق بلفظ: " آفة العلم النسيان وإضاعته أن تحدث به من ليس له بأهل " ورواه من طريق عن قيس بن الربيع بلفظ: " وإضاعته أن تضعه عند غير أهله " وروى صدره عن ابن مسعود أيضا موقوفا البيهقي في المدخل قال الحافظ العراقي ورواه بطين في مسنده من حديث علي بلفظ: " آفة العلم النسيان وآفة الجمال الخيلاء ورواه ابن عدي عن علي مرفوعا بلفظ: " آفة الحديث الكذب وآفة العلم النسيان " فكان ينبغي للمؤلف الإكثار من مخرجيه إشارة إلى تقويته
ج ١ ص ٥٣١٣ - (آكل) بكسر الكاف اسم فاعل وزعم أنه بسكونها وهم (الربا) أي متناوله بأي وجه كان وعبر عنه بالأكل مجازا. قال الزمخشري: من المجاز فلان أكل غنمي وشربها وأكل مالي وشربه أي أطعمه الناس وأكلت أطفالي الحجارة انتهى. وبه يستغنى عن قولهم عبر بالأكل لأنه يأخذه ليأكله أو لأنه المقصد الأعظم من المال وهو بكسر الراء والقصر وألفه بدل من واو ويكتب بها وبياء وينسب إليه فيقال ربوي بالكسر. قال المطرزي: وفتح الراء خطأ. وهو لغة الزيادة وشرعا عقد على عوض معلوم مخصوص غير معلوم التماثل في معيار الشرع حالة العقد أو مع تأخير في البدلين أو أحدهما. وفي شرح المصابيح للقاضي: الربا في الأصل الزيادة ثم نقل إلى ما يؤخذ زائدا علي ما بذل في المعاملات وإلى العقد المشتمل عليه والمراد به ههنا القدر الزائد أي الذي تحقق وجوده من العقد المشتمل عليه وبهذا التأويل يردان معا ولكونه منهيا عنه لما فيه من أكل المال بالباطل على وجه مخصوص مع العلم والتعمد بعد ما أنزل الله فيه جازي آكله بلغته تنفيرا عنه وعليه يحمل خبر " لعن الله الربا وآكله " إذ اللعنة وإن كانت فيه واقعة على العقد باعتبار اشتماله على الزيادة لكن المراد العاقد لتحقق وقوع اللعنة على من تلبس بمحرم بتلبسه به إذ الربا معنى والمعاني لا تلعن حقيقة وإن عبر بها عن فاعل ذلك مجازا لكونها سببا انتهى. وهو كبيرة إجماعا ولم يحل في شريعة قط ولم يؤذن الله عاصيا بالحرب غير آكله. قال الحراني: يقع الإيثار فيه قهرا وذلك الجور الذي يقابله العدل الذي غايته الفضل فأجور الجور في الأموال الربا كالذي يقتل بقتيل قتيلين وبهذا اشتد الجور بين العبيد الذين حظهم التساوي في أمر بلغة الدنيا انتهى. وبه استبان أن تحريمه معقول المعنى خلافا لبعض الأعاجم لا تعبدي محض وزعم أن ما ذكر إنما يصلح حكمة لا علة ممنوع ولما كان تحريمه فيما بين العبد والرب كان فيه الوعيد بالإيذان بالحرب من الله ورسوله ولذلك حمى جميع ذرائعه أشد الحماية وأشدهم في ذلك عالم المدينة حتى إنه حمى من صورته مع الثقة بسلامة الباطن منه وعمل بضد ذلك في محرمات ما بين العبد ونفسه وكل من طفف في ميزان فتطفيفه ربا بوجه ما فلذلك تعددت أبوابه وتكثرت أسبابه (وموكله) مطعمه
قال الخطيب: سوى بينهما في الوعيد لاشتراكهما في الفعل وتعاونهما عليه وإن كان أحدهما مغتبطا والآخر مهتضما ولله سبحانه وتعالى حدود فلا تتجاور عند الوجود والعدم والعسر واليسر فضرورة الموكل لا تبيح له أن يوكله الربا لإمكان إزالتها بوجه من وجوه المعاملة والمبايعة فإن فرض تعذره فعليه أن يتجوز عن صريح الربا بضرب من ضروب الحيل المعروفة انتهى. وحينئذ يظهر أنه لا كراهة فيها عند القائل ⦗٥٤⦘ بأنها تنزيهية كالشافعية ولا حرمة عند غيرهم لأن الضرورات تبيح المحظورات (وكاتبه) الذي يكتب الوثيقة بين المترابين (وشاهداه) أي اللذان يتحملان الشهادة عليهما وإن لم يؤديا كما قاله بعض شراح مسلم وفي معناهما من حضر وأقره. قال: وإنما سوى بينهم في اللعن لأن العقد لا يتم إلا بالمجموع ولم يذكر في نسخ: " وشاهداه " وهي رواية النسائي وعليها فالمراد بالكاتب ما يشمل الشاهد لأنه شاهد وزيادة (إذا علموا ذلك) أي علم كل منهم أنه ربا وأن الربا حرام وهذا الشرط معتبر فيمن بعد هؤلاء أيضا. وإنما لم يؤخره لأنه إذا اشترط العلم في الربا مع اشتهار ذمة وإطباق الملل على تحريمه ففي غيره أولى ولو أخره ربما توهم عود الشرط لما وليه فقط وأطنب بتعدد المذكورين وتفصيلهم ليستوعب مزاولته مزاولة ما بأي وجه كان. ذكره الطيبي. قال: وهذا تصريح بتحريم الكتابة للمترابين والشهادة عليهما وتحريم الإعانة على الباطل (والواشمة) التي تغرز الجلد بنحو إبرة وتذر عليه نحو نيلة ليخضر أو يزرق وتأنيثه على إرادة التسمية فيشمل الرجل أو خص الأنثى لأنها الفاعلة لذلك غالبا لا لإخراج غيرها (والموشومة) المفعول بها ذلك (للحسن) أي لأجل التحسين ولو لحليل ولا مفهوم له لأن الوشم قبيح شرعا مطلقا لأنه تغيير لخلق الله وتجب إزالته حيث لم يخف مبيح تيمم (ولاوى) بكسر الواو (الصدقة) أي المماطل بدفع الزكاة بعد التمكن وحضور المستحق أو الذي لا يدفعها إلا بإكراه يقال لوى مدينه مطله ورجل لوى عسر يلتوي على خصمه (والمرتد) حال كونه (أعرابيا) بفتح وبياء النسبة إلى الجمع (بعد الهجرة) أي والعائد إلى البادية ليقيم مع الأعراب بعد ما هاجر مسلما والمراد أنه هاجر إذا وقع سهمه في الفيء ولزمه الجهاد خلع ذلك من عنقه فرجع بعد هجرته أعرابيا كما كان وكان من رجع بعد هجرته بلا عذر يعد كالمرتد لوجوب الإقامة مع النبي صلى الله عليه وسلم لنصرته وورد في خبر أنه كبيرة
-
قال القاضي والحكمة في الهجرة أن يتمكن المؤمن من الطاعة بلا مانع ولا وازع ويتبرأ عن صحبة الأشرار المؤثرة بدوامها في اكتساب الأخلاق الذميمة والأفعال الشنيعة فهي في الحقيقة التحرز عن ذلك والمهاجر الحقيقي من يتحاشى عنها والأعرابي ساكن البادية والأعراب أهل البدو والأصح نسبتهم إلى عربة بفتحتين وهي من تهامة لأن أباهم إسماعيل نشأ بها كذا في المغرب. وفي المصباح: واحد الأعراب أعرابي بالفتح وهو من يكون ذو نجعة وارتياد للكلأ. زاد الأزهري هبه من الأعراب أو مواليهم (ملعونون) مطرودون عن مواطن الأبرار لما اجترحوه من ارتكاب هذا الفعل الشنيع الذي هو من كبار الآصار لأن اللعن إبعاد في المعنى والمكانة والمكان إلى أن يصير الملعون بمنزلة السفل في أسفل القامة يلاقى به ضرر الوطء ذكره الحراني. وأصل اللعن من الله تعالى إبعاد العبد من رحمته بسخطه ومن الآدمي الدعاء عليه بالسخط واللعن بالوصف جائز حتى لطائفة من عصاة المؤمنين كما هنا لكن ليس المراد به في حقهم الطرد عن رحمة الله بالكلية بل الإهانة والخذلان. ولهذا قال النووي: اتفق العلماء على تحريم اللعن فإن معناه الإبعاد عن الرحمة ولا يجوز أن يبعد منها من لا تعرف خاتمة أمره معرفة قطعية مسلما أو كافرا إلا من علم بنص أنه مات أو يموت كافرا كأبي جهل وإبليس. قال: وأما اللعن بالوصف كآكل الربا وموكله والفاسقين وغيرهم مما جاءت النصوص بإطلاقه على الأوصاف لا على الأعيان فجائز. وفي شرح الهداية: اللعن نوعان:
أحدهما الطرد عن رحمة الله وهذا ليس إلا للكافرين والثاني الإبعاد عن درجات الأبرار ومقام الأخيار وهو المراد في هذه الأخبار. والحاصل أن الطرد والإبعاد على مراتب في حق العباد وأن اللعن بالشخص بمعنى اليأس من الرحمة لا يجوز حتى لكافر إلا من علم بالنص أنه مات أو يموت كافرا ولا حجة للمجوز في خبر: " إذا دعى الرجل زوجته إلى فراشه فأبت لعنتها الملائكة " لأنه كما قيل يحتمل كونه من خصائص المعصوم لأن الخصوصية لا تثبت بالاحتمال بل لأن ذلك ليس من لعن المعين إذ التعيين إنما يحصل باسم أو إشارة ولعن الملائكة ليس من ذلك بل من اللعن بالوصف كأن يقول: اللهم العن من باتت هاجرة فراش زوجها (على لسان محمد) صلى الله عليه وسلم أي لعنا واردا على لسانه مما أوحى الله إليه أو بقوله (يوم ⦗٥٥⦘ القيامة) أي يقول في الموقف إن الله أمرنا بإبعاد من اتصف بهذه الكبائر ومات مصرا عليها عن مواطن الأبرار ودرجات الأخيار ثم بعد ذلك قد يدركهم العفو بشفاعة أو دونها وقد يعذبون ومصير من مات مسلما إلى الجنة وإن فعل ما فعل وزاد في رواية (صلى الله عليه وسلم) وهي من الراوي لا من لفظ الرسول: وفيه أن هذه المذكورات من الكبائر ومن صرح بأن التعرب بعد الهجرة من الكبائر العلائي. وليوم القيامة أسماء كثيرة جمعها الغزالي ثم القرطبي فبلغت نحو ثمانين وهذا الترتيب مقصود فأعظم هؤلاء السبعة إثما آكل
-
الربا لأنه مغتبط ثم مطعمه لأنه مضطر لذلك غالبا ثم كاتبه لأن إثمه إنما هو لإعانته على باطل ثم الشهود إقرارهما عليه
-
(ن) في السير وغيرها وكذا أحمد والبيهقي (عن) أبي عبد الرحمن عبد الله (ابن مسعود) وفيه الحارث الأعور. قال الهيتمي بعد عزوه لأحمد ولأبي يعلى والطبراني. وفيه الحارث الأعور ضعيف وقد وثق وعزاه المنذري لابن خزيمة وابن حبان وأحمد. ثم قال: رووه كلهم عن الحارث الأعور عن ابن مسعود إلا ابن خزيمة فعن مسروق عن ابن مسعود وإسناد ابن خزيمة صحيح انتهى. فأهمل المصنف الطريق الصحيح وذكر الضعيف ورمز لصحته فانعكس عليه. والحاصل أنه روي بإستادين أحدهما صحيح والآخر ضعيف فالمتن صحيح
ج ١ ص ٥٥١٤ - (آكل) بالمد وضم الكاف قال الزمخشري وحقيقة الأكل تناول الطعام. وقال الكرماني: بلع الطعام بعد مضغه (كما يأكل العبد) أي في القعود له وهيئة التناول والرضا بما حضر تواضعا لله تعالى وأدبا معه فلا أتمكن عند جلوسي له ولا أتكئ كما يفعله أهل الرفاهية ولا أنبسط فيه فالمراد بالعبد هنا الإنسان المتذلل المتواضع لربه (وأجلس) في حالة الأكل وغيرها (كما يجلس العبد) لا كما يجلس الملك فإن التخلق بأخلاق العبودية أشرف الأوصاف البشرية. وقد شارك نبينا في ذلك التشريف بعض الأنبياء واختصاصه إنما هو بالعبد المطلق فإنه لم يسم غيره إلا بالعبد المقيد باسمه: {واذكر عبدنا داود} وعبدنا أيوب فكمال العبودية لم يتهيأ لأحد من العالمين سواه وكمالها في الحرية عما سوى الله بالكلية. وقال الحراني: ومقصود الحديث الاغتباط بالرق والعياذ من العتق فذلك هو أول الاختصاص ومبدأ الاصطفاء والتحقق بالعبودية ثمرة ما قبله وأساس ما بعده وهذا أورده على منهج التربية لأمته فانه المربي الأكبر فإخباره عن نفسه بذلك في ضمن الإرشاد إلى مثل ذلك الفعل وأما في حد ذاته فيخالف الناس في العبادة والعادة تمكن للأكل أم لا أما في عبادته فلأنه يعبد ربه على مرأى منه ومسمع وأما في عادته فإنه سالك مسلك المراقبة فلو وقع لغيره في العبادات ما يقع له في العادات كان ذلك الإنسان سالكا مقام الإحسان وفيه أنه يكره الجلوس للأكل متكئا
-
(ابن سعد) في الطبقات (ع حب) وكذا الحاكم في تاريخه (عن) أم المؤمنين (عائشة) بالهمز قال الزركشي: وعوام المحدثين يقرؤنه بياء صريحة وهو لحن وهي الصديقة بنت الصديق المبرأة من كل عيب الفقيهة العالمة العاملة حبيبة المصطفى قالت: قال لي يا عائشة لو شئت لسارت معي جبال الذهب أتاني ملك إلى حجرة الكعبة. فقال: إن ربك يقرئك السلام ويقول لك إن شئت كنت نبيا ملكا وإن شئت نبيا عبدا فأشار إلى جبريل: أن ضع نفسك فقلت: نبيا عبدا فكان بعد لا يأكل متكئا ويقول: " آكل كما يأكل العبد " إلى آخره. ورواه البيهقي عن يحيى بن أبي كثير مرسلا وزاد " فإنما أنا عبد " ورواه هناد عن عمرو بن مرة وزاد: " فوا الذي نفسي بيده لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرا كأسا " ولتعدد هذه الطرق رمز المؤلف لحسنه
ج ١ ص ٥٥١٥ - (آل محمد كل تقي) أي من قرابته كما بينه الحليمي لقيام الأدلة على أن آله من حرمت عليهم الصدقة أو المراد آله بالنسبة لمقام نحو الدعاء ورجحه النووي رحمه الله في شرح مسلم فالإضافة للإختصاص أي هم مختصون به اختصاص أهل الرجل به وعليه فيدخل أهل البيت دخولا أوليا كذا حرره بعض المتأخرين أخذا من قول الراغب: آل النبي صلى الله عليه وسلم أقاربه وقيل المختصون به من حيث العلم وذلك أن أهل الدين ضربان ضرب مختص بالعلم ⦗٥٦⦘ المتقن والعمل النافع المحكم فيقال لهم آل النبي وأمته وضرب يختصون بالعلم على سبيل التقليد ويقال لهم أمة محمد ولا يقال آله وكل آل النبي أمته ولا عكس. وقيل لجعفر الصادق: الناس يقولون: المسلمون كلهم آل النبي. قال: صدقوا وكذبوا. قيل: كيف؟ قال كذبوا في أن الأمة كافتهم آله وصدقوا أنهم إذا قاموا بشرائط شريعته آله والمتقي من يقي نفسه عما يضره في العقبى أو من سلك سبيل المصطفى ونبذ الدنيا وراء القفا وكلف نفسه الإخلاص والوفا واجتنب الحرام والجفا ولو لم يكن له فضل إلا قوله تقدس: {هدى للمتقين} لكفى لأنه تعالى بين في غير موضع أن القرآن هدى للناس وقال {هدى للمتقين} فكأنه قال: المتقون هم الناس وغير المتقي ليس من الناس. وقال الحراني: المتقي المتوقف عن الإقدام على كل أمر لشعوره بتقصيره عن الاستبداد وعلمه بأنه غير غني بنفسه فهو متق لوصفه وحسن فطرته. والتقوى تجنب القبيح خوفا من الله وهي أصل كل عبادة ووصية الله لأهل الكتب بأسرها
-
(طس) وكذا في الصغير وكذا ابن لال وتمام والعقيلي والحاكم في تاريخه والبيهقي (عن أنس) قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من آل محمد؟ فذكره. قال الهيتمي: وفيه نوح بن أبي مريم وهو ضعيف جدا. وقال البيهقي: هو حديث لا يحل الاحتجاج به. وقال ابن حجر: رواه الطبراني عن أنس وسنده واه جدا وأخرجه البيهقي عن جابر من قوله وإسناده واه ضعيف. وقال السخاوي: أسانيده كلها ضعيفة
ج ١ ص ٥٦١٦ - (آل القرآن) أي حفظته العاملون به (آل الله) أي أولياؤه. وأضيفوا إلى القرآن لشدة اعتنائهم به وأضيفوا إلى الله تشريفا. قال ابن عربي آل القرآن هم الذين يقرؤن حروفه من عجم وعرب ويعلمون معانيه وليس الخصوصية من حيث القرآن بل من حيث العلم بمعانيه فإن انضاف إلى حفظه والعلم بمعانيه العمل به فنور على نور. قال في الفائق: وأصل آل أهل ويختص على الأشهر بالإشراف كما هنا فلا يقال آل الخياط. وقال الراغب الآل مقلوب أهل وتصغيره أهيل لكنه خص بالإضافة إلى إعلام الناطقين دون النكرات والأزمنة والأمكنة
-
(خط في) كتاب (رواه) الإمام (مالك) بن أنس من رواية محمد بن بزيع عن مالك عن الزهري (عن أنس) ابن مالك ثم قال مخرجه الخطيب وبزيع مجهول وفي الميزان خبر باطل وأقره عليه المؤلف في الأصل وقال غيره موضوع
ج ١ ص ٥٦١٧ - (آمروا) بالمد وميم مخففة مكسورة هكذا الرواية فمن شدد الميم لم يصب وإن صح معناه (النساء) اسم لجماعة إناث الأناسي الواحدة امرأة من غير لفظ الجمع (في بناتهن) أي شاوروهن في تزويجهن لأنه أدعى للألفة وأطيب للنفس. إذ البنات للأمهات أميل وقد يكون عند أمها رأي صدر عن علم بباطن حالها أو بالزوج. قال البيهقي: قال الشافعي: لم يختلف الناس أنه ليس للأمهات أمر لكنه على معنى استطابة النفس. وقال ابن العربي: هذا غير لازم إجماعا وإنما هو مستحب والمراد هنا الأم والجدات من جهة الأب ومن جهة الأم فإنها وإن استؤذنت قد تأذن حياء. قال في الكشاف: والائتمار والتشاور يقال الرجلان يتآمران ويأتمران لأن كلا منهما يأمر صاحبه بشيء أو يشير عليه بأمر. وقال الراغب: الائتمار قبول الأمر ويقال للتشاور ائتمارا لقبول بعضهم أمر بعض فيما أشار به والأمر طلب الفعل من الدون وبه سمي الأمر الذي هو واحد الأمور تسمية المفعول به بالمصدر قال الزمخشري وهذا وما قبله خطاب مشافهة وهو كما قال القاضي وغيره شامل للموجودين وقت الخطاب ومن سيوجد إلى قيام الساعة إلا ما خص بدليل
-
(د) في النكاح (هق) فيه كلاهما (عن ابن عمر) بن الخطاب وفي رواية إسماعيل بن أمية عن ⦗٥٧⦘ الثقة عن ابن عمر في شأنهن بدل بناتهن ورمز المؤلف لحسنه
ج ١ ص ٥٧١٨ - (آمروا) بضبط ما قبله (النساء) أي البالغات (في أنفسهن) جمع نفس من النفاسة ونفس الشيء ذاته وحقيقته ويقال للروح لأن أنفس الحي به وللقلب لأنه محل الروح أو متعلقه وللدم لأن به قوامها وللماء لشدة حاجتها له وللرأي في قولهم فلان يؤامر نفسه ذكره الزمخشري والمراد هنا الأول يعني شاوروهن في تزويجهن (فإن الثيب) فعيل من ثاب رجع لمعاودتها التزوج غالبا أو لأن الخطاب يثاوبونها أي يراسلونها ويعاودونها. قال الزمخشري: ويقال للرجل والمرأة ثيب وفي الصحاح رجل ثيب وامرأة ثيب. قال ابن السكيت: وهو الذي دخل بامرأته وهي التي دخل بها (تعرب) تبين وتوضح (عن نفسها) من أعربت عنه وعربته بالتنقيل بينته وأوضحته. قال في المصباح: يروى في المهموز ومن المثقل. وقال الزمخشري: أعربت عن حاجته تكلم بها واحتج لها (وإذن البكر) أي العذراء. قال في الصحاح: الذكر والأنثى فيه سواء. وفي المصباح: البكر خلاف الثيب رجلا أو إمرأة. قال القاضي: وتركيب البكر للأولية ومنه البكرة والباكورة. وقال الراغب: البكرة أول النهار وتصور منها معنى التعجيل لتقدمها على سائر أوقات النهار فقيل لكل متعجل بكر وسمى التي تفتض بكرا اعتبارا بالثيب لتقدمها عليها فيما يراد له النساء (صمتها) أي سكوتها والأصل وصماتها كإذنها فشبه الصمات بالإذن شرعا ثم جعل إذنا مجازا ثم قدم مبالغة والمعنى هو كاف في الإذن وهذا كقوله " ذكاة الجنين ذكاة أمه " إذ أصله ذكاة أم الجنين ذكاة. وإنما قلنا أصله صماتها كإذنها لأنه لا يخبر عن الشيء إلا بما يصح كونه وصفا له حقيقة أو مجازا فلا يصح أن يكون إذنها مبتدأ لعدم صحة وصف الإذن بالسكوت لأنه يكون نفيا له فيصير المعنى إذنها مثل سكوتها وقبل الشرع كان سكوتها غير كاف فكذا إذنها فينعكس المعنى ذكره في المصباح وأفاد الخبر أن الولي لا يزوج موليته إلا بإذنها لكن الثيب يشترط نطقها والبكر يكفي سكوتها لما قام بها من شدة الحياء. وهذا عند الشافعي في غير المجبر أما هو فيزوج البكر بغير إذن مطلقا. وقال الأئمة الثلاثة: عقد الولي بغير إذن موقوف على إجازتها. والثيب عند الشافعي من وطئت في قبلها مطلقا وغيرها بكر فالثيب بغير وطء بكر عنده وعند أبي حنيفة وكذا بزنا ظاهر عندهما وطرده الشافعي في الخفي وجعل سبب الإجبار البكارة لا الصغر وعكس أبو حنيفة ومحل التفصيل كتب الفروع
-
(طب هق) وكذا الحاكم في تاريخه (عن العرس) بضم العين المهملة وسكون الراء بعدها مهملة (ابن عميرة) بفتح العين بضبط المؤلف كغيره الكندي روى عن ابن أخيه عدي وزهدم قيل مات في فتنة ابن الزبير ورمز المؤلف لحسنه وقضيته أنه لا يبلغ درجة الصحة وليس كذلك فقد قال الحافظ الهيتمي بعد عزوه للطبراني رجاله ثقات هكذا جزم به
ج ١ ص ٥٧١٩ - (آمن) بالمد وفتح الميم (شعر أمية) بضم الهمزة وفتح الميم وشد المثناة تحت تصغير أمة عبد الله (بن أبي الصلت) بفتح المهملة وسكون اللام ومثناة فوق وهو ربيعة بن وهب بن عوف ثقفي من شعراء الجاهلية مبرهن غواص على المعاني معتن بالحقائق متعبد في الجاهلية يلبس المسوح ويطمع في النبوة ويؤمن بالبعث وهو أول من كتب باسمك اللهم. وزعم الكلاباذي أنه كان يهوديا ويقال إنه دخل في النصرانية وأكثر في شعره من ذكر التوحيد وأحوال القيامة والزهد والرقائق والحكم والمواعظ والأمثال. قال الزمخشري: كان داهية من دواهي ثقيف وثقيف دهاة العرب ومن دهائه ما هم به من ادعاء النبوة وكان جلابة للعلوم جوالا في البلاد (وكفر قلبه) أي اعتقد ما ينافي شعره المشحون بالإيمان والحكمة والتذكير بآلاء الله وأيامه فلم ينفعه ما تلفظ به مع جحود قلبه. روى مسلم عن عمرو بن الشريد قال: " ردفت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هل معك من شعر أمية؟ قلت: نعم فأنشدته مئة بيت فقال: لقد كاد أن يسلم في شعره " وروى ابن مردويه بإسناد قال ابن حجر قوي عن ابن عمر وفي قوله تعالى: {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها} قال: نزلت في أمية بن أبي الصلت. وقال غيره في بلعام وعاش أمية حتى أدرك وقعة بدر ورثا من قتل بها من الكفار ومات أيام حصار الطائف كافرا ومن نظمه: ⦗٥٨⦘